أرشيف المقالات

إلى من يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم

مدة قراءة المادة : 26 دقائق .
2إلى من يجيز تهنئة الكفار بأعيادهم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فقد أحزنتني فتوى لبعض الأفاضل تجيز تهنئة غير المسلمين بأعيادهم، لمن كان بينه وبينهم صلة قرابة أو جوار أو زمالة، أو غير ذلك من العلاقات الاجتماعية التي تقتضي حسن الصلة، ولطف المعاشرة التي يقرُّها العُرْف السليم، وادَّعى هؤلاء الأفاضل أن مشروعية تهنئة القوم بهذه المناسبة تتأكَّد إذا كانوا يبادرون بتهنئة المسلم بأعياده الإسلامية، وعلَّلُوا ذلك بأن الشرع قد أمرنا أن نجازي الحسنة بالحسنة، وأن نردَّ التحية بأحسن منها، وادَّعوا أن مشروعية التهنئة تتأكَّد أيضًا إذا أردنا أن ندعوهم إلى الإسلام ونُقرِّبهم إليه، ونُحبِّب إليهم المسلمين، وادَّعوا أن التهنئة لغير المسلم من باب حسن الأخلاق التي أُمِرْنا بها، ومن باب بِرِّ غير المسلمين المسالمين، ومن المثير للدهشة قولهم: "إذا كانت تهنئة النصارى بأعيادهم جائزةً، فإنه يجب التأكيد على أنه لا تجوز مشاركتهم في احتفالاتهم بأعيادهم، فنحن لنا أعيادنا، وهم لهم أعيادهم"، وسنبيِّن بإذن الله في هذا السفر مجانبة كلام هؤلاء الأفاضل للكتاب والسنة والإجماع، وأن ما اعتبروه مصلحةً؛ إنما هو مصلحة مُلغاة، لم يشهد لها الشرع بالاعتبار، فهي مصلحة تنطوي على مفاسد عديدة، وتفوِّت مصالح عديدة.
 
مفهوم التهنئة:
ومن المعلوم أن التهنئة ضد التعزية[1]، وَيُقَال: هنَّيتُه على الشَّيْء الَّذِي يُسَرُّ بِهِ تهنيةً، وهنَّأتُه الطعامَ تهنئةً: إِذا قلت لَهُ: هَنِيئًا[2]، والمقصود من التهنئة التودُّد وإظهار السرور[3] بما نال الإنسان، ومما جرت به العادة أن التهنئة والبشارة ونحو ذلك تكون على قدر المودة والخلطة، بخلاف السلام؛ فإنه مشروع على من عرفت ومن لم تعرف، ومن هنا ندرك أن في التهنئة بأعياد الكفار مشاركتهم في السرور بأعيادهم وإظهار السرور بها، ومن يظهر السرور بشيء لإنسان، فهو مقرٌّ به له، وراضٍ به له، وإن ادَّعى خلاف ذلك؛ إذ كيف يُهنِّئ إنسانًا بشيء وهو يكرهه ويبغضه ولا يرضاه له؟!

بغض الله سبحانه وتعالى للكفر وشعائره التي من أخصِّها الأعياد:
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى بأنه لا يرضى الكفر؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ [الزمر: 7]؛ أي: إن الله سبحانه وتعالى يكره الكفر ولا يرضاه، ويمنع الكفر ولا يبيحه بحال، وإذا كان الحق سبحانه وتعالى يكره الكفر ولا يرضاه لأحد، فلا يجوز لإنسان أن يرضى بكفر إنسان آخر؛ لأن الرضا بكفر الغير ما هو إلا رضا بما لا يرضاه الله سبحانه وتعالى، وهذا لا يجوز، وإذا كانت الأعياد من أخصِّ ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر[4]، فالتهنئة بأعياد الكفار ما هي إلا تهنئة بشعائر دين يبغضه الله ولا يرضاه، والتهنئة بأعياد الكفار ما هي إلا تهنئة بأخصِّ شرائع الكفر، وأظهر شعائره؛ لأن الأعياد من أعظم الشعائر التي تختصُّ بها الأمم والشرائع، ومن هنا ندرك أن التهنئة بأعياد الكفَّار تهنئة بأخص شعائر الكفر الذي يبغضه ولا يرضاه، وفيها رضا بأخص شعائر الكفر الذي يبغضه الله ولا يرضاه، فالواجب اجتنابها وتركها لا التهنئة بها.

