أرشيف المقالات

هذا العالم المتغير!

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 للأستاذ فوزي الشتوي يجتاز العالم الآن ثورة تنبئ بقلب نظم الصناعة والزراعة والطب وكل ما له صلة بالحياة الإنسانية، فأن الحرب الحالية قفزت بالعلم خطوات واسعة فذللت كثيرا من العقبات التي طالما وقف أمامها الإنسان حائراً وعندما يعود السلام وتعلن أسرار الاكتشافات العلمية سيجد الناس أنفسهم في عالم غير الذي عرفوه.
وفي هذا الباب سنقدم إلى القارئ العربي بعض أنباء هذه المكتشفات الحديثة قاتل الميكروبات أي حياة نعيشها إذا تخلصنا من المكروبات والحشرات التي تفتك بنا وبمتاعنا؟ إنك إذا تركت كوبا من اللبن ساعات تراه تجبن واصبح غير صالح للاستعمال.
وإذا تركت أناء طعام مدة من الزمن تجد الفساد يدب فيه، وعلة هذا الفساد تلك الأحياء الصغيرة التي نسميها مكروبات أو جراثيم تهاجمنا في عملنا وفي نومنا فتصبغ حياتنا بلون خاص من التحفظ.
فنحرص ألا نشرب من كوب شرب منه غيرنا، ونغلي طعامنا لنقتل ما يحتوي من جراثيم نحرص ألا تتسرب إليه مع الهواء إننا نظن أننا عرفنا كيف نتقي الجراثيم، فينكر علينا الواقع حسن ظننا: فالحقيقة إننا تعودنا الاستسلام لفتك الأمراض المختلفة بأجسامنا، فان أصبنا بالتيفود أو التيفوس أو الملاريا أو غيرها من الأمراض أدركنا أن اللص وجد منفذا إلى أجسامنا فهل من سبيل إلى الخلاص من هذا العدو الذي لا يهدأ؟ كان هذا حلماً، فاصبح الآن حقيقة.
وأمدنا العلم بأسلحة تقضي على المكروب الذي يسبح في الهواء، ويندس بين طيات ملابسنا، ويلتصق بفراش نومنا.
فقد وصل إلى اكتشاف مركب كيميائي نغمر فيه ملابسنا وفراشنا وندهن به حوائط منازلنا وأرضياتها فيقتل كل مكروب يتصل بها.
وتحتفظ هذه الأشياء بقدرتها على قتل المكروب سنة أو أكثر مع الغسل المتواصل فان أضيف هذا المركب إلى أدوات البناء وشبعت به سجف منازلنا وآثاثاتها ضمنا خلو منازلنا ومكاتب أعمالنا من الميكروبات، ووفرنا أيضاً متاعنا فلا تستطيع الحشرات إتلاف تمت أركان هذا الحلم في أحد معسكرات الجيش الأميركي منذ أسابيع قليلة بعد تجارب طويلة استمرت سنوات.
فكر أطباؤه أول الأمر في إيجاد طبقة رقيقة تنشر على الأثاث والفراش والأرض، فإذا مر بها ميكروب امسكته إلى أن يموت.
فلا يتطاير في الهواء كلما نظفت الغرف أو أثارت غبار أرضها مكنسة أو قدم. واختير لهذه التجربة معسكران يعيش فيهما 16 ألف جندي قسموا إلى جزأين متساويين.
فعاش ثمانية آلاف منهم في معسكرات عولجت بمادة زيتية تقبض على الجراثيم، وعاش الآخرون الحياة العادية.
فكانت النتيجة أن قلت المكروبات المتطايرة 97 في المائة في المعسكر الأول، وقلت إصابات الجهاز التنفسي بمقدار الثلث عن زميلتها.
ولم يرض الأطباء عن هذه النتيجة؛ فان الجنود لا تعيش داخل معسكراتها إلا فترة قليلة من الزمن.
فليس المطلوب هو اصطياد الميكروب بل قتله وأقبلت هذه الحرب فأوجبت ميادينها في الشرق الأقصى بين الغابات والمستنقعات حل هذا المعضل بكل سرعة.
