أرشيف المقالات

الإنسانية في أروع صورها (خطبة)

مدة قراءة المادة : 19 دقائق .
2الإنسانية في أروع صورها

الخطبة الأولى:
الحمد لله خلق الإنسان، علمه البيان، أحمده على ما أولاه من الفضل والإحسان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أرجو بها دخول الجنان، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، المؤيد بالمعجزات والبرهان، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه وأتباعه، أهل الصدق والإيمان، وسلم تسليمًا كثيرًا؛ أما بعد أيها الكرماء الأجلاء عباد الله:
 
ففي شِعاب مكة حيث نزلت الرسالة، هناك حيث تنزَّل الوحيُ على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، في ظل مجتمع كان وقتها يعاني عنصرية طبقية، وفي محيط اجتماعي كان يعاني أزمة انسانية معقدة، وفي السنوات الأولى من عمر الدعوة انتشر الإسلام انتشارًا واسعًا كان سببه الخطاب الإنساني الذي تبنَّتْهُ الرسالة لتؤكد أنها جاءت لإنقاذ الإنسانية وحمايتها بداية من صَون وجودها، مرورًا بكافة تفاصيل تكريمها، وتحريم وتجريم المساس بها من خلال مفهوم شامل هدفه هو الإنسان وليس استخدام الإنسان، هدفه حماية الإنسان وليس استخدامه، فمنذ اللحظة الأولى رفع الإسلام شعار الإنسانية، وأصَّل لها، فهي إحدى خصائص الإسلام الكبرى، تشغل حيزًا كبيرًا في منطلقاته النظرية، وفي تطبيقاته العملية، وقد رُبطت بعقائده وشعائره ومنهجه وآدابه ربطًا محكمًا؛ فالإنسانية في الإسلام ليست مجرد أمنية شاعرية تهفو إليها بعض النفوس، وليست فكرة مثاليةً تتخيلها بعض الرؤوس، وليست حبرًا على ورق سطرته بعض الأقلام، إنها ركن عقدي وواقع تطبيقي، وثمار يانعة.
 
وتأكيدًا لمعاني الإنسانية خلق الله الناس جميعًا من نفس واحدة، والإنسانية تعني: ذلك السلوك القائم على احترام قيمة الإنسان وكرامته، مهما كان دينه ومعتقده ولونه وعرقه؛ قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ﴾ [الإسراء: 70].
 
كما تعني التعايش السلمي المشترك بين أبناء المجتمع، إنه دعوة عالمية للتعارف والتآخي العام؛ حيث يقول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ﴾ [الحجرات: 13].
 
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((يا أيها الناس، ألَا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألَا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا أحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى))؛ [رواه أحمد].
 
كما تعني الأدب واللطف والرفق والرحمة والأخلاق الحميدة، التي تحتوي على معاني التراحم والتلاطف والتعاون والتآخي الإنساني والنصرة والنجدة للآخرين؛ قال تعالى في وصف كمال نبيه: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159].
 
ولو تدبَّرنا آيات القرآن، لوجدنا أن القرآن كله إما أن يكون حديثًا إلى الإنسان، أو حديثًا عن الإنسان؛ فكلمة "الإنسان" تكررت في القرآن ثلاثًا وستين مرةً، فضلًا عن ذكره بألفاظ أخرى مثل: "بني آدم" التي ذكرت ست مرات، وكلمة "الناس" التي تكررت مائتين وأربعين مرة في مكي القرآن ومدنيه، وكلمة (العالمين) وردت أكثر من سبعين مرة، ووردت فيه كلمة "البشر" بألفاظ مختلفة قرابة 37 مرة، وهناك سورة في القرآن اسمها "الإنسان".
 
ولعل من أبرز الدلائل على ذلك أن أول ما نزل من آيات القرآن على رسول الإسلام صلى الله عليه وسلم سورة "العلق" ذكرت كلمة "الإنسان"؛ قال تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ﴾ [العلق: 1 - 5]، ومضمونها كلها العناية بأمر الإنسان.
 
♦ وتتجلى إنسانية الإسلام في إعلاء قيمة الإنسان بين سائر المخلوقات، من خلال حرص الشريعة الإسلامية وتأكيدها على مجموعة من القضايا المهمة، فحرم الإسلام على أتباعه حتى مجرد المزاح بما يفزع؛ يروي الإمام أحمد عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنهم كانوا يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى نبل معه فأخذها، فلما استيقظ الرجل فزِع، فضحِك القوم، فقال: ما يضحككم؟، فقالوا: لا، إلا أنا أخذنا نبل هذا ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروِّع مسلمًا)).
 