النهي عن الجلوس في مجالس الكفر والعصيان التي منها أعياد الكفار:
وقد نهى الشرع عن الجلوس في مجالس الكفر والعصيان دون إنكار على أهلها؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ﴾ [النساء: 140]؛ يعني: وقد نزل عليكم أنكم إن جالستم من يكفر بآيات الله ويستهزئ بها وأنتم تسمعون، فأنتم مثله؛ يعني: فأنتم إن لم تقوموا عنهم في تلك الحال، مثلُهم في فعلهم؛ لأنكم قد عصيتم الله بجلوسكم معهم وأنتم تسمعون آياتِ الله يكفر بها ويُستهزأ بها، كما عصوه باستهزائهم بآيات الله.
فقد أتيتم من معصية الله نحو الذي أتَوْه منها، فأنتم إذًا مثلهم في ركوبكم معصية الله، وإتيانكم ما نهاكم الله عنه، وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على النهي عن مجالسة أهل الباطل من كل نوع، من المبتدعة والفسَقة، عند خوضهم في باطلهم، وبنحو ذلك كان جماعة من الأئمة الماضين يقولون، تأوُّلًا منهم هذه الآية أنه مرادٌ بها النهي عن مشاهدة كل باطل عند خوض أهله فيه[5].
 
وقال القرطبي رحمه الله: "قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ﴾ [النساء: 140]؛ أَيْ: غَيْرِ الْكُفْرِ، ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾ [النساء: 140]، فَدَلَّ بِهَذَا عَلَى وُجُوبِ اجْتِنَابِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُنْكَرٌ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَجْتَنِبْهُمْ، فَقَدْ رَضِيَ فِعْلَهُمْ، وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ؛ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ ﴾، فَكُلُّ مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسِ مَعْصِيَةٍ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ يَكُونُ مَعَهُمْ فِي الْوِزْرِ سَوَاءً، وَيَنْبَغِي أَنْ يُنْكِرَ عَلَيْهِمْ إِذَا تَكَلَّمُوا بِالْمَعْصِيَةِ وَعَمِلُوا بِهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى النَّكِيرِ عَلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَقُومَ عَنْهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ"[6].

وإذا كان الإنسان مأمورًا باجتناب مجالس الكفر والعصيان وتركها واعتزالها إلا أن يكون جلوسه للإنكار عليهم، فمن خالف ذلك وجلس في مجالس الكفر والعصيان ولم ينكر على أهل هذه المجالس وسكت - وإن كان يبغض ذلك ويكرهه في قلبه - فإنه يكون مثلهم، وحكمه حكمهم، فالراضي بالمنكر كمرتكبه، والراضي بالكفر كافر، وما دام الشخص يشارك أهل الكفر في السرور بأعيادهم وتهنئتهم بها، فهذا فيه إقرار منه ورضًا بأعيادهم التي رضوها لأنفسهم ولم يرضاها الله لهم، وفيه إدخال السرور على قوم في إقامتهم شعائر دين لا يرضاه الله، وقد تكون هذه التهنئة عونًا لهم على التمسُّك بدينهم الباطل، وبدل من إنكار المسلم عليهم دينهم الباطل الذي من ضمنه العيد، وبدل من هجر المسلم لهم حال احتفالهم بإحدى شعائر الكفر - ألا وهي العيد - يُهنِّئهم على عيدهم، وهذا أعظم إثمًا وأشد مقتًا من مجرد مجالستهم حال احتفالهم بإحدى شعائر الكفر وعدم الإنكار عليهم، واجتناب ذلك أشدُّ وجوبًا من مجرد اجتناب مجالستهم حال احتفالهم بإحدى شعائر الكفر.