ولم يكن العلماء مجردين من كل الأسلحة بل كانوا يحتفظون بمركب من القار والنحاس ولكنه كان كريه الرائحة مهيجا للجلد يستحيل غمر الملابس به حتى لا تؤذي الجلد.
فكان من الضروري الحصول على مركب عديم اللون والرائحة لا يؤثر احتكاكه بالجلد وتبقى خواصه في الأنسجة سنوات برغم غسلها وتنظيفها وعهد بالفكرة إلى فريقين: أولهما كيميائي بلجيكي اسمه ليورامبل ويساعده ابنه جاي؛ وثانيهما علماء معمل الكيمياء التابع لشركة جالهور.
وقدمت التجارب الأولى إلى الفريقين لتهذيبها أو استنباط ما هو أفضل منها.
فاستمرت التجارب عدة شهور توصلوا في نهايتها إلى مركب أساسه الزئبق.
وتقدر قابليته للفتك بالمكروبات بخمسة عشر ضعفا لحامض الفنيك ومع ذاك لا يهيج الجلد ولا يتلف الملابس واختير المركب الجديد فجاز اختيارا دقيقا أثبت به أنه خير قاتل للمكروبات.
فهو لا يستطيع أن يقتل فأراً صغيراً، فإن غمست فيه قطعة قماش ونشفتها ثم وضعتها في أناء به مكروبات التيفوس مثلا ثم سحبتها منه وحفظت الإناء في مكان مظلم وعدت إليه بعد أيام لتختبره تجد أن الميكروبات لم تتكاثر، وأن البقعة التي هبطت فيها قطعة القماش ظلت منطقة حرام خالية من الميكروبات.
ولولا هذا المركب لتكاثرت ميكروبات التيفوس وغيرت لون سائل الإناء وغمرت قطع النسيج في المركب القاتل للميكروبات ثم غسلت مرات وعرضت للهواء ولأشعة الشمس فوجد أن المنسوجات الصوفية احتفظت بقتلها لكل ميكروب يقترب منها بعد عشرين غسلة.
وغمرت فرشة أسنان في المركب فاحتفظت بخواصه 700 غسلة. وأراد الكيميائي رامبل أن يجرب تأثير مركبه على الجروح، ولكن المستشفيات رفضت أن تجعل من مرضاها حقل تجارب؛ فلم يجد مفرا من جعل نفسه هذا الحقل.
فاحدث في كل من ذراعيه جرحا.
ورطب إحداهما بمنديله المشبع بمركبه.
وعالج الثانية بالقماش المعقم والقطن بالطرق الطبية، فشفيت الأولى بسرعة، وظلت الأخرى مدة طويلة التهبت فيها مرات لان المكروبات هاجمتها. وليعرف رامبل تأثير مركبه على المنسوجات غمر نصف قميصه الأيمن في المركب الزئبقي.
وبعد مدة طويلة من الاستعمال المتواصل خفت أنسجة الجزء الأيسر بشكله ومتانته.
فان المكروبات والبكتريا التي تحب العرق إلا نساني كانت تهاجم الجزء الأيسر وترعاه، ولكنها لا تقرب من الأيمن فلم تستطع التأثير في أنسجته فان عولجت كل الحاجات التي يتناولها الإنسان أو يستعملها بهذا المركب فأنه يأمن شر المكروب والبكتريا.
فلا يكون وسيلة لنقل الأمراض في مناديله وملابسه وأحذيته أو في فراشه، بل يوفر على نفسه كثيرا من النفقات بحماية تلك الحاجيات من البكتريا فلا يتعفن طعامه أن هو أهمله يوما أو بعض يوم.
فمن تجارب رامبل أنه عمد إلى برتقالتين غطى إحداهما بمركبه الزئبقي، وترك الأخرى للطبيعة، وتركهما ستة أسابيع فوجد الأولى كما تركها ولكن مقوسة لتبخر مائها، أما الثانية فوجدها خرابا تفوح منها رائحة العفن. فوزي الشتوي

شارك الخبر

مشكاة أسفل ١