وقُلْ لِمَن لامَ في التَّصابِي خَلِّ قَلِيلًا عَنِ الطَّرِيقِ
فَرَأيْتُهُ مِن بابِ التَّمْثِيلِيَّةِ المَكْنِيَّةِ، فَإنَّهُ حَذَفَ المُشَبَّهَ بِهِ - وهو حالُ المُتَعَرِّضِ لِسائِرٍ في طَرِيقِهِ يَسُدُّهُ عَلَيْهِ ويَمْنَعُهُ المُرُورَ بِهِ - وأتى بِشَيْءٍ مِن لَوازِمِ هَذِهِ الحالَةِ وهو قَوْلُ السّائِرِ لِلْمُتَعَرِّضِ:ذَكَرْتُكِ والخَطِّيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنا ∗∗∗ وقَدْ نَهِلَتْ مِنِّي المُثَقَّفَةُ السُّمَرُ
فَأثْبَتَ النَّهَلَ لِلرِّماحِ تَشْبِيهًا لَها بِحالَةِ النّاهِلِ فِيما تُصِيبُهُ مِن دِماءِ الجَرْحى المَرَّةَ بَعْدَ الأُخْرى كَأنَّها لا يَرْوِيها ما تُصِيبُهُ أوَّلًا ثُمَّ أتى بِنَهِلَتْ عَلى وجْهِ التَّبَعِيَّةِ، ومِن هَذا القِسْمِ عِنْدَ التَّفْتَزانِيِّ الِاسْتِعارَةُ في (عَلى) مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْهِ هُناكَ.أنا جُذَيْلُها المُحَكَّكُ وعُذَيْقُها المُرَجَّبُ
أوْ فِيهِ حَذْفٌ وإضْمارٌ نَحْوُ رَمْيَةٍ مِن غَيْرِ رامٍ. أوْ فِيهِ مُشاكَلَةٌ نَحْوُ: كَما تَدِينُ تُدانُ. أرادَ كَما تَفْعَلُ تُجازى. وفَسَّرَ بَعْضُهُمُ الغَرابَةَ بِالبَلاغَةِ والفَصاحَةِ حَتّى صارَتْ عَجِيبَةً، وعِنْدِي أنَّهُ ما أرادَ بِالغَرابَةِ إلّا أنْ يَكُونَ قَوْلًا بَدِيعًا خاصِّيًّا إذِ الغَرِيبُ مُقابِلُ المَأْلُوفِ والغَرابَةُ عَدَمُ الإلْفِ - يُرِيدُ عَدَمَ الإلْفِ بِهِ في رِفْعَةِ الشَّأْنِ - .نَسْتَوْقِدُ النَّبْلَ بِالحَضِيضِ ونَصْـ ∗∗∗ ــطادُ نُفُوسًا بُنَتْ عَلى الكَرَمِ
أرادَ وقُودًا يَقَعُ عِنْدَ الرَّمْيِ بِشِدَّةٍ. وكَذَلِكَ في الآيَةِ لِإيرادِ تَمْثِيلِ حالِ المُنافِقِينَ في إظْهارِ الإيمانِ بِحالِ طالِبِ الوَقُودِ بَلْ هو حالُ المَوْقِدِ.لَمّا رَأيْتُ نِساءَنا يَفْحَصْنَ بِالمَعْزاءِ شَدّا
نازَلْتُ كَبْشَهُمُ ولَمْ ∗∗∗ أرَ مِن نِزالِ الكَبْشِ بُدّا
ومِثالُ المُقارَنِ المُهَيَّأِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:فَلَمّا أجَزْنا ساحَةَ الحَيِّ وانْتَحى ∗∗∗ بِنا بَطْنُ خَبْتٍ ذِي حِقافٍ عَقَنْقَلِ
هَصَرْتُ بِفَوْدَيْ رَأْسِها فَتَمايَلَتْ ∗∗∗ عَلَيَّ هَضِيمَ الكَشْحِ رَيّا المُخَلْخَلِ
ومِثالُ المُقارَنِ الحاصِلِ اتِّفاقًا ﴿لَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾ [العنكبوت: ٣١] ﴿قالُوا سَلامًا﴾ [هود: ٦٩]، وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إلَيْهِ أخاهُ﴾ [يوسف: ٦٩] فَمَن ظَنَّ أنَّ ”لَمّا“ تُؤْذِنُ بِالسَّبَبِيَّةِ اغْتِرارًا بِقَوْلِهِمْ: وُجُودٌ لِوُجُودٍ - حَمْلًا لِلّامِ في عِبارَتِهِمْ عَلى التَّعْلِيلِ - فَقَدِ ارْتَكَبَ شَطَطًا ولَمْ يَجِدْ مِن كَلامِ الأئِمَّةِ فَرَطًا. و”أضاءَ“ يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا وهو الأصْلُ لِأنَّ مُجَرَّدَهُ: ضاءَ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ هَمْزَتُهُ لِلتَّعْدِيَةِ كَقَوْلِ أبِي الطَّمَحانِ القَيْنِيِّ:أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهم ∗∗∗ دُجى اللَّيْلِ حَتّى ثَقَّبَ الجِزْعَ ثاقِبُهْ
ويَجِيءُ قاصِرًا بِمَعْنى ضاءَ فَهَمْزَتُهُ لِلصَّيْرُورَةِ أيْ صارَ ذا ضَوْءٍ فَيُساوِي ضاءَ كَقَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ يَصِفُ البَرْقَ:يُضِيءُ سَناهُ أوْ مَصابِيحَ راهِبٍ ∗∗∗ أمالَ السَّلِيطُ بِالذُّبالِ المُفَتَّلِ
والآيَةُ تَحْتَمِلُهُما أيْ فَلَمّا أضاءَتِ النّارُ الجِهاتِ الَّتِي حَوْلَهُ وهو مَعْنى ارْتِفاعِ شُعاعِها وسُطُوعِ لَهَبِها، فَيَكُونُ ما حَوْلَهُ مَوْصُولًا مَفْعُولًا لِأضاءَتْ وهو المُتَبادَرُ.وفِي الحَيِّ أحَوى يَنْفُضُ المَرْدَ شادِنٌ ∗∗∗ مُظاهِرُ سِمْطَيْ لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدِ
وهَذا رُجُوعٌ بَدِيعٌ، وقَرِيبٌ مِنهُ الرُّجُوعُ الواقِعُ بِطَرِيقِ الِاعْتِراضِ في قَوْلِهِ الآتِي ﴿واللَّهُ مُحِيطٌ بِالكافِرِينَ﴾ [البقرة: ١٩] وحُسْنُهُ أنَّ التَّمْثِيلَ جَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ المُشَبَّهِ وذِكْرِ المُشَبَّهِ بِهِ فالمُتَكَلِّمُ بِالخِيارِ في مُراعاةِ كِلَيْهِما لِأنَّ الوَصْفَ لَهُما فَيَكُونُ ذَلِكَ البَعْضُ نَوْعًا واحِدًا في المُشَبَّهِ والمُشَبَّهِ بِهِ، فَما ثَبَتَ لِلْمُشَبَّهِ بِهِ يُلاحَظُ كالثّابِتِ لِلْمُشَبَّهِ. وهَذا يَقْتَضِي أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ جَوابَ (لَمّا) فَيَكُونُ جَمْعُ ضَمائِرِ ﴿بِنُورِهِمْ وتَرَكَهُمْ﴾ إخْراجًا لِلْكَلامِ عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ إذْ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يَقُولَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِ وتَرَكَهُ، ولِذَلِكَ اخْتِيرَ هُنا لَفْظُ النُّورِ عِوَضًا عَنِ النّارِ المُبْتَدَأِ بِهِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى الِانْتِقالِ مِنَ التَّمْثِيلِ إلى الحَقِيقَةِ لِيَدُلَّ عَلى أنَّ اللَّهَ أذْهَبَ نُورَ الإيمانِ مِن قُلُوبِ المُنافِقِينَ، فَهَذا إيجازٌ بَدِيعٌ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمّا أضاءَتْ ذَهَبَ اللَّهُ بِنارِهِ فَكَذَلِكَ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وهو أُسْلُوبٌ لا عَهْدَ لِلْعَرَبِ بِمِثْلِهِ فَهو مِن أسالِيبِ الإعْجازِ. وقَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] ﴿قالَ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكم قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤] فَقَوْلُهُ أُرْسِلْتُمْ حِكايَةٌ لِخِطابِ أقْوامِ الرُّسُلِ في جَوابِ سُؤالِ مُحَمَّدٍ ﷺ قَوْمَهُ بِقَوْلِهِ ﴿أوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ [الزخرف: ٢٤] وبِهَذا يَكُونُ ما في هَذِهِ الآيَةِ مُوافِقًا لِما في الآيَةِ بَعْدَها مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ﴾ [البقرة: ١٩] إذْ يَتَعَيَّنُ رُجُوعُهُ لِبَعْضِ المُشَبَّهِ بِهِ دُونَ المُشَبَّهِ. وجَوَّزَ صاحِبُ الكَشّافِ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ اسْتِئْنافًا ويَكُونُ التَّمْثِيلُ قَدِ انْتَهى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ﴾ ويَكُونُ جَوابُ لَمّا مَحْذُوفًا دَلَّتْ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ وهو قَرِيبٌ مِمّا ذَكَرْتُهُ إلّا أنَّ الِاعْتِبارَ مُخْتَلِفٌ.نَدامايَ بِيضٌ كالنُّجُومِ وقَيْنَةٌ تَرُوحُ إلَيْنا بَيْنَ بُرْدٍ ومَجْسَدِ
فَإنَّ قَوْلَهُ تَرُوحُ إلَيْنا إلَخْ لا يُفِيدُ أكْثَرَ مِن تَصْوِيرِ حالَةِ القَيْنَةِ وتَحْسِينِ مُنادَمَتِها. وتُفِيدُ هَذِهِ الجُمْلَةُ أيْضًا أنَّهم لَمْ يَعُودُوا إلى الِاسْتِنارَةِ مِن بُعْدٍ، عَلى ما في قَوْلِهِ (وتَرَكَهم) مِن إفادَةِ تَحْقِيرِهِمْ، وما في جَمْعِ (ظُلُماتٍ) مِن إفادَةِ شِدَّةِ الظُّلْمَةِ وهي فائِدَةٌ زائِدَةٌ عَلى ما اسْتُفِيدَ ضِمْنًا مِن جُمْلَةِ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وما يَقْتَضِيهِ جَمْعُ ظُلُماتٍ مِن تَقْدِيرِ تَشْبِيهاتٍ ثَلاثَةٍ لِضَلالاتٍ ثَلاثٍ مِن ضَلالاتِهِمْ كَما سَيَأْتِي.فَلا تَتْرُكَنِّي بِالوَعِيدِ كَأنَّنِي ∗∗∗ إلى النّاسِ مَطْلِيٌّ بِهِ القارُ أجْرَبُ
أيْ لا تُصَيِّرَنِّي بِهَذِهِ المُشابَهَةِ. وقَوْلُ عَنْتَرَةَ:جادَتْ عَلَيْهِ كُلُّ عَيْنٍ ثَرَّةِ ∗∗∗ فَتَرَكْنَ كُلَّ قَرارَةٍ كالدِّرْهَمِ
يُرِيدُ صَيَّرْنَ، والأكْثَرُ أنْ يُكْنى بِهِ في هَذا الِاسْتِعْمالِ عَنِ الزَّهادَةِ في مَفْعُولِهِ كَما في بَيْتِ النّابِغَةِ، أوْ عَنْ تَحْقِيرِهِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ.شَجْوُ حُسّادِهِ وغَيْظُ عِداهُ ∗∗∗ أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعِ
وقَدْ أُجْمِلَ وجْهُ الشَّبَهِ في تَشْبِيهِ حالِ المُنافِقِينَ اعْتِمادًا عَلى فِطْنَةِ السّامِعِ لِأنَّهُ يَمْخَضُهُ مِن مَجْمُوعِ ما تَقَدَّمَ مِن شَرْحِ حالِهِمُ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] إلَخْ، ومِمّا يَتَضَمَّنُهُ المَثَلانِ مِنَ الإشارَةِ إلى وُجُوهِ المُشابَهَةِ بَيْنَ أجْزاءِ أحْوالِهِمْ وأجْزاءِ الحالَةِ المُشَبَّهِ بِها. فَإنَّ إظْهارَهُمُ الإيمانَ بِقَوْلِهِمْ ﴿آمَنّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: ٨] وقَوْلِهِمْ ﴿إنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾ [البقرة: ١١] وقَوْلِهِمْ عِنْدَ لِقاءِ المُؤْمِنِينَ آمَنّا أحْوالٌ ومَظاهِرُ حَسَنَةٌ تَلُوحُ عَلى المُنافِقِينَ حِينَما يَحْضُرُونَ مَجْلِسَ النَّبِيءِ ﷺ وحِينَما يَتَظاهَرُونَ بِالإسْلامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ ويَصْدُرُ مِنهم طَيِّبُ القَوْلِ وقَوِيمُ السُّلُوكِ وتُشْرِقُ عَلَيْهِمُ الأنْوارُ النَّبَوِيَّةُ فَيَكادُ نُورُ الإيمانِ يَخْتَرِقُ إلى نُفُوسِهِمْ ولَكِنْ سُرْعانَ ما يَعْقُبُ تِلْكَ الحالَةَ الطَّيِّبَةَ حالَةٌ تُضادُها عِنْدَ انْفِضاضِهِمْ عَنْ تِلْكَ المَجالِسِ الزَّكِيَّةِ وخُلُوصِهِمْ إلى بِطانَتِهِمْ مِن كُبَرائِهِمْ أوْ مِن أتْباعِهِمْ فَتُعاوِدُهُمُ الأحْوالُ الذَّمِيمَةُ مِن مُزاوَلَةِ الكُفْرَ وخِداعِ المُؤْمِنِينَ والحِقْدِ عَلَيْهِمْ والِاسْتِهْزاءِ بِهِمْ ووَصْفِهِمْ بِالسَّفَهِ. مُثِّلَ ذَلِكَ التَّظاهُرُ وذَلِكَ الِانْقِلابُ بِحالِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا ثُمَّ ذَهَبَ عَنْهُ نُورُها.تَفْسِيرُ سُورَةِ البَقَرَةِ
قوله عزّ وجلّ:
﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ وتَرَكَهم في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿17﴾
"المَثَلُ والمَثْلُ والمَثِيلُ" واحِدٌ، مَعْناهُ: الشَبَهُ هَكَذا نَصَّ أهْلُ اللُغَةِ، والمُتَماثِلانِ المُتَشابِهانِ، وقَدْ يَكُونُ مِثْلُ الشَيْءِ جُرْمًا مِثْلَهُ، وقَدْ يَكُونُ ما تَعْقِلُ النَفْسُ وتَتَوَهَّمُهُ مِنَ الشَيْءِ مَثَلًا لَهُ، فَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ﴾، مَعْناهُ: أنَّ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِهِمْ كَمَثَلِ الَّذِي يَتَحَصَّلُ في نَفْسِ الناظِرِ في أمْرِ المُسْتَوْقِدِ، وبِهَذا يَزُولُ الإشْكالُ الَّذِي في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَثَلُ الجَنَّةِ﴾ [الرعد: ٣٥] [محمد: 15]، وفي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، لِأنَّ ما يَتَحَصَّلُ لِلْعَقْلِ مِن وحْدانِيَّةٍ وأزَلِّيَّةٍ، ونَفْيِ ما لا يَجُوزُ عَلَيْهِ لَيْسَ يُماثِلُهُ فِيهِ شَيْءٌ، وذَلِكَ المُتَحَصِّلُ هو المَثَلُ الأعْلى الَّذِي في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى﴾ [النحل: ٦٠] وقَدْ جاءَ في تَفْسِيرِهِ: "أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللهُ"، فَفُسِّرَ بِجِهَةِ الوَحْدانِيَّةِ.