النهي عن التعاون على الإثم والعدوان يدخل فيه التهنئة بأي أمر محرم ومنه التهنئة بأعياد الكفار:
والشرع نهى عن التعاون على الإثم والعدوان مع أي إنسان مسلمًا كان أو غير مسلم؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [المائدة: 2]، فلا يجوز لمسلم أن يعين أحدًا من الكفار على شيء من المحرمات والمنكرات في ديننا؛ لما في ذلك من التعاون على الإثم والعدوان، ولما في ذلك من التناصر على الباطل، وتهنئةُ الكفَّار بأعيادهم توجب سرورَ قلوبهم بما هم عليه من الباطل والكفر، وفي التهنئة تقوية نفوسهم على باطلهم وكفرهم، وقد تكون عونًا لهم على التمسُّك بكفرهم ودينهم الباطل، والشرك بالله والكفر به هو أعظم المنكرات، فلا يجوز الإعانة عليه بأي وجه من الوجوه.

التهنئة بأعياد الكفار مناقضة لما يجب القيام به نحو الكفر وشعائره من الإنكار:
ومما أوجب الشرع تغيير المنكر قدر الاستطاعة، والمنكر هو كل ما نهى عنه الشرع وذمَّه وذمَّ أهله، ويدخل في ذلك جميع المعاصي والبدع، والواجب عند رؤية أي منكر الإنكار قدر الاستطاعة؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((من رأى منكم منكرًا فليُغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان))[7]، وقد دلَّ الحديث على أن المسلم يجب عليه تغيير المنكر في جميع الأحوال وأن أقل درجات الإنكار المطلوبة هو الإنكار القلبي والتغيير بالقلب، ومعنى التغيير بالقلب هو الكراهة وعدم المخالطة[8]، وعدم الرضا بالمنكر، والنفور منه مما يدل على أن من ليس له سلطة التغيير باليد، وعاجز عن التغيير باللسان لا أقل من أن يجتنب الدخول إلى أماكن المعاصي والمنكرات من غير ضرورة، فلا يجوز البقاء في مكان فيه منكر من غير ضرورة ما دام الإنسان ليس له سلطة التغيير باليد وعاجزًا عن التغيير باللسان، ولا يجوز مخالطة فاعل المنكر والجلوس معه حال مواقعته المنكر من غير ضرورة، ما دام الإنسان ليس له سلطة التغيير باليد وعاجزًا عن التغيير باللسان، ومن باب أولى لا يجوز تهنئة فاعل المنكر بمواقعته للمنكر؛ لأن التهنئة أشدُّ من مجرد الجلوس والمخالطة من غير نكير، فهي تحمل معنى الإقرار والرضا بالمهنأ به، ورأس المنكرات الشرك والكفر بالله سبحانه وتعالى، وعليه فلا يجوز تهنئة الإنسان على كفره بالله، ولا يجوز تهنئة الإنسان على احتفاله بشعيرة من شعائر كفره التي من أخصها الأعياد، والذي يهنئ كافرًا على احتفاله بشعيرة من شعائر كفره يكون مناقضًا ومخالفًا لما يجب القيام به نحو الكفر وشعائره من الإنكار وليس الرضا بشعائر الكفر والإقرار بها.

النهي عن التشبُّه بالمشركين فيما هو من خصائصهم يدخل فيه النهي عن تهنئتهم بأعيادهم:
تضافرت النصوص الشرعية على حرمة التشبه بالمشركين، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((خَالِفُوا المُشْرِكِينَ: وَفِّرُوا اللِّحَى، واحفوا الشَّوَارِبَ))[9]، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ))[10]، والشرع قد أمر بمخالفة المشركين، ونهى عن التشبُّه بهم ومشابهتهم ليظهر التبايُن بين المؤمنين والكافرين في الظاهر كما هو حاصل في الباطن، فإن الموافقة والتشبُّه في الظاهر ربما تجرُّ إلى محبَّتهم وتعظيمهم، والشعور بأنه لا فرق بينهم وبين المؤمنين، ويقود المتشبِّه إلى أن يتخلق بأخلاق من تشبَّه به، وأن يعمل مثل أعماله، ومخالفة المشركين تستلزم عدم موافقتهم فيما هو من خصائصهم التي منها تهنئة بعضهم بعضًا بعيدهم.