♦ بل اعتبر مجرد الإشارة بالسلاح إلى إنسان بسلاح أو بحديدة عملًا محرمًا يأثم فاعله؛ فعن أبي هريرة يقول: قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم: ((من أشار إلى أخيه بحديدة، فإن الملائكة تلعنه، حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه))؛ [مسلم]، وفي لفظ: ((لا يشير أحدكم على أخيه بالسلاح، فإنه لا يدري، لعل الشيطان ينزع في يده، فيقع في حفرة من النار))؛ [متفق عليه].
 
♦ وجعل زوال الكعبة أيسر من سفك دم مسلم بغير حقٍّ؛ فعن عبدالله بن عمر، قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة، ويقول: ما أطيبَك وأطيبَ ريحك! ما أعظمَك وأعظم حرمتك! والذي نفس محمد بيده، لحرمة المؤمن أعظمُ عند الله حرمة منك؛ ماله، ودمه، وأن نظن به إلا خيرًا))؛ [ابن ماجه].
 
♦ ومن معالم إنسانية الإسلام الرائعة أنه رغم خلاف النبي صلى الله عليه وسلم مع قومه وظلمهم له، وتعديهم عليه، وتآمرهم بالقتل والإبعاد والتحريض إلا أنه لم يضِقْ صدره بهم ذرعًا، فعندما قيل له: ادعُ على المشركين، قال: ((إني لم أُبعث لعَّانًا، وإنما بعثت رحمةً))؛ [مسلم]، وقال في أهل مكة لما جاءه ملك الجبال ليأمره بما شاء: ((بل أرجو أن يُخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا))؛ [البخاري ومسلم]، ولما أُصيب في أحد قال له الصحابة الكرام: ادعُ على المشركين، فقال: ((اللهم اهدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون))؛ [شعب الإيمان للبيهقي]، وكاد أن يُهلك نفسه من الحسرة والألم وكثرة الفكر، وطول الهم، وبذل الجهد؛ عله أن ينقذ حياتهم من الكفر وآخرتهم من النار؛ والقرآن يشير إلى ذلك بقوله: ﴿ فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا ﴾ [الكهف: 6].
 
وفي المدينة، في السنة التاسعة للهجرة مات عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، بعد سنوات من عداوة الإسلام، والكيد للنبي صلى الله عليه وسلم والطعن في عرضه الطاهر من الآثام، فيحضر قبره، ويستغفر له، ويُلْبِسه قميصه.
 
♦ وأمر أتباعه حتى أثناء الحرب ألَّا يقتلوا طفلًا وألا يمثلوا بجثة؛ فعن سليمان بن بريدة، عن أبيه، قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمَّر أميرًا على جيش، أو سرية، أوصاه في خاصته بتقوى الله، ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا ...))؛ [مسلم].
 
♦ وتتجلى إنسانية الإسلام في أن يأتي نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة خصيمًا لمسلم موحد ظلم ذمِّيًّا؛ فروي عنه: ((من آذى ذميًّا فأنا خصمه، ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة))؛ [رواه الخطيب بإسناد حسن].
 
وعنه أيضًا: ((من آذى ذميًّا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله))؛ [رواه الطبراني في الأوسط بإسناد حسن].
 
♦ وعن صفوان بن سليم عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ألَا من ظلم معاهدًا، أو انتقصه، أو كلفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طِيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة))؛ [أبو داود].
 
ويَحرُم الجنة على من قتل معاهدًا؛ فعن عبدالله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((مَن قتَل معاهدًا لم يَرِحْ رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عامًا))؛ [البخاري].
 
♦ وبلغت إنسانية الإسلام أنِ اعتبر الحيوان كِيانًا معتبرًا ذا روح يحس بالجوع ويشعر بالعطش، ويتألم بالمرض والتعب، ويدركه ما يدرك الإنسان من أعراض الجسد؛ لذا أمر بالإحسان إليه والرحمة به؛ عند أبي داود: ((أن النبي دخل بستانًا لرجل من الأنصار، فإذا فيه جمل، فلما رأى الجمل النبي صلى الله عليه وسلم ذرَفت عيناه، فأتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح عليه حتى سكن، فقال: لمن هذا الجمل؟ فجاء فتًى من الأنصار، فقال: لي يا رسول الله، فقال له: أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا لي أنك تُجيعه، وتُدئبُه))؛ أي: تتعبه.
 
♦ بل نهى عن لعن الحيوان؛ يروي الإمام أحمد عن أبي برزة رضي الله عنه قال: ((كانت ‏راحلة‏ ‏أو ناقة أو بعير عليها بعض متاع القوم وعليها ‏‏جارية، ‏فأخذوا بين جبلين فتضايق بهم الطريق، فأبصرت رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم، ‏فقالت: ‏حل،‏ ‏حل، ‏‏اللهم العنها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ‏من صاحب هذه ‏ ‏الجارية؟ ‏لا تصحبْنا ‏‏راحلة ‏أو ناقة أو بعير عليها من لعنة الله تبارك وتعالى)).
 
♦ ونهى عن المُثلة بالحيوان، وهو قطع قطعة من أطرافه وهو حي، ولعن من فعل ذلك، فهل هذا دين إرهاب؟ عن ابن عمر رضي الله عنهما: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم لعن من مثَّل بالحيوان))؛ [البخاري].
 
وعن جابر رضي الله عنه: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم مر عليه حمار قد وُسِم – كُويَ - في وجهه، فقال: لعن الله الذي وسمه))؛ [مسلم].
 
♦ ودعا إلى الإحسان إلى الحيوان حتى عند ذبحه لأكله؛ فعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِّبحة، وليُحِدَّ أحدكم شفرته، وليُرِحْ ذبيحته))؛ [رواه مسلم].
 
وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: ((مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل واضع رجله على صفحة شاة، وهو يحد شفرته، وهي تلحَظُ إليه ببصرها، قال: أفلا قبل هذا؟ أو تريد أن تميتها موتتين؟))؛ [رواه الطبراني في الكبير والأوسط، ورجاله رجال الصحاح، ورواه الحاكم إلا أنه قال: ((أتريد أن تميتها موتات، هلَّا أحددْتَ شفرتك، هلا أحددت شفرتك قبل أن تُضْجِعَها))]، وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: ((أمر النبي صلى الله عليه وسلم بحدِّ الشِّفار، وأن توارى عن البهائم - أي: وأن تُخفى عن بصرهم - وقال: إذا ذبح أحدكم فليُجْهِز))؛ [رواه ابن ماجه]، والشفار: جمع شفرة، وهي السكين، وقوله: (فليجهز)؛ أي: فليسرع ذبحها ويتمه.
 
ويروي معاوية بن قرة، عن أبيه: ((أن رجلًا قال: يا رسول الله، إني لأذبح الشاة، وأنا أرحمها - أو قال: إني أرحم الشاة أن أذبحها - فقال: والشاة إن رحمتها، رحمك الله))؛ [رواه أحمد].
 
وعن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من رحم، ولو ذبيحة عصفور، رحمه الله يوم القيامة))؛ [الطبراني في الكبير]، وعن أبي عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من إنسان يقتل عصفورًا فما فوقها بغير حقها، إلا سأله الله عز وجل عنها، قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطع رأسها ويرمي بها))؛ [رواه النسائي والحاكم وصححه].
 
ومر ابن عمر رضي الله عنهما بفتيان من قريش قد نصبوا طيرًا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب كل خاطئة من نبلهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر رضي الله عنهما: ((من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا)).
 
قال ابن مسعود رضي الله عنه: ((كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فانطلق لحاجة، فرأينا حُمَّرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها فجاءت الحمرة فجعلت تعرِش، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها)).
 
♦ ليس هذا فحسب، بل غفر الله لمن رحم كلبًا وأشفق عليه، مهما بلغت ذنوبه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه الحر، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان مني، فنزل البئر فملأ خفَّه ماءً، ثم أمسكه بفيه حتى رقيَ، فسقى الكلب فشكر الله له، فغفر له، قالوا: يا رسول الله، إن لنا في البهائم أجرًا؟ فقال: في كل كبد رطبة أجر))؛ [رواه مالك والبخاري ومسلم، وأبو داود، وابن حبان في صحيحه، إلا أنه قال: ((فشكر الله له، فأدخله الجنة))].
 
وفي الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن امرأة بغيًّا - تمتهن الزنا من بغايا بني إسرائيل - رأت كلبًا في يوم حار يطيف ببئر قد أدلع لسانه من العطش فنزلت البئر، فنزعت له الماء بخفِّها، فسقته، فغُفر لها)).
 
♦ وفي المقابل أوضح لنا النبي صلى الله عليه وسلم أن الإساءة إلى البهائم ربما أودت بالعبد إلى النار؛ فقال صلى الله عليه وسلم فيما أخرجه مسلم: ((دخلت امرأة النار في هِرَّة – قطة - ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي أرسلتها تأكل من خَشاش الأرض حتى ماتت هزلًا)).
أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم.
 
الخطبة الثانية
الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
 
أما بعد:
فإن حضارة الإسلام هي أوسع الحضارات امتدادًا عبر الزمان والمكان، فعمت أرجاء الأرض، وحكمت العالم ثلاثة عشر قرنًا، ورغم هذا الاتساع الهائل والمدة الطويلة، فإنها أقل الحضارات البشرية سفكًا للدم، وتعذيبًا للبشر، ونشرًا للجوع والفقر؛ لأن دعاتها فتحوا قلوب الناس للإسلام قبل فتح بُلدانهم بالسِّنان، ورأى الناس منهم الرحمة والعدل والإحسان فسلموا لهم، وفضلوهم على حكم غيرهم، وأكثر بلاد الأرض إبان الفتوح دانت للمسلمين سلمًا، ورضيَ أهلها بحكمهم قبل الحرب، وطالب نصارى حمص أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه أن يستمر في حكمهم ولا يتخلى عنهم لبني دينهم، وبعد فتح سمرقند ادَّعى أهلها أن الفاتحين المسلمين لم يخيروهم بين الإسلام والجزية والحرب، فقبِل قاضي المسلمين حجتهم، وحكم لهم، وأمر جند المسلمين بإخلائها وتخييرهم قبل فتحها، فأسلم أهل سمرقند؛ لأنهم لم يروا لهذا العدل مثيلًا، وقد وطِئ أرضهم غزاة كثر.
 
وفي فتح القسطنطينية بكى رهبانها من عدل المسلمين فيهم، وإكرامهم لهم، وقد قارنوا عدلهم بظلم الكاثوليك لهم لما استباحوا بيزنطة وارتكبوا فيها المذابح، واغتصبوا النساء، وخربوا العمران، ونهبوا آثارها، رغم أنهم على دينهم.
 
إن حضارة الإسلام لما تمكنت في الأرض أقامت العدل في الجملة، وحكمت بين الناس بشريعة الله تعالى فأمِنَ المؤمن والكافر، والبر والفاجر، وأخذ كل ذي حق حقه.
 
إنها حضارة لم تُفسد الاقتصاد بالربا والقمار، ولم تَخنق الفقراء بالغش والاحتكار، وراعت حاجة الكبير والصغير، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والرجل والمرأة، والمسلم والكافر، فأعطت كل ذي حق حقه بلا زيادة ولا بخس؛ "مر عمر بن الخطاب رضي الله عنه بشيخ من أهل الذمة يسأل على أبواب الناس، فقال: ما أنصفناك أن كنا أخذنا منك الجزية في شبيبتك، ثم ضيعناك في كِبرك، ثم أجرى عليه من بيت المال ما يصلحه"، هذه الحضارة العظيمة وسِعت الناس كلهم، وشهد لها المؤرخون من شتى الأديان والأجناس، وأقروا بأنها أعظم حضارة مرت على البشرية منذ دُوِّن التاريخ إلى زمننا هذا، هذه الحضارة المميزة في جميع الميادين والمجالات.
 
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، وفاخروا بدينكم وحضارتكم؛ فإن الله تعالى جعل الاعتزاز بالإسلام والفخر به أحسن القول؛ ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33].
 
أيها المسلمون، الفرح بالإسلام، والفخر بالانتساب لحضارته ليس لأننا وُلدنا فيها، ولا لأن آباءنا وأجدادنا كانوا من أهلها، ولكن لأن دين الإسلام هو دين الحق، وحضارته حضارة الإنسانية والرحمة والعدل، فالاعتزاز بها اعتزاز بالإسلام، والاعتزاز بالإسلام اعتزاز بالعبودية الحقة لذي العزة والجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة؛ ﴿ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ﴾ [يونس: 65]، ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [المنافقون: 8]، فهل لنا في عودة صادقة إلى هذا الدين؟ هل لنا أن نتمثل هذه المواقف أو هذه المبادئ الموجودة في هذا الدين؟ هل لنا أن نكون دعاة إليه؟ فلأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من الدنيا وما عليها، اللهم أحينا مسلمين، وتوفنا مسلمين، واجعلنا من الدعاة إلى سبيلك القويم، اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت، اللهم حسِّن أخلاقنا وأعمالنا يا رب العالمين، اللهم أدبنا جميعًا بآداب نبيك، وأعنَّا على ذلك يا رب العالمين، وأقم الصلاة.

شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