وقَوْلُهُ: "مَثَلُهُمْ" رَفْعٌ بِالِابْتِداءِ والخَبَرُ في الكافِ، وهي عَلى هَذا اسْمٌ، كَما هي في قَوْلِ الأعْشى [البسيط]:
أتَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ *** كالطَعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَيْتُ والفَتْلُ
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخَبَرُ مَحْذُوفًا، تَقْدِيرُهُ: مَثَلُهم مُسْتَقَرٌّ كَمَثَلِ، فالكافُ عَلى هَذا حَرْفٌ، ولا يَجُوزُ ذَلِكَ في بَيْتِ الأعْشى، لِأنَّ المَحْذُوفَ فاعِلٌ تَقْدِيرُهُ شَيْءٌ كالطَعْنِ، والفاعِلُ لا يَجُوزُ حَذْفُهُ عِنْدَ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ ويَجُوزُ حَذْفُ خَبَرِ الِابْتِداءِ إذا كانَ الكَلامُ دالًّا عَلَيْهِ، وجَوَّزَ الأخْفَشُ حَذْفَ الفاعِلِ وأنْ يَكُونَ الكافُ في بَيْتِ الأعْشى حَرْفًا.
ووَحَّدَ "الَّذِي" لِأنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ تَشْبِيهَ الجَماعَةِ بِالجَماعَةِ، وإنَّما المَقْصِدُ أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنَ المُنافِقِينَ فِعْلُهُ كَفِعْلِ المُسْتَوْقِدِ، و"الَّذِي" أيْضًا لَيْسَ بِإشارَةٍ إلى واحِدٍ ولا بُدَّ، بَلْ إلى هَذا الفِعْلِ: وقَعَ مِن واحِدٍ، أو مِن جَماعَةٍ، وقالَ النَحْوِيُّونَ: الَّذِي اسْمٌ مُبْهَمٌ يَقَعُ لِلْواحِدِ والجَمِيعِ.
و"اسْتَوْقَدَ" قِيلَ: مَعْناهُ أوقَدَ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ عَجَبَ واسْتَعْجَبَ بِمَعْنًى.
قالَ أبُو عَلِيٍّ: وبِمَنزِلَةِ هَزِئَ واسْتَهْزَأ، وسَخِرَ واسْتَسْخَرَ، وقَّرَ واسْتَقَرَّ، وعَلا قَرْنُهُ واسْتَعْلاهُ، وقَدْ جاءَ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنى أفْعَلَ: أجابَ واسْتَجابَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ [الطويل]:
وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَدى ∗∗∗ فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
وأخْلَفَ لِأهْلٍ واسْتَخْلَفَ إذا جَلَبَ لَهُمُ الماءَ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ [الطويل]:
ومُسْتَخْلَفاتٌ مِن بِلادٍ تَنُوفَةٍ ∗∗∗ لَمُصْفَرَّةُ الأشْداقِ حُمْرُ الحَواصِلِ
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ [الطويل]:
...................................... ∗∗∗ سَقاها فَرَوّاها مِنَ الماءِ مُخْلِفُ
وَمِنهُ أوقَدَ واسْتَوْقَدَ، قالَهُ أبُو زَيْدٍ، وقِيلَ: اسْتَوْقَدَ: يُرادُ بِهِ طَلَبَ مِن غَيْرِهِ أنْ يُوقِدَ لَهُ عَلى المَشْهُورِ مِن بابِ اسْتَفْعَلَ، وذَلِكَ يَقْتَضِي حاجَتَهُ إلى النارِ، فانْطِفاؤُها مَعَ حاجَتِهِ إلَيْها أنَكى لَهُ.
واخْتَلَفَ في "أضاءَتْ" فَقِيلَ: يَتَعَدّى، لِأنَّهُ نُقِلَ بِالهَمْزَةِ مِن ضاءَ، ومِنهُ قَوْلُ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ في النَبِيِّ ﷺ [المنسرح]:
وأنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أشْرَقَتِ الـ ∗∗∗ أرْضُ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
وعَلى هَذا فَـ "ما" في قَوْلِهِ "ما حَوْلَهُ" مَفْعُولَةٌ، وقِيلَ: "أضاءَتْ" لا تَتَعَدّى، لِأنَّهُ يُقالُ: ضاءَ وأضاءَ بِمَعْنى، فَـ "ما" زائِدَةٌ، وحَوْلَهُ ظَرْفٌ.
واخْتَلَفَ المُتَأوِّلُونَ في فِعْلِ المُنافِقِينَ الَّذِي يُشْبِهُ فِعْلَ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا:
فَقالَتْ طائِفَةٌ: هي فِيمَن آمَنَ ثُمَّ كَفَرَ بِالنِفاقِ، فَإيمانُهُ بِمَنزِلَةِ النارِ إذا أضاءَتْ وكُفْرُهُ بَعْدُ بِمَنزِلَةِ انْطِفائِها وذَهابِ النُورِ.
وقالَ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ وغَيْرُهُ: إنَّ ما يُظْهِرُ المُنافِقُ في الدُنْيا مِنَ الإيمانِ فَيَحْقِنُ بِهِ دَمَهُ ويُحْرِزُ مالَهُ، ويُناكِحُ ويُخالِطُ، كالنارِ الَّتِي أضاءَتْ ما حَوْلَهُ، فَإذا ماتَ صارَ إلى العَذابِ الألِيمِ، فَذَلِكَ بِمَنزِلَةِ انْطِفائِها وبَقائِهِ في الظُلُماتِ.
وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ إقْبالَ المُنافِقِينَ إلى المُسْلِمِينَ وكَلامَهم مَعَهم كالنارِ، وانْصِرافَهم إلى مَرَدَتِهِمْ، وارْتِكاسَهم عِنْدَهم كَذَهابِها. وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّ المُنافِقِينَ كانُوا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ في مَنزِلَةٍ بِما أظْهَرُوهُ، فَلَمّا فَضَحَهُمُ اللهُ، وأعْلَمَ بِنِفاقِهِمْ، سَقَطَتِ المَنزِلَةُ، فَكانَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِمَنزِلَةِ النارِ وانْطِفائِها.
وقالَتْ فِرْقَةٌ مِنهم قَتادَةُ: نُطْقُهم بـِ "لا إلَهَ إلّا اللهُ" والقُرْآنِ كَإضاءَةِ النارِ، واعْتِقادُهُمُ الكُفْرَ بِقُلُوبِهِمْ كانْطِفائِها.
قالَ جُمْهُورُ النُحاةِ: جَوابٌ "لِما" ذَهَبَ، ويَعُودُ الضَمِيرُ مِن "نُورِهِمْ" في هَذا القَوْلِ عَلى "الَّذِي"، ويَصِحُّ شِبْهُ الآيَةِ بِقَوْلِ الشاعِرِ [الطويل]:
وإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفُلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ
وعَلى هَذا القَوْلِ يَتِمُّ تَمْثِيلُ المُنافِقِ بِالمُسْتَوْقِدِ، لِأنَّ بَقاءَ المُسْتَوْقِدِ في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُ، كَبَقاءِ المُنافِقِ، عَلى الِاخْتِلافِ المُتَقَدِّمِ.
وقالَ قَوْمٌ: جَوابٌ "لِما" مُضْمَرٌ، وهو طَفِئَتْ، والضَمِيرُ في "نُورِهِمْ" عَلى هَذا لِلْمُنافِقِ، والإخْبارُ بِهَذا هو عن حالٍ تَكُونُ في الآخِرَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهم بِسُورٍ لَهُ بابٌ﴾ [الحديد: ١٣].
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ: وهَذا القَوْلُ غَيْرُ قَوِيٍّ.
وقَرَأ الحَسَنُ بْنُ أبِي الحَسَنِ، وأبُو السَمّالِ: "فِي ظُلْماتٍ" بِسُكُونِ اللامِ، وقَرَأ قَوْمٌ: "ظُلَماتٍ" بِفَتْحِ اللامِ.
قالَ أبُو الفَتْحِ: في ظُلُماتٍ وكِسْراتٍ ثَلاثُ لُغاتٍ: إتْباعُ الضَمِّ الضَمَّ، والكَسْرِ الكَسْرَ، أوِ التَخْفِيفَ بِأنْ يَعْدِلَ إلى الفَتْحِ في الثانِي، أوِ التَخْفِيفَ بِأنْ يَسْكُنَ الثانِي، وكُلُّ ذَلِكَ جائِزٌ حَسَنٌ، فَأمّا فِعْلَةٌ بِالفَتْحِ فَلا بُدَّ فِيهِ مِنَ التَثْقِيلِ إتْباعًا، فَتَقُولُ تَمْرَةٌ وتَمَراتٌ. وذَهَبَ قَوْمٌ في "ظُلَماتٍ" بِفَتْحِ اللامِ إلى أنَّهُ جَمْعُ ظُلْمٌ فَهو جَمْعُ جَمْع.
أيَنْتَهُونَ ولَنْ يَنْهى ذَوِي شَطَطٍ كالطَّعْنِ يَذْهَبُ فِيهِ الزَّيْتُ والفَتْلُ
وهَذا مَذْهَبُ ابْنِ الحَسَنِ، ولَيْسَ بِالحَسَنِ إلّا في الضَّرُورَةِ، والقَوْلِ بِالزِّيادَةِ كَما في قَوْلِهِ: فَصِيرُوا مِثْلَ ﴿كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ زِيادَةً في الجَهْلِ، والَّذِي وُضِعَ مَوْضِعَ الَّذِينَ إنْ كانَ ضَمِيرَ (بِنُورِهِمْ) راجِعًا إلَيْهِ، وإلّا فَهو باقٍ عَلى ظاهِرِهِ، إذْ لا ضَيْرَ في تَشْبِيهِ حالِ الجَماعَةِ بِحالِ الواحِدِ، وجازَ هُنا وضْعُ المُفْرَدِ مَوْضِعَ الجَمْعِ، وقَدْ مَنَعَهُ الجُمْهُورُ، فَلَمْ يُجَوِّزُوا إقامَةَ القائِمِ مَقامَ القائِمِينَ، لِأنَّ هَذا مُخالِفٌ لِغَيْرِهِ، لِخُصُوصِيَّةٍ اقْتَضَتْهُ، فَإنَّهُ إنَّما وُضِعَ لِيُتَوَصَّلَ بِهِ إلى وصْفِ المَعارِفِ بِالجُمَلِ، فَلَمّا لَمْ يُقْصَدْ لِذاتِهِ تَوَسَّعُوا فِيهِ، ولِأنَّهُ مَعَ صِلَتِهِ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وعَلامَةُ الجَمْعِ لا تَقَعُ حَشْوًا فَلِذا لَمْ يُلْحِقُوها بِهِ، ووَضَعُوهُ لِما يَعُمُّ، كَمَنَ وما، والَّذِينَ لَيْسَ جَمْعًا لَهُ، بَلْ هو اسْمٌ وُضِعَ مَزِيدًا فِيهِ لِزِيادَةِ المَعْنى، وقُصِدَ التَّصْرِيحُ بِها، ولِذا لَمْ يُعَرَّفْ بِالحُرُوفِ كَغَيْرِهِ عَلى الأفْصَحِ، ولِأنَّهُ اسْتَطالَ بِالصِّلَةِ، فاسْتَحَقَّ التَّخْفِيفَ حَتّى بُولِغَ فِيهِ إلى أنِ اقْتُصِرَ عَلى اللّامِ في نَحْوِ اسْمِ الفاعِلِ، قالَهُ القاضِي وغَيْرُهُ، ولا يَخْلُو عَنْ كَدَرٍ، لا سِيَّما الوَجْهُ الأخِيرُ، وما رُوِيَ عَنْ بَعْضِ النُّحاةِ مِن جَوازِ حَذْفِ نُونِ الَّذِينَ، لَيْسَ بِالمَرْضِيِّ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ، ولَئِنْ تَنَزَّلَ يَلْتَزِمُ عَوْدُ ضَمِيرِ الجَمْعِ إلَيْهِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وخُضْتُمْ كالَّذِي خاضُوا﴾ عَلى وجْهٍ، وقَوْلِ الشّاعِرِ:يا رَبَّ عِيسى لا تُبارِكْ في أحَدْ
فِي قائِمٍ مِنهم ولا فِيمَن قَعَدْ ∗∗∗ إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ
وإفْرادُ الضَّمِيرِ لَمْ نَسْمَعْهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ، ولَعَلَّهُ لِأنَّ المَحْذُوفَ كالمَلْفُوظِ، فالوَجْهُ أنْ يُقالَ: إنَّهُ نَظَرٌ إلى ما في الَّذِي مِن مَعْنى الجِنْسِيَّةِ العامَّةِ، إذْ لا شُبْهَةَ في أنَّهُ لَمْ يَرِدْ بِهِ مُسْتَوْقَدٌ مَخْصُوصٌ، ولا جَمِيعُ أفْرادِ المُسْتَوْقِدِينَ، والمَوْصُولُ كالمُعَرَّفِ بِاللّامِ يَجْرِي فِيهِ ما يَجْرِي فِيهِ، واسْمُ الجِنْسِ وإنْ كانَ لَفْظُهُ مُفْرَدًا قَدْ يُعامَلُ مُعامَلَةَ الجَمْعِ، كَـ ﴿عالِيَهم ثِيابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ﴾ وقَوْلِهِمُ: الدِّينارُ الصُّفْرُ، والدِّرْهَمُ البِيضُ، أوْ يُقالُ: إنَّهُ مُقَدَّرٌ لَهُ مَوْصُوفٌ مُفْرَدُ اللَّفْظِ مَجْمُوعُ المَعْنى، كالفَوْجِ، والفَرِيقِ، فَيَحْسُنُ النِّظامُ ويُلاحَظُ في ضَمِيرِ (اسْتَوْقَدَ) لَفْظُ المَوْصُوفِ، وفي ضَمِيرِ (بِنُورِهِمْ) مَعْناهُ، واسْتَوْقَدُوا بِمَعْنى أوْقَدُوا، فَقَدْ حَكى أبُو زَيْدٍ: أوْقَدَ واسْتَوْقَدَ بِمَعْنًى، كَأجابَ واسْتَجابَ، وبِهِ قالَ الأخْفَشُ، وجَعْلُ الِاسْتِيقادِ بِمَعْنى طَلَبِ الوَقُودِ، وهو سُطُوعُ النّارِ، كَما فَعَلَ البَيْضاوِيُّ مُحْوِجٌ إلى حَذْفٍ، والمَعْنى حِينَئِذٍ: طَلَبُوا نارًا واسْتَدْعَوْها، فَأوْقَدُوها، فَلَمّا أضاءَتْ لِأنَّ الإضاءَةَ لا تَتَسَبَّبُ عَنِ الطَّلَبِ، وإنَّما تَتَسَبَّبُ عَنِ الإيقادِ، والنّارُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ مُضِيءٌ مُحْرِقٌ، واشْتِقاقُها مِن نارَ يَنُورُ نُورًا، إذا نَفَرَ، لِأنَّ فِيها عَلى ما تُشاهِدُ حَرَكَةً، واضْطِرابًا لِطَلَبِ المَرْكَزِ، وكَوْنُهُ مِن غَلَطِ الحِسِّ، كَأنَّهُ مِن غَلَطِ الحِسِّ، نَعَمْ أوْرَدَ عَلى التَّعْرِيفِ أنَّ الإضاءَةَ لا تُعْتَبَرُ في حَقِيقَتِها، ولَيْسَتْ شامِلَةً لِما ثَبَتَ في الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ أنَّ النّارَ الأصْلِيَّةَ حَيْثُ الأثِيرُ شَفّافَةٌ لا لَوْنَ لَها، وكَذا يُقالُ في الإحْراقِ، والجَوابُ أنَّ تَخْصِيصَ الأسْماءِ لِأعْيانِ الأشْياءِ حَسْبَما تُدْرَكُ، أوْ لِلْمَعانِي الذِّهْنِيَّةِ المَأْخُوذَةِ مِنها، وأمّا اعْتِبارُ لَوازِمِها وذاتِيّاتِها فَوَظِيفَةُ مَن أرادَ الوُقُوفَ عَلى حَقائِقِها، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ وُسْعِ أكْثَرِ النّاسِ، والنّاسُ يُدْرِكُونَ مِنَ النّارِ الَّتِي عِنْدَهُمُ الإضاءَةَ والإحْراقَ، ويَجْعَلُونَهُما أخَصَّ أوْصافِها، والتَّعْرِيفُ لِلْمُتَعارَفِ، وعَدَمُ الإحْراقِ لِمانِعٍ لا يَضُرُّ عَلى أنَّ كَوْنَ النّارِ الَّتِي تَحْتَ الفَلَكِ هادِيَةٌ غَيْرُ مُحْرِقَةٍ وإنْ زَعَمَهُ بَعْضُ النّاسِ أبْطَلَهُ الشَّيْخُ، واحْتِراقُ الشُّهُبِ عَلى مَن يُنْكِرُ الإحْراقَ، وأغْرَبُ مِن هَذا نَفْيُ النّارِ الَّتِي عِنْدَ الأثِيرِ، وقَرِيبٌ مِنهُ القَوْلُ بِأنَّها لَيْسَتْ غَيْرَ الهَواءِ الحارِّ جِدًّا، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ (كَمَثَلِ الَّذِينَ) عَلى الجَمْعِ، وهي قِراءَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا، وقُصارى ما رَأيْناهُ في تَوْجِيهِها أنَّ إفْرادَ الضَّمِيرِ عَلى ما عُهِدَ في لِسانِ العَرَبِ مِنَ التَّوَهُّمِ، كَأنَّهُ نَطَقَ بِمَنِ الَّذِي لَها لَفْظًا، ومَعْنًى، كَما جَزَمَ بِالَّذِي عَلى تَوَهُّمٍ مِنَ الشَّرْطِيَّةِ في قَوْلِهِ:كَذاكَ الَّذِي يَبْغِي عَلى النّاسِ ظالِمًا ∗∗∗ تُصِبْهُ عَلى رَغْمٍ عَواقِبُ ما صَنَعَ
أوْ أنَّهُ اكْتَفى بِالإفْرادِ عَنِ الجَمْعِ، كَما يُكْتَفى بِالمُفْرَدِ الظّاهِرِ عَنْهُ، فَهو كَقَوْلِهِ:وبِالبَدْوِ مِنّا أُسْرَةٌ يَحْفَظُونَها ∗∗∗ سِراعٌ إلى الدّاعِي عِظامٌ كَراكِرُهُ
أيْ كَراكِرُهُمْ، أوْ أنَّ الفاعِلَ في اسْتَوْقَدَ عائِدٌ عَلى اسْمِ الفاعِلِ المَفْهُومِ مِنَ الفِعْلِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ بَدا لَهم مِن بَعْدِ ما رَأوُا الآياتِ﴾ عَلى وجْهٍ، والعائِدُ حِينَئِذٍ مَحْذُوفٌ عَلى خِلافِ القِياسِ، أيْ لَهُمْ، أوْ لا عائِدَ في الجُمْلَةِ الأُولى اكْتِفاءً بِالضَّمِيرِ مِنَ الثّانِيَةِ المَعْطُوفَةِ بِالفاءِ، وفي القَلْبِ مِن كُلٍّ شَيْءٌ، ﴿فَلَمّا أضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ (لَمّا) حَرْفُ وُجُودٍ لِوُجُودٍ، أوْ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ، كَما نَصَّ عَلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، أوْ ظَرْفٌ بِمَعْنى حِينَ، أوْ إذْ، والإضاءَةُ جَعْلُ الشَّيْءِ مُضِيئًا نَيِّرًا، أوِ الإشْراقُ وفَرْطُ الإنارَةِ، وأضاءَ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا ولازِمًا، فَعَلى الأوَّلِ ما مَوْصُولَةٌ، أوْ مَوْصُوفَةٌ، والظَّرْفُ صِلَةٌ أوْ صِفَةٌ، وهي المَفْعُولُ، والفاعِلُ ضَمِيرُ النّارِ، وعَلى الثّانِي فَما كَذَلِكَ، وهي الفاعِلُ، وأُنِّثَ فِعْلُهُ لِتَأْوِيلِهِ بِمُؤَنَّثٍ، كالأمْكِنَةِ والجِهاتِ، أوِ الفاعِلُ ضَمِيرُ النّارِ، وما زائِدَةٌ، أوْ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الظَّرْفِيَّةِ، ولا يَجِبُ التَّصْرِيحُ بِفي حِينَئِذٍ كَما تُوُهِّمَ، لِأنَّ الحَقَّ أنَّ ما المَوْصُولَةَ أوِ المَوْصُوفَةَ إذا جُعِلَتْ ظَرْفًا، فالمُرادُ بِها الأمْكِنَةُ الَّتِي تُحِيطُ بِالمُسْتَوْقِدِ، وهي الجِهاتُ السِّتُّ، وهي مِمّا يُنْصَبُ عَلى الظَّرْفِيَّةِ قِياسًا مُطَّرِدًا، فَكَذا ما عُبِّرَ بِهِ عَنْها، وأوْلى الوُجُوهِ أنْ تَكُونَ أضاءَتْ مُتَعَدِّيَةً، وما مَوْصُولَةً، إذْ لا حاجَةَ حِينَئِذٍ إلى الحَمْلِ عَلى المَعْنى، ولا ارْتِكابَ ما قَلَّ اسْتِعْمالُهُ، لا سِيَّما زِيادَةُ ما هُنا، حَتّى ذَكَرُوا أنَّها لَمْ تُسْمَعْ هُنا، ولَمْ يُحْفَظْ مِن كَلامِ العَرَبِ: جَلَسْتُما، مَجْلِسًا حَسَنًا، ولا: قُمْتُما يَوْمَ الجُمُعَةِ، ويا لَيْتَ شِعْرِي، مِن أيْنَ أخَذَ ذَلِكَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وكَيْفَ تَبِعَهُ البَيْضاوِيُّ ؟! وإذا جُعِلَ الفاعِلُ ضَمِيرَ النّارِ، والفِعْلُ لازِمٌ يَكُونُ الإسْنادُ إلى السَّبَبِ، لِأنَّ النّارَ لَمْ تُوجَدْ حَوْلَ المُسْتَوْقِدِ، ووُجِدَ ضَؤْوُها، فَجُعِلَ إشْراقُ ضَوْئِها حَوْلَهُ، بِمَنزِلَةِ إشْراقِها نَفْسِها، عَلى ما قِيلَ، وهو مَبْنِيٌّ عَلى أنَّ الظَّرْفَ إذا تَعَلَّقَ بِفِعْلٍ قاصِرٍ لَهُ أثَرٌ مُتَعَدٍّ يُشْتَرَطُ في تَحَقُّقِ النِّسْبَةِ الظَّرْفِيَّةُ لِلْأثَرِ، والمُؤَثِّرِ، فَلا بُدَّ في إشْراقٍ كَذا في كَذا مِن كَوْنِ الإشْراقِ والمُشْرِقِ فِيهِ، وهَذا كَما إذا تَعَلَّقَ الظَّرْفُ بِفِعْلٍ قاصِرٍ، كَقامَ زَيْدٌ في الدّارِ، فَإنَّ زَيْدًا، والقِيامَ فِيها، ذاتًا وتَبَعًا، وإلى ذَلِكَ مالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ومِنَ النّاسِ مَنِ اكْتَفى بِوُجُودِ الأثَرِ فِيهِ، وإنْ لَمْ يُوجَدِ المُؤَثِّرُ فِيهِ بِذاتِهِ كَما في الأفْعالِ المُتَعَدِّيَةِ، فَأضاءَتِ الشَّمْسُ في الأرْضِ حَقِيقَةٌ عَلى هَذا، مَجازٌ عَلى الأوَّلِ، وحَوْلَ ظَرْفُ مَكانٍ، مُلازِمٌ لِلظَّرْفِيَّةِ، والإضافَةِ، ويُثَنّى ويُجْمَعُ، فَيُقالُ: حَوْلَيْهِ، وأحْوالَهُ، وحَوالَ مِثْلُهُ، فَيُثَنّى عَلى حَوالَيْ، ولَمْ نَظْفَرْ بِجَمْعِهِ فِيما حَوْلَنا مِنَ الكُتُبِ اللُّغَوِيَّةِ، ولا تَقُلْ: حَوالِيهِ بِكَسْرِ اللّامِ، كَما في الصِّحاحِ، ولَعَلَّ التَّثْنِيَةَ والجَمْعَ مَعَ ما يُفْهَمُ مِن بَعْضِ الكُتُبِ أنَّ حَوْلَ وكَذا حَوالَ بِمَعْنى الجَوانِبِ وهي مُسْتَغْرِقَةٌ لَيْسا حَقِيقَيْنِ، وقِيلَ: بِاعْتِبارِ تَقْسِيمِ الدّائِرَةِ، كَما أشارَ إلَيْهِ المَوْلى عاصِمٌ أفَنْدِي في تَرْجَمَةِ القامُوسِ بِالرُّومِيَّةِ، وفِيهِ تَأمُّلٌ، وأصْلُ هَذا التَّرْكِيبِ مَوْضُوعٌ لِلطَّوافِ والإحاطَةِ كالحَوْلِ لِلسَّنَةِ، فَإنَّهُ يَدُورُ مِن فَصْلٍ، أوْ يَوْمٍ إلى مِثْلِهِ، ولَمّا لَزِمَهُ الِانْتِقالُ والتَّغَيُّرُ اسْتُعْمِلَ فِيهِ بِاعْتِبارِهِ كالِاسْتِحالَةِ، والحَوالَةُ وإنْ خَفِيَ في نَحْوِ الحَوْلِ بِمَعْنى القُوَّةِ، وقِيلَ: أصْلُهُ تَغَيُّرُ الشَّيْءِ، وانْفِصالُهُ، (وذَهَبَ) إلَخْ، جَوابٌ (لَمّا)، والسَّبَبِيَّةُ ادِّعائِيَّةٌ، فَإنَّهُ لَمّا تَرَتَّبَ إذْهابُ النُّورِ عَلى الإضاءَةِ بِلا مُهْلَةٍ جُعِلَ كَأنَّهُ سَبَبٌ لَهُ، عَلى أنَّهُ يَكْفِي في الشَّرْطِ مُجَرَّدُ التَّوَقُّفِ نَحْوُ: إنْ كانَ لِي مالٌ حَجَجْتُ، والإذْهابُ مُتَوَقِّفٌ عَلى الإضاءَةِ، والضَّمِيرُ في (بِنُورِهِمْ) لِلَّذِي أوْ لِمَوْصُوفِهِ، وجَمْعِهِ لِما تَقَدَّمَ، واخْتارَ النُّورَ عَلى النّارِ لِأنَّهُ أعْظَمُ مَنافِعِها، والمُناسِبُ لِلْمَقامِ سِباقًا ولِحاقًا، وقِيلَ: الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ جَوابًا عَمّا لَهُمْ، شُبِّهْتْ حالُهم بِذَلِكَ، أوْ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ التَّمْثِيلِ لِلْبَيانِ، والضَّمِيرُ لِلْمُنافِقِينَ، وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ أيْ خَمَدَتْ نارُهم فَبَقُوا مُتَحَيِّرِينَ، ومِثْلُهُ ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾، وحَذْفُهُ لِلْإيجازِ، وأمْنِ الإلْباسِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ عَلى مَن لَهُ أدْنى إنْصافٌ، وإنِ ارْتَضاهُ الجَمُّ الغَفِيرُ، ويَجِلُّ عَنْ مِثْلِ هَذا الإلْغازِ كَلامُ اللَّهِ تَعالى اللَّطِيفِ الخَبِيرِ، وإسْنادُ الفِعْلِ إلَيْهِ تَعالى حَقِيقَةٌ، فَهو سُبْحانَهُ الفَعّالُ المُطْلَقُ الَّذِي بِيَدِهِ التَّصَرُّفُ في الأُمُورِ كُلِّها بِواسِطَةٍ، وبِغَيْرِ واسِطَةٍ، ولا يُعْتَرَضُ عَلى الحَكِيمِ بِشَيْءٍ، وحَمْلُ النّارِ عَلى نارٍ لا يَرْضى اللَّهُ تَعالى إيقادَها، إمّا مَجازِيَّةٌ كَنارِ الفِتْنَةِ، والعَداوَةِ لِلْإسْلامِ، أوْ حَقِيقِيَّةٌ أوْقَدَها الغُواةُ لِلْفَسادِ، أوِ الإفْسادِ، فَحِينَئِذٍ يَلِيقُ بِالحَكِيمِ إطْفاؤُها، وإلّا يُرْتَكَبُ المَجازُ، لَمْ يَدْعُ إلَيْهِ إلّا اعْتِزالٌ، وإيقادُ نارِ الغَوايَةِ والإضْلالِ، وعُدِّيَ بِالباءِ دُونَ الهَمْزَةِ لِما في المَثَلِ السّائِرِ: أنَّ ذَهَبَ بِالشَّيْءِ يُفْهَمُ مِنهُ أنَّهُ اسْتَصْحَبَهُ وأمْسَكَهُ عَنِ الرُّجُوعِ إلى الحالَةِ الأُولى، ولا كَذَلِكَ أذْهَبَهُ، فالباءُ والهَمْزَةُ وإنِ اشْتَرَكا في مَعْنى التَّعْدِيَةِ فَلا يَبْعُدُ أنْ يَنْظُرَ صاحِبُ المَعانِي إلى مَعْنى الهَمْزَةِ والباءِ الأصْلِيَّيْنِ أعْنِي الإزالَةَ والمُصاحَبَةَ، والإلْصاقَ، فَفي الآيَةِ لُطْفٌ لا يُنْكَرُ، كَيْفَ والفاعِلُ هو اللَّهُ تَعالى القَوِيُّ العَزِيزُ الَّذِي لا رادَّ لِما أخَذَهُ، ولا مُرْسِلَ لِما أمْسَكَهُ، وذَكَرَ أبُو العَبّاسِ: أنَّ ذَهَبْتُ بِزَيْدٍ، يَقْتَضِي ذَهابَ المُتَكَلِّمِ مَعَ زَيْدٍ دُونَ أذْهَبْتُهُ، ولَعَلَّهُ يَقُولُ: إنَّ ما في الآيَةِ مَجازٌ عَنْ شِدَّةِ الأخْذِ، بِحَيْثُ لا يُرَدُّ، أوْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى وصَفَ نَفْسَهُ بِالذَّهابِ عَلى مَعْنًى يَلِيقُ بِهِ، كَما وصَفَ نَفْسَهُ سُبْحانَهُ بِالمَجِيءِ في ظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجاءَ رَبُّكَ﴾ والَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ إلى أنَّ الباءَ بِمَعْنى الهَمْزَةِ، فَكِلاهُما لِمُجَرَّدِ التَّعْدِيَةِ عِنْدَهُ بِلا فَرْقٍ، فَلِذا لا يُجْمَعُ بَيْنَهُما، والنُّورُ مَنشَأُ الضِّياءِ ومَبْدَؤُهُ، كَما يُشِيرُ إلَيْهِ اسْتِعْمالُ العَرَبِ حَيْثُ أضافُوا الضِّياءَ إلَيْهِ كَما قالَ ورَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ: ويَظْهَرُ في البِلادِ ضِياءُ نُورٍوأنْتَ لَمّا ظَهَرْتَ أشْرَقَتِ الأرْضُ ∗∗∗ وضاءَتْ بِنُورِكَ الأُفُقُ
ولِهَذا أطْلَقَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ النُّورَ دُونَ الضِّياءِ، وأشارَ سُبْحانَهُ إلى نَفْيِ الضِّياءِ الَّذِي هو مُقْتَضى الظّاهِرِ، بِنَفْيِ النُّورِ وإذْهابِهِ، لِأنَّهُ أصْلُهُ، وبِنَفْيِ الأصْلِ يَنْتَفِي الفَرْعُ، وهَذا الَّذِي ذَكَرْنا هو الَّذِي ارْتَضاهُ المُحَقِّقُونَ مِن أهْلِ اللُّغَةِ، ومِنهُ يُعْلَمُ وجْهُ وصْفِ الشَّرِيعَةِ المُحَمَّدِيَّةِ بِالنُّورِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ مُبِينٌ﴾ والشَّرِيعَةِ المُوسَوِيَّةِ بِالضِّياءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى وهارُونَ الفُرْقانَ وضِياءً وذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى مَقامِ نَبِيِّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ الجامِعِ الفارِقِ، ومَزِيَّتِهِ عَلى أخِيهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الَّذِي لَمْ يَأْتِ إلّا بِالفَرْقِ، ولِفَرْقِ ما بَيْنَ الحَبِيبِ والكَلِيمِ:وكُلُّ آيٍ أتى الرُّسْلُ الكِرامُ بِها ∗∗∗ فَإنَّما اتَّصَلَتْ مِن نُورِهِ بِهِمْ
وكَذا وجْهُ وصْفِ الصَّلاةِ النّاهِيَةِ عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ في حَدِيثِ مُسْلِمٍ بِالنُّورِ والصَّبْرِ بِالضِّياءِ، ويُعْلَمُ مِن هَذا أنَّهُ أقْوى مِنَ الضِّياءِ، كَذا قِيلَ، واعْتُرِضَ بِأنَّهُ قَدْ جاءَ وصْفُ ما أُوتِيَهُ نَبِيُّنا صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بِالضِّياءِ كَما جاءَ وصْفُ ما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بِالنُّورِ، وإلَيْهِ يُشِيرُ كَلامُ الشَّيْخِ الأكْبَرِ قُدِّسَ سِرُّهُ في الفُتُوحاتِ، فَتَدَبَّرْ، وذَهَبَ بَعْضُ النّاسِ إلى أنَّ الضِّياءَ أقْوى مِنَ النُّورِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ وعَلى هَذا يَكُونُ التَّعْبِيرُ بِـ ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ دُونَ ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ دَفْعًا لِاحْتِمالِ إذْهابِ ما في الضَّوْءِ مِنَ الزِّيادَةِ، وبَقاءِ ما يُسَمّى نُورًا، مَعَ أنَّ الغَرَضَ إزالَةُ النُّورِ رَأْسًا، وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّ كُلًّا مِنَ الضَّوْءِ والنُّورِ يُطْلَقُ عَلى ما يُطْلَقُ عَلَيْهِ الآخَرُ، فَهُما كالمُتَرادِفَيْنِ، والفَرْقُ إنَّما نَشَأ مِنَ الِاسْتِعْمالِ أوِ الِاصْطِلاحِ لا مِن أصْلِ الوَضْعِ، واللُّغَةِ، ومِن هُنا قالَ الحُكَماءُ: إنَّ الضَّوْءَ ما يَكُونُ لِلشَّيْءِ مِن ذاتِهِ، والنُّورَ ما يَكُونُ مِن غَيْرِهِ، واسْتُعْمِلَ الضَّوْءُ لِما فِيهِ حَرارَةٌ حَقِيقَةً كالَّذِي في الشَّمْسِ، أوْ مَجازًا كالَّذِي ذُكِرَ فِيما أُوتِيَهُ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِمّا فِيهِ شِدَّةٌ، ومَزِيدُ كُلْفَةٍ، ومِنهُ: «(الصَّبْرُ ضِياءٌ)،» ومَعْلُومٌ أنَّهُ كاسْمِهِ، والنُّورُ لِما لَيْسَ كَذَلِكَ، كالَّذِي في القَمَرِ، وفِيما جاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الشَّرِيعَةِ السَّهْلَةِ السَّمْحَةِ البَيْضاءِ، ومِنهُ: «(الصَّلاةُ نُورٌ)،» ولا شَكَّ أنَّها قُرَّةُ العَيْنِ، وراحَةُ القَلْبِ، وإلى ذَلِكَ يُشِيرُ: «(وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ)،» «و(أرِحْنا يا بِلالُ)،» واسْتُعْمِلَ النُّورُ لِما يَطْرَأُ في الظُّلْمِ كَما ورَدَ: «(كانَ النّاسُ في ظُلْمَةٍ فَرَشَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ مِن نُورِهِ)،» وقَوْلُ الشّاعِرِ:بِتْنا وعُمْرُ اللَّيْلِ في غَلْوائِهِ ∗∗∗ ولَهُ بِنُورِ البَدْرِ فَرْعٌ أشْمَطُ
والضَّوْءُ لَيْسَ كَذَلِكَ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يَخْفى عَلى المُتَتَبِّعِ، والَّذِي يَمِيلُ القَلْبُ إلَيْهِ أنَّ الضِّياءَ يُطْلَقُ عَلى النُّورِ القَوِيِّ وعَلى شُعاعِ النُّورِ المُنْبَسِطِ، فَهو بِالمَعْنى الأوَّلِ أقْوى، وبِالمَعْنى الثّانِي أدْنى، ولِكُلِّ مَقامٍ مَقالٌ، ولِكُلِّ مَرْتَبَةٍ عِبارَةٌ، ولا حَجْرَ عَلى البَلِيغِ في اخْتِيارِ أحَدِ الأمْرَيْنِ في بَعْضِ المَقاماتِ لِنُكْتَةٍ اعْتَبَرَها ومُناسَبَةٍ لاحَظَها، وآيَةُ الشَّمْسِ لا تَدُلُّ عَلى أنَّ الضِّياءَ أقْوى مِنَ النُّورِ أيْنَما وقَعَ، فاللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ، ولِلَّهِ المَثَلُ الأعْلى، وشاعَ إطْلاقُ النُّورِ عَلى الذَّواتِ المُجَرَّدَةِ دُونَ الضَّوْءِ، ولَعَلَّ ذَلِكَ لِأنَّ انْسِياقَ العَرَضِيَّةِ مِنهُ إلى الذِّهْنِ أسْرَعُ مِنِ انْسِياقِها مِنَ النُّورِ إلَيْهِ، فَقَدِ انْتَشَرَ أنَّهُ عَرَضٌ، وكَيْفِيَّةٌ مُغايِرَةٌ لِلَّوْنِ، والقَوْلُ بِأنَّهُ عِبارَةٌ عَنْ ظُهُورِ اللَّوْنِ أوْ أنَّهُ أجْسامٌ صِغارٌ تَنْفَصِلُ مِنَ المُضِيءِ فَتَتَّصِلُ بِالمُسْتَضِيءِ مِمّا بَيِّنٌ بُطْلانُهُ في الكُتُبِ الحُكْمِيَّةِ، وإنْ قالَ بِكُلٍّ بَعْضٌ مِنَ الحُكَماءِ، ثُمَّ التَّعْبِيرُ بِالنُّورِ هُنا دُونَ الضَّوْءِ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ لِسِرٍّ غَيْرِ ما انْقَدَحَ في أذْهانِ النّاسِ، وهو كَوْنُهُ أنْسَبَ بِحالِ المُنافِقِينَ الَّذِينَ حُرِمُوا الِانْتِفاعَ، والإضاءَةَ بِما جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِمّا سَمّاهُ سُبْحانَهُ نُورًا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وكِتابٌ﴾ فَكَأنَّ اللَّهَ عَزَّ شَأْنُهُ أمْسَكَ عَنْهُمُ النُّورَ وحَرَمَهُمُ الِانْتِفاعَ بِهِ، ولَمْ يُسَمِّهِ سُبْحانَهُ ضَوْءًا لِتَتَأتّى هَذِهِ الإشارَةُ، لَوْ قالَ هُنا ذَهَبَ اللَّهُ بِضَوْئِهِمْ بَلْ كَساهُ مِن حُلَلِ أسْمائِهِ، وأفاضَ عَلَيْهِ مِن أنْوارِ آلائِهِ، فَهو المَظْهَرُ الآتَمُّ، والرِّداءُ المُعَلَّمُ، هَذا، وإضافَةُ النُّورِ إلَيْهِمْ لِأدْنى مُلابَسَةٍ، لِأنَّهُ لِلنّارِ في الحَقِيقَةِ، لَكِنْ لَمّا كانُوا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، صَحَّ إضافَتُهُ إلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْقَعِ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (فَلَمّا ضاءَتْ)، ثُلاثِيًّا، وتَخْرِيجُها يُعْلَمُ مِمّا تَقَدَّمَ، وقَرَأ اليَمانِيُّ (أذْهَبَ اللَّهُ نُورَهُمْ)، وفِيها تَأْيِيدٌ لِمَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ.يا رَبَّ عَبْسٍ لا تُبارِكْ في أحَدْ في قائِمٍ مِنهم ولا في مَن قَعَدْ
إلّا الَّذِي قامُوا بِأطْرافِ المَسَدْ
وَقَوْلُ الشّاعِرِ وهو أشْهَبُ بْنُ رُمَيْلَةَ، وأنْشَدَهُ سِيبَوَيْهِ لِإطْلاقِ الَّذِي وإرادَةِ الَّذِينَ:وَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أُمَّ خالِدٍ
وَزَعَمَ ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ لَفْظَةَ الَّذِي في بَيْتِ أشْهَبَ جَمْعٌ ألْذٍ بِالسُّكُونِ، وأنْ ”الَّذِي“ في الآيَةِ مُفْرَدٌ أُرِيدَ بِهِ الجَمْعُ، وكَلامُ سِيبَوَيْهِ يَرُدُّ عَلَيْهِ، وقَوْلُ عُدَيْلِ بْنِ الفَرْخِ العِجْلِيِّ:وَبِتُّ أُساقِي القَوْمَ إخْوَتِيَ الَّذِي ∗∗∗ غَوايَتُهم غَيِّي ورُشْدُهُمُ رُشْدِي
وَقالَ بَعْضُهُمُ: المُسْتَوْقِدُ واحِدٌ لِجَماعَةٍ مَعَهُ، ولا يَخْفى ضَعْفُهُ.فَتَرَكْتُهُ جَزْرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ... يَقْضُمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ
والظُّلْمَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: ما ظَلَمَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا، أيْ ما مَنَعَكَ، لِأنَّها تَسُدُّ البَصَرَ وتَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ.فَتَرَكْتُهُ جَزَرَ السِّباعِ يَنُشْنَهُ ∗∗∗ يَقْضَمْنَ حُسْنَ بَنانِهِ والمِعْصَمِ
والظُّلْمَةُ مَأْخُوذَةٌ مِن قَوْلِهِمْ: ما ظَلَمَكَ أنْ تَفْعَلَ كَذا؟ أيْ: ما مَنَعَكَ؟ لِأنَّها تَسُدُّ البَصَرَ؛ وتَمْنَعُهُ مِنَ الرُّؤْيَةِ؛ وقُرِئَ: "فِي ظُلْماتٍ"؛ بِسُكُونِ اللّامِ؛ و"فِي ظُلْمَةٍ"؛ بِالتَّوْحِيدِ. ومَفْعُولُ "لا يُبْصِرُونَ"؛ مِن قَبِيلِ المَطْرُوحِ؛ كَأنَّ الفِعْلَ غَيْرُ مُتَعَدٍّ؛ والمَعْنى أنَّ حالَهُمُ العَجِيبَةَ؛ الَّتِي هي اشْتِراؤُهُمُ الضَّلالَةَ - الَّتِي هي عِبارَةٌ عَنْ ظُلْمَتَيِ الكُفْرِ والنِّفاقِ؛ المُسْتَتْبِعَيْنِ لِظُلْمَةِ سُخْطِ اللَّهِ (تَعالى)؛ وظُلْمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ؛ ﴿يَوْمَ تَرى المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهم بَيْنَ أيْدِيهِمْ وبِأيْمانِهِمْ﴾؛ وظُلْمَةِ العِقابِ السَّرْمَدِيِّ - بِالهُدى؛ الَّذِي هو النُّورُ الفِطْرِيُّ المُؤَيَّدُ بِما شاهَدُوهُ مِن دَلائِلِ الحَقِّ؛ أوْ بِالهُدى الَّذِي كانُوا حَصَّلُوهُ مِنَ التَّوْراةِ؛ حَسْبَما ذُكِرَ؛ كَحالِ مَنِ اسْتَوْقَدَ نارًا عَظِيمَةً؛ حَتّى يَكادَ يَنْتَفِعُ بِها؛ فَأطْفَأها اللَّهُ (تَعالى)؛ وتَرَكَهُ في ظُلُماتٍ هائِلَةٍ؛ لا يَتَسَنّى فِيها الإبْصارُ.قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً ... } قال ابن عرفة: كيف شبه (الجمع) بالواحد.
فأجيب بأنّه كلية روعي فيها آحادها، أو المراد بالموصول الجمع أو هو واحد بالنوع لا بالشخص، والتشبيه يستدعي مشبها ومشبها به ووجه التشبيه نتيجتة، كما أن القياس التمثيلي يقتضي فرعا وأصلا وعلة جامعة ونتيجة وهي الحكم، فالمشبه المنافقون والمشبه به مستوقد النار.
ووجه التشبيه حكى فيه ابن عطية حمسة أقوال (ونتيجته) هو الخسران والندم.
قوله تعالى: {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ ... } قال السهيلي في الروض: إن قلت: لم عداه هنا بالباء.
وقال في سورة الأحزاب: {إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرجس أَهْلَ البيت} فعداه بنفسه؟ فأجاب بأن الباء تقتضي الصاحب، فإذا قلت: ذهبت بزيