أرشيف المقالات

أدباء عالميون

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
8 2 - موريس ماترلنك للأستاذ صلاح الدين المنجد وأخرج ماترلنك، بعد (الأميرة مالين) درامته المسماة: (بالدخيل وهي ذات فصل واحد، تجري حوادثها في بهو مظلم، من قصر قديم.
أما أشخاصها فقلال: جد أعمى، وأب، وعم، وثلاث فتيات.
كما رأيت أن أشخاص الأميرة (مالين) هما الملك والملكة.

فالملكة تجن، والملك يموت.

ولكنهما يخفيان وراء شخصيهما أمراً، ذلك أن الناس كلهم أمام تلك القوة الخفية التي تؤثر فينا متشابهون، سواء أنسبوا ذلك للمصادفة أو الحظ أو الشقاء أو الموت.

لأن أشد الناس اختلافاً وتبايناً يصبحون متساوين متشابهين أمام العدم.
إذن فأشخاص الدرامة الثانية قليلون.
وهاهم أولاء في غرفة يكاد مصباحها لا يضئ.

يتكلمون وأصواتهم لا تسمع.

يقطعون الليل قلقين مظطربين وفي غرفة مجاورة تنام تلك التي يقلقون عليها ويظطربون.

تلك المرأة المشرفة على الموت.
لقد كانت تجود بنفسها، في حين كان الأب والعم، والفتيات يطمئن بعضهم بعضاً: - لقد تكلمت هذه الأمسية - (إنها تنام نوماً عميقاً - (هذه أول ليلة تشعر براحة فيها.
- (أحسب أن لنا الحق بالضحك أيضاً بلا خوف.
) ولكن الجد العجوز، لا يزول اظطرابه ولا قلقه؛ ولا يخفف من قلقه واظطرابه هذا الهراء الذي يسمعه، لأن عينيه لا تريان هذه المظاهر الخارجية التي تمنع الروح من الجولان، فهو متصل بالكون بروحه، يلتقط بها الأشياء ويدركها.
هي كلاقطة المذياع.

يعلم بها ما سيقع وسيكون.
لا جرم أن لدينا جميعاً هذه اللاقطات، ولكنها تختلف في قوتها؛ فكلما كانت الروح قوية كان هذا الإدراك أو ذاك الشعور قوياً.
ولكننا لا نفيد منها جميعاً.

لأن بصرنا يقف عند ظاهر الأشياء.
فالواقع الذي نشاهده يمحو الحق وهذه الفكرة ملازمة لآثار ماترلنك يعرضها ويفصلها ويشرحها.
وإن ما نعتبره أدوات كشف وفهم كالبصر والنطق، لهي عاهات.

فالأعمى في هذه الدرامة يرى ببصيرته، يرى ما لا يراه أولئك الذين يثرثرون من حوله.

ويتكلمون ويمضي ماترلنك في درامته هذه، فيصور لنا وساوس الجد المسكين وقلقه.
إنها لم تشعر بالروح والنشاط كما زعموا.
.
لا.
.
ولكن ماذا حدث.
؟ فلقد هب الهواء.

وخرست العنادل، وهاهو ذا خفق أقدام البستاني يرتفع.
لقد بدأ عمله.
.
ويثرثر الفتيات؛ ويضطرب الشيخ، فقد شعر بدخول مخلوق لا يستطيع أحد أن يراه.

إنه يرى.

يرى ما لو تكلم به لسخروا منه.

دخل هذا المخلوق الرهيب.

إنه هنا، في الدار، يحس به ويضطرب قلبه له.
ويطرق الشيخ الأعمى لحظة، وتدخل الراهبة فترسم الصليب.

لقد ماتت المرأة.
وجهد ماترلنك في إفهام القارئ أن الموت دخل إلى غرفه أولئك الأحياء، وكان بينهم، كما أنه في كل ساعة، وفي كل مكان، يستطيع أن يدرك المخلوقات كلها وماترلنك يدخل الموت في جميع مسرحياته، فالموت يسدد ضرباته دائماً للشباب والنعيم والحب، لا لأن السعادة أو الحب تصبان بما لا يصاب به الحقد والألم والبغض، بل لأن ضرباته شداد في السعادة والحب.

خفاف في الشقاء والحقد. وينحو النحو نفسه في درامته (العميان فمن هم هؤلاء الإثنا عشر أعمى: ستة عميان، وست عمياوات، التائهون في غابة من غابات أفريقية الاستوائية، تحت سماء صافية مزدانة بالنجوم.
ينتظرون عودة الكاهن الذي قادهم إلى تلك المناطق البعاد، فتركهم فيها ومضى.
هؤلاء العمى رمز الإنسانية القلقة الحائرة، التي تجهل الطريق الواجب اتباعها، وترتقب نجدة خارجية من دين أو فلسفة، فتنقذها مما هي فيه.
إن أولئك العميان وهم في تلك الغابة، لا يجهدون ولا يتحركون لأشد ضعفاً من الأطفال.

ماذا يفعلون وقد غاب الدليل.

إن صخوراً شما، وهوى سحاقاً تحيط بهم.
لقد حكم عليهم أن يبقوا في هذا السجن وسلط عليهم الموت، فهم يشعرون به عندما يفقد بعضهم بعضاً ولكنهم لا يجدون إلى رؤيته سبيلاً. على أن درامته المسماة (بيلياس وميليزاند أشد سحراً ورقة، وأقرب ما كتب ماترلنك من الواقع.
وقد افتن الموسيقيون في وضع ألحانها، فجلتها موسيقى شعبية ذائعة.
حتى أن سلطان النغم أكسبها قوة ورقة، وأن كانت هذه الموسيقى قد أوضحت بعض ما كان ينبغي أن يبقى غامضاً، كالأم والقلق والخيبة.

هذه الأشادي التي يجب أن تضل كالضلال.

وراء الأقوال.

يدركها المرء بروحه ويستخرجها بنفسه.
لقد تزوجت (ميليزاند) الحسناء (جالود الأمير وكان هذا صياد ماهراً، ذا بأس وقوة.
وكان أخوه بيلياس فتى غرانقاً، فأحبته ميليزاند، وأحبها.
وأنهما لفي خلوة من خلوات الحب، إذ يفجؤهما خولود.

فيثور ويغضب ويشهر سيفه ويطعن ميليزاند فتخرج، ويحاول أن ينتحر.

ويفر بيلياس فيرى بنفسه في هوة سحيقة.

فتتناثر قطع جسمه في جنباتها.
وتموت ميليزاند بعد أن تضع غلاماً.

وهنا تزداد الدرامة رفعة بالموسيقى.

على أن بيلياس وجولود وميليزاند ليسوا أشخاص الدرامة الأوائل.

وإنما كان صاحب (الدور) الأول، ذالك المجهول الذي لا يرى، رغم وجوده كان ماترلنك، عندما كتب هذه الدرامة، متشائماً.
فهو يصور القدر يسير الكون، فلا يستطيع أي مخلوق أن يقف في وجهه.
فالقدر هو الذي سلط على ميليزاند الآلام القتالة بعد فرارها من زوجها؛ وهو الذي وصل بين قلبيها وقلب بلياس بالحب.

هذا الحب العنيف الذي لا يقاوم، وهو الذي دفع جالود إلى القتل، وحال دون سعادة مخلوقين بريئين، ثم هو الذي ضرب العاشقين ضربات مؤلمات على جريمة لم يرتكباها.

فهذه القوة التي لا ترحم.

هي التي فعلت هذا كله.
العقيدة المسيحية (تبرر) الأم بأنه عقاب أو تكفير عن ذنوب.
ولكن بلياس وميليزاند لم يرتكبا جريمة، إنهما بريئان، وإنما تحابا.

فكان الحب جريمة لا تغفر. (دمشق - للبحث بقية) صلاح الدين المنجد

شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