ترك التناهي عن المنكر سبب لاستحقاق اللعنة والعقاب من الله، ومن جملة المنكرات الكفر وشعائره:
وقد دلَّت نصوص الشرع على أن عدم التناهي عن المنكر من أسباب الهلاك واستحقاق اللعنة والعقاب من الله؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المائدة: 78، 79]؛ أي: كان لا ينهى أحد منهم أحدًا عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمَّهم على ذلك؛ ليحذر أن يركب مثل الذي ارتكبوا[11]، فقد استحق بنو إسرائيل العقاب واللعن والطرد من رحمة اللَّه بسبب تقصيرهم في النهي عن المنكر؛ مما يدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب من أسباب البعد عن العقاب واللعن والطرد من رحمة اللَّه، وقد قال الله سبحانه وتعالى في شأن القرية التي كانت بقرب البحر، وكان محرم على أهلها صيد السمك يوم السبت؛ لكنهم كانوا يصطادون فيه السمك: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف: 165]؛ أي: إن النجاة من العذاب والعقاب كانت للمصلحين الذين كانوا ينهون عن السوء.

وقد وردت نصوص من السنة تُبيِّن أن العقاب يعمُّ جميع أفراد المجتمع إذا ظهر المنكر بين فئة منهم مع سكوت الآخرين القادرين على تغييره، وتخليهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كان الآخرون رجالًا صالحين؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إِنَّ النَّاسَ إِذَا رَأَوَا الْمُنْكَرَ فَلَمْ يُغَيِّرُوهُ، يُوشِكُ أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ))[12].

وإذا كان الكفر هو أعظم المنكرات، فمن يُهنئ الكافر بشعيرة من شعائره، ويتخلَّى عن واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا ينهى عن السوء، فهو داخل في وعيد من لا يتناهى عن المنكر.

حكاية ابن القيم للإجماع على حرمة تهنئة الكفار بأعيادهم:
حكى ابن القيم الإجماع على حرمة تهنئة الكفار بأعيادهم؛ فقال رحمه الله: "وأما التهنئة بشعائر الكفر المختصة به، فحرام بالاتفاق مثل أن يُهنئهم بأعيادهم وصومهم، فيقول: عيد مبارك عليك، أو تهنأ بهذا العيد، ونحوه، فهذا إن سلم قائله من الكفر، فهو من المحرمات، وهو بمنزلة أن يهنئه بسجوده للصليب؛ بل ذلك أعظم إثمًا عند الله وأشد مقتًا من التهنئة بشرب الخمر وقتل النفس وارتكاب الفرج الحرام ونحوه"[13].

الزعم بأن تهنئة الكفار بأعيادهم ليست من باب المشاركة زعم باطل:
من يزعم أن تهنئة الكفار بأعيادهم ليست من باب المشاركة في أعيادهم زعمه باطل؛ لأن من رضي بأمر أو حرَّض عليه أو أعان عليه كان كمن شارك فيه، ومن رضي بمنكر أو حرض عليه أو أعان عليه، فهو مؤيد للمنكر، ومساهم في انتشاره، وهذا لا يجوز.
 
ومن صور المشاركة شرعًا وقانونًا المشاركة بالتحريض والتشجيع، ولا شك أن في تهنئة الكفار بأعيادهم نوعًا من المشاركة والموافقة لهم في أعيادهم، ونحن مأمورون بمخالفة المشركين فيما هو من خصائصهم، والأعياد هي من أخصِّ ما تتميَّز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر، وعلى فرض أن تهنئة الكفار بأعيادهم ليس فيها نوع من المشاركة لهم في أعيادهم، فالتهنئة بأعيادهم لا تجوز؛ لأن التهنئة بالعيد الباطل؛ كالمشاركة في العيد الباطل، فكلاهما تأييد للباطل، وتأييد للمنكر وتأييد الباطل، وتأييد المنكر لا يجوز، وإن كان من يهنئهم بأعيادهم لا يقصد مشاركتهم في شركهم؛ وإنما يدفعه إليه المجاملة حينًا، والحياء أحيانًا أخرى؛ ولكن المجاملة على الباطل لا تجوز؛ بل الواجب إنكار المنكر والسعي في تغييره، وأقل الإنكار اعتزال المنكر وعدم الرضا به، ومن يهنئهم فكأنه يهنئهم على سجودهم للصليب وصلاتهم في الكنيسة.
 
تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم لا يستلزم الاعتداء عليهم:
تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم ليس معناه، ولا يستلزم الاعتداء عليهم في أعيادهم بالضرب أو السب وغير ذلك، فالإسلام يحرم الظلم والعدوان إلا على من اعتدى وظلم، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ظلم المعاهد، فقال في التحذير من ظلم المعاهدين وانتقاص حقوقهم: ((ألا من ظلم معاهدًا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس، فأنا حجيجه يوم القيامة))[14]، وقد ورد وعيد شديد لمن قتل ذمِّيًّا أو معاهدًا أو مستأمنًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَن قتل نفسًا معاهدًا لم يرح رائحة الجنة، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا))[15].

ترك تهنئة الكفار بأعيادهم ليس فيها تنفير للكفار من الإسلام ما دام المسلمون يتعاملون معهم بالبر والإحسان:
ترك تهنئة الكفار بأعيادهم ليس فيه تنفير للكفار من الإسلام ما دام المسلمون يتعاملون معهم بالبر والإحسان؛ بل في ترك تهنئة الكفار بأعيادهم عدم تأييدهم على باطلهم وكفرهم، وعدم إقرارهم على باطلهم وكفرهم، وأن الإسلام لا يحابي أحدًا في الحق، ولا يُجامل أحدًا في الحق، وأنه لا يقرُّ أحدًا على باطله، ومن المعروف اليوم أن الشعوب لا تجامل ولا تحابي على حساب قوانينها.

لا يستلزم بر الكافر المسالم إقراره على باطل أو فعل محرم:
لا يستلزم بر الكافر المسالم إقراره على باطل أو فعل محرم، فالذي أمر بالبر والإحسان هو الذي أمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وأمر بتغيير المنكر قدر الاستطاعة، وأمر باجتناب مجالس الكفر والعصيان دون إنكار على أهلها، والإحسان والبر يكون بميزان الشرع وليس بأهواء الناس، والإحسان يكون بما لا يخالف الشرع، وبما لا يكون فيه الإقرار على باطل أو فعل منكر، ورغم أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أبرُّ الناس وأحسن الناس خلقًا إلا أنه لم يرد عنه تهنئة أي كافر بعيد من أعياده رغم معايشته للكفار فترة من الزمن، مع وجود السبب المقتضي لذلك، ولو كان من البر لفعله ولو مرة أو حث عليه أو أقره، ولو كان شيء من ذلك قد حدث لنُقل إلينا لتوافر الهمم والدواعي على نقله.

تهنئة الكفار بأعيادهم ليست مثل إجابة دعوتهم وزيارتهم:
تهنئة الكفار بأعيادهم ليست مثل إجابة دعوتهم وزيارتهم إذا مرضوا أو تهنئتهم بالمولود والزواج ونحو ذلك، فهذه أمور مشتركة لا علاقة لها بشعيرة من شعائر دينهم، بخلاف الاحتفال بالعيد والتهنئة به، فالعيد أحد شعائر الديانات ورموزها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لكل قوم عيدًا وهذا عيدنا))[16]، وقال تعالى: ﴿ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ﴾ [المائدة: 48]، فشريعتنا غير شريعتهم، وأعيادنا غير أعيادهم، فلا نشاركهم أعيادهم، ولا يشاركوننا أعيادنا، وقال الذهبي رحمه الله: "فإذا كان للنَّصارى عيد، ولليهود عيد، مُخْتَصِّين بذلك، فلا يُشَارِكُهُمْ فيه مسلمٌ، كما لا يُشَارِكُهُمْ في شِرْعَتِهِمْ ولا في قِبْلَتِهِمْ"[17].


وإن هنَّأنا الكفار بأعيادنا، فلا يجوز أن نهنئهم بأعيادهم، فأحكام الشرع ليست مبادلة، وأعيادنا حق من ديننا الحق بخلاف أعيادهم الباطلة التي هي من دينهم الباطل، فإن هنَّأونا على الحق، فلن نهنِّئهم على الباطل؛ لأن أحكام الشرع لا تقبل التنازُلات والمداهنة.

مصلحة تأليف قلوب الكفار وتحبيبهم في ديننا لا تكون على حساب مخالفة شرعنا:
البعض يزعم أن من المصلحة تهنئة الكفار بأعيادهم؛ فهي من باب تأليف قلوبهم وتحبيبهم في ديننا، وهذا مجانب للصواب، فمصلحة تأليف قلوبهم وتحبيبهم في ديننا لا تكون على حساب مخالفة أحكام شرعنا، وإذا تضافرت الأدلة على تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم، فهذا معناه أن الشرع شهد برد هذه المصلحة، وشهد بإلغائها، وعدم اعتبارها، فهي تعتبر مرجوحة من حيث الصلاح، ومغلوبة من حيث النفع، وبالنسبة لما ستؤول إليه من المفاسد الكثيرة، وليس كل ما يراه الناس مصلحة يمكن أن يكون مصلحة مقصودة للشرع في حقيقة الأمر، وليس كل ما يراه الناس مفسدة يمكن أن يكون مفسدة مقصود الشرع رفعها في حقيقة الأمر؛ فالعقول قاصرة عن إدراك جميع المصالح والمفاسد، والعقول متفاوتة في تقدير المصالح والمفاسد، وأهواء الناس مُتباينة، ورغباتهم مختلفة.

بين مصلحة تأليف قلوب الكفار بالتهنئة بأعيادهم ومصالح ترك التهنئة بأعيادهم:
إن تحريم الشرع التهنئة بأعياد الكفار من الأدلة الواضحة على أن هذا الشرع من عند الله وليس من عند بشر؛ قال تعالى: ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82]، فلو كان الشرع من عند بشر لانساق وراء الأهواء ولجامل المخالفين له على حساب تعاليمه، ولتنازل عن بعض مبادئه ليكسب ودَّهم؛ لكن الشرع لا ينساق وراء رغبات الناس وأهوائهم، فكل رغبة أو مصلحة تنطوي على الشر والفساد، وتخفي في طيَّاتها الضرر والخراب على الناس - وإن كان ظاهرها المصلحة والمنفعة – ألغى الشرع اعتبارها؛ حفاظًا على الناس في دينهم أو دُنياهم أو كليهما.

ومما لا يعتبر من المصالح النافعة تهنئتهم بأعيادهم الكفرية، فهذه شهد الشرع ببطلانها لما تنطوي عليه من مفاسد كثيرة ولتفويتها مصالح أرجح منها، ومن المفاسد التي تنطوي عليها:
1- الإقرار والرضا بأعياد الكفار، وهذا يبغضه الله ولا يرضاه.
 
2- عدم التسليم للنصوص الواردة في تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم وتقديم الهوى على النقل.
 
3- عدم التناهي عن المنكر؛ إذ بدل إنكار الكفر وشعائره يهنئ الكفار بشعيرة من شعائره.
 
4- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ بدل دعوة الكفار للإسلام، ونهيهم عن الكفر والعصيان يهنئهم على الاحتفال بشعائرهم.
 
5- إعانة الكفار على التمسُّك بدينهم؛ فتهنئتهم توجب سرور قلوبهم بما هم عليه من الكفر وتقوي نفوسهم عليه، والواجب علينا تقليل الكفر والشر؛ لا تكثيره.


6- التشبُّه بالكفار في تهنئة بعضهم بعضًا بشعائرهم الدينية، وفي هذا إشعار بذل المسلمين وعزة الكافرين لتقليد المسلمين لهم، والتقليد من شيم المغلوبين.
 
7- رمي المسلمين بالتناقُض والنفاق، فالمسلم يعتقد أن الكفر أعظم المنكرات، ومع ذلك يهنئ الكافر على احتفاله بشعيرة من شعائر كفره، وقد يكون هذا مدعاة للسخرية من المسلمين، فيقول أحد الكفار لأحد المسلمين: عجبًا لكم أيها المسلمون كيف تعتقدون أن ديننا دين كفر وغي وضلال، وفي نفس الوقت تهنئوننا بأحد أعيادنا؟!

8- تعطيل إحدى الوسائل التي شرعها الله لمقاومة الكفر وتقليله؛ ألا وهي وسيلة الهجر؛ هجر الكفر وشعائره.
 
9- مخالفة سبيل المؤمنين في اجتناب التهنئة بالكفر وشعائره.
 
وترك تهنئة الكفار بأعيادهم فيها العديد من المصالح منها:
1- المحافظة على مقاصد الشرع باجتناب الكفر وشعائره.
2- التسليم للنص الشرعي وتقديم النقل على الرغبة والهوى.
3- التناهي عن المنكر.
4- التعاون على البر والتقوى، وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
5- مخالفة الكفار والمشركين فيما هو من خصائصهم.
6- زجر الكافر عن كفره باجتنابه يوم عيده وعدم تهنئته به، وقد يكون ذلك باعثًا على تنفيره من دينه أو إعادة النظر في معتقداته.
7- موافقة سبيل المؤمنين في اجتناب التهنئة بالكفر وشعائره.
 
وفي النهاية نقول: إن ما ظنَّه البعض أن تهنئة الكافر بعيده سترضيه وتُحبِّبه في الإسلام يعتبر ظنًّا غير صحيح؛ لأن ذلك سيجعله يزداد تمسُّكًا بدينه، وأنه أدعى لسخريته من المسلمين واتِّهامهم بالتناقض والنفاق والمداهنة، ونحب أن نبين أن كل الأدلة الدلالة على تحريم تهنئة الكفار بأعيادهم يدخل فيها من باب أولى الاحتفال بأعيادهم، ومساهمتهم في الاحتفال بأعيادهم.
هذا والحمد لله الذي بنعمته تتمُّ الصالحات.



[1] مختار الصحاح؛ لزين الدين بن أبي بكر الرازي، ص 328، المكتبة العصرية، الدار النموذجية، بيروت، صيدا، طبعة سنة 1420هـ / 1999م.


[2] جمهرة اللغة؛ لأبي بكر بن دريد الأزدي 2/ 997، دار العلم للملايين، بيروت طبعة سنة 1987م.


[3] الملخَّص الفقهي؛ لصالح فوزان الفوزان 1/ 280، دار العاصمة، الرياض، المملكة العربية السعودية، طبعة سنة 1423هـ.


[4] اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم؛ لابن تيمية 1/ 528، دار عالم الكتب، بيروت، لبنان طبعة سنة 1419هـ -1999م.


[5] تفسير الطبري 9/ 320، مؤسسة الرسالة، طبعة سنة 1420 هـ -2000 م.


[6] تفسير القرطبي 5/ 418، دار الكتب المصرية، القاهرة، مصر طبعة سنة 1384 هـ -1964م.



[7] رواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 49، كتاب: الإيمان، باب: بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان.


[8] شرح العقيدة السفارينية؛ لابن عثيمين، ص 710، دار الوطن للنشر، الرياض، طبعة سنة1426 هـ


[9] رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 5892، بَابُ: تَقْلِيمِ الأَظْفَارِ، ورواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 259، بَابُ: خِصَالِ الْفِطْرَةِ.


[10] رواه أبو داود في سننه حديث رقم 4031.


[11] تفسير ابن كثير 3/ 160، دار طيبة للنشر والتوزيع، طبعة سنة 1420هـ -1999 م.


[12] رواه ابن حبان في صحيحه، حديث رقم 305، قال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، مؤسسة الرسالة، بيروت طبعة سنة 1414 ه -1993م.


[13] أحكام أهل الذمة؛ لابن القيم 1/ 441 رمادى للنشر - الدمام، طبعة سنة 1418 هـ -1997م.


[14] رواه أبو داود في سننه، حديث رقم 3052.


[15] رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 3166.


[16] رواه البخاري في صحيحه، حديث رقم 952، بَابُ: سُنَّةِ العِيدَيْنِ لِأَهْلِ الإِسْلامِ، ورواه مسلم في صحيحه، حديث رقم 892، بَابُ: الرُّخْصَةِ فِي اللَّعِبِ الَّذِي لَا مَعْصِيَةَ فِيهِ فِي أَيَّامِ الْعِيدِ.


[17] تشبُّه الخسيس بأهل الخميس للذَّهبي، ص27.

شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن