أرشيف المقالات

من قال لشيخه: لم؟ لا يفلح

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2منقال لشيخه: لِمَ؟ لا يفلح

هذه مقولة جعَلتها طائفة من الطوائف قانونًا لها تَعتمده في آليات ووسائل التربية وطرائقها، وأكَّدتها في مناهجها، حتى قالوا: كن بين يدي شيخك كالميِّت بين يدي غاسله.
 
وبناءً على هذا المنهج، يتابعون المنتمي لهم متابعة دقيقة جدًّا في هذه القضية التي يعتبرونها ركيزة أساسية، يُبنى عليها ما بعدها في المسائل كلها، بل كل ما بعدها يعتبر هيِّنًا مهما كان خطره، إذا صلَح التابع في هذه الشعبة، والتزَم هذا القانون.
 
فإذا كان ذلك كذلك، يصبح (روحانيًّا) مقرَّبًا، فيطفئ سراج عقله، فيلتزم الأوامر، ويتَّبع التوجيهات، ويتحول إلى ما يُشبه الآلة التي تُحرَّك ( بالريموت)، فلا يُناقش، ولا يُجادل، ولا يقول: لِمَ؟ ولا يسأل عن أشياءَ إن تُبْدَ له قد لا يتحمَّلها، بل إذا كان صالحًا ملتزمًا، عليه ألا يعترض ولو في سرِّه، ومن اعترَض انطرَد، بل يقولون شيئًا أبعد من هذا ويؤكِّدونه، فيَنصون على أنك حتى لو رأيتَ معصية ومنكرًا لا تعترض؛ لأن الأمر في ظاهره معصية، وفي حقيقته غير ذلك.
 
من هنا، فإن مَن اعترض طُرِد، وتُحكى في هذا الميدان غرائبُ وعجائب، لسنا بصدد عرْضها في هذه العُجالة، هذا من جانب، وحتى لا ندخل في عالم الأخْذ والرد، والإثبات وعدمه، فتضيع الفكرة في ثنايا جزئيَّاتها، من جانبٍ آخرَ.
 
والأصل عندنا مناقشة الفكرة للوصول إلى الحقيقة، ونقد الفكرة من حيث هي، بغَضِّ النظر عن قائلها، أو الجهة التي ينتمي إليها، فنُحقِّق معنى الحِيادية في العرض والرد.
 
هذا النوع من التربية مرفوضٌ من الناحية الشرعية، كائنًا من كان قائله؛ لأنها تعبير عن حالة من حالات الذِّلة والخنوع والانكسار، رغم أن أصحاب الفكرة يُفلسفونها بفلسفات تزيدها نفورًا وتعقيدًا.
 
السمع والطاعة في حالاته الشرعية أمرٌ محمود وطيِّب، ولصاحبه الأجر والثواب، هذا الأمر المحمود أيضًا، له ضوابطه وقواعده التي لا بد من التزامها، ومن أبرزها ما يأتي:
• أن تكون الطاعة والسمع فيما يُرضي اللهَ تعالى، أما إذا كانت في معصية ظاهرة، فهذا دليل كهنوتيَّة لا يقرُّها الإسلام، بل يردُّها ويرفضها رفضًا قاطعًا، لا تهاوُنَ فيه ولا تردُّد ولا تساهُلَ.
 
وهذا أمر وقع إجماع العلماء عليه؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ قال الله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ [آل عمران: 110].
 
وهذه الآية صريحة وواضحة في وجوب النهي عن المنكر، وأن الذين لا يمارسون هذا الواجب، ليسوا من أهل هذه الخيرية، وفي الحديث الصحيح يقول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((مَن رأى منكم منكرًا، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان)).
 
فهذا الحديث ردٌّ ظاهر على هذا الصِّنف الذي يُروِّج للسمع والطاعة ولو كان في ظاهره أنه معصية.
 
• الأمر الآخر أن الإسلام -قرآنًا وسُنة- دعانا إلى الشورى، وجعل الشورى ركيزة من ركائز الحياة في كل المسائل، فما خابَ من استشار؛ قال تعالى: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38].
 
وقال تعالى لنبيِّه حاثًّا له على شورى أصحابه، رغم أنهم ليسوا معصومين، بل بيَّن أنهم يُخطئون ويُذنبون: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159].
 
ومما لا شك فيه أن مقولة: "من قال لشيخه: لِمَ؟ لا يفلح" فيها تعطيل لقيمة الشورى التي كان يمارسها رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وصحْبه وسلم- مع أصحابه، رغم أنه نبي الله ورسوله المعصوم الموحَى إليه.
 
• الإسلام ينهج في تربيته الربَّانية نهْجَ بناء أُمة من الناس على معاني العزة والشموخ والرِّفعة، ولَم يَنهج بهم نهْج طَأطأة الرؤوس، وذِلة النفوس، وإهانة المرء بأي صورة من الصور.
 
الرسول -صلى الله عليه وسلم- ربَّى أصحابه على قول الحق، لا تأخذهم في الله لومةُ لائمٍ، وهنا تكون مصانع الرجال الذين يحملون أمانة الدين والدعوة، وهكذا تتربَّى الأجيال؛ لتكون قادرة على تبليغ الأمانة التي جعلها الله في عُنق بُناة الحياة وصُنَّاعها، على أساس من منهج الله تعالى، مُتمثلاً في الكتاب والسُّنة ومناهج سلف الأمة، وبغير هذا المنهج أنت تربي أرانبَ تخاف من صفير الصافر.
 
من هنا تجد أن الصحابة كانوا يُبدون آراءهم بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فما كان يَقمعهم ولا يُؤنِّبهم، بل إذا رأى في الرأي صوابًا أخذ به، وإن كان غير ذلك، ردَّه برفقٍ وأرشد إلى الصواب.
 
هذا الحُباب -رضي الله عنه-يقول للرسول: هل هو وحي، أم الرأي والحرب والمكيدة؟
لأن الحباب يُدرك في إطار المنهج الرباني أنه لا اجتهاد في مورد النصِّ، فما أن سمِع من رسول الله: ((بل هو الرأي والحرب والمكيدة))، حتى عاجَل في إبداء رأْيه، وأخذ به رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- وكان الأخذ بهذا الرأي من أسباب النصر.
 
نعم، يجب أن يكون إبداء الرأي بأدب جمٍّ، وحياءٍ، يختار أجمل الألفاظ وأجودها، وأطيب الكلمات وأحلاها؛ لأن الإسلام ربَّانا على الصراحة، لا على الوقاحة.
 
فما أحوجنا إلى قولة: "لِمَ؟"؛ لأنها تعبير صادق عن حياة الأمة وحيويَّتها، وتفجُّرها بالحيوية والنشاط، كما أنها سبيل رسْم منهج الحياة على قواعد الرشد التي تحتاجها الأمة، فلا معصوم بعد نبيِّنا -عليه الصلاة والسلام- فتَسير السفينة إلى برِّ الأمان، فلا إفراط، ولا تفريط، والتوازن من خصائص شريعة الإسلام.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ١