أنا فتاة أبلغ من العمر 19 عاماً، أعيش في ظروف قاسية للغاية، ليس منذ هذه الأيام بل من يوم أن ولدت، فأنا لدي أب لا تعرف الرحمة والحنان طريقاً إلى قلبه، فكلما تذكرت طفولتي كم كانت تعيسة وحزينة؛ فأنا لم أشعر بحنان الأب يوماً حتى إنه لم يضمني إلى صدره يوماً، بل إني أتذكر معاملته القاسية وضربه لي حتى إنه كان دائم الإهانة لي داخل البيت وخارجه! كما أنه كان يتعمد الإساءة لي أمام أصدقائه وأقاربه، وكان يظن بذلك أن هذا من الرجولة، لم أجد منه إلا الصوت العالي والوحشية، وهذا يخالف طبيعتي حيث شهد لي الجميع أني إنسانة رقيقة المشاعر والإحساس.
وإني دائماً أتذكر لوالدي كلمات عندما تخطر ببالي أشعر منها بدوار، وهي:
1- سوف أحرمك من كل شيء!
2- سوف ترين مني أياماً سوداء، سوف أجعلك تكرهين العيشة!
3- أنا لم أكن أريدكم من البداية، أنا لم أكن أريد أطفالاً بل الحمل هذا جاء خطأ!
وغيرها كثير وكثير، ومع حرمانه لنا من الحنان أنا وشقيقتي الأكبر مني بعام واحد والتي هربت وتركت البيت منذ 3سنوات، لم يكن الحرمان من الحنان فحسب، بل كان الحرمان من كل شيء يمكن تخيله.
أما أمي فإنها لها عذرها فهي التي تعولنا نحن جميعاً، فإن أبي لا يعمل، وهو مع ذلك المتحكم في المال الذي تكسبه أمي، من السهل عنده أن ينفق أي مبلغ في أي شيء إلا علينا، كانت أمي تخرج من العمل من الساعة الثامنة، وتعود في الرابعة، كانت تأتي إلى البيت متعبة، لم يكن لديها الوقت الكافي الذي تمنحه لنا أنا وأختي، ولكن هي أيضاً لم تضمني إلى صدرها يوماً ولم تمسح لي دمعه في يوم، وهذا ما أدى بي إلى البحث عن الحضن الدافئ والبحث عن الحب وتلك المعاني التي أفتقدها.
وفي كل مرة كنت أخرج من كل تجربة بصدمة، كنت أظن أني بعد أن أنهي دراستي الثانوية وأذهب إلى الجامعة أن الحياة سوف تبتسم لي، وأن أعيش بعيدة في بلد آخر بعيداً عن والدي، وهذا ما حدث بالفعل، وفي خلال أربعة أشهر قضيتها في الترم الأول من السنة الأولى ما كنت أتحدث إليهم في التليفون إلا مجبرة على ذلك، وما سافرت خلال تلك المدة إلى بلدي لرؤيتهم، بل إني كنت أعيش في فترة من الصفاء الروحي والنفسي.
وفجأة حدث ما لم أكن أتوقع، فإن أمي وأبي جعلوني أترك الجامعة مجبرة على ذلك لأنهم لا يريدون صرف المزيد من المال على دراستي، وأخذوني بالغصب وأرجعوني إلى البلد، بعد أن رجعت أحسست أن الدنيا بعد أن كانت منورة وأنا بعيدة عنهم أظلمت ظلاماً دامساً وأظلمت من جديد كما كانت طول العمر، بل المرة هذه كانت أشد على نفسي، وكان الظلام حالكاً.
لم أقف في هذه المرة موقف المتفرج؛ فإن من ذاق طعم الراحة يوماً من الصعب عليه أن يعود لما كان فيه من الشقاء، فأصبحت أفكر في الهروب وترك المنزل وأن أذهب إلى أي بلد وأعيش فيها وأعمل وأصرف على نفسي، إلا أني كنت أخاف من هذه الفكرة، وأصبحت أحس أني مريضة نفسياً حيث إني ما أكاد أسمع صوته العالي إلا ويحدث لي صداع شديد ولا أشعر بأعصاب أطرافي وأحس بدوار وأني أريد القيء وزغللة في العين وضيق في التنفس، وأريد أن أبكي بحرقة فلا أستطيع، كما أني أصبحت وحيدة، أميل إلى الوحدة، لا أريد أن يكون لي اختلاط بالناس، أنا لم أعد أتحمل الخوف والقسوة والحزن وتعب الأعصاب، ووجدت أن الحل الوحيد الذي سوف يخرجني مما أنا فيه هو الهروب من المنزل وأعيش كما كنت أعيش وأنا في أيام الكلية.
كل ما أبحث عنه في هذه الدنيا هو الخلاص من عذاب الروح وعذاب النفس، أنا تعبانة جداً، ولا أدري ما الحل السليم ولا أدري ماذا أفعل! لا أدري كيف أتخلص مما أنا فيه ومن الماضي الذي يطاردني، أرجو الإفادة سريعاً قبل أن أفعل ما ليس في صالحي.
وجزاكم الله كل خير.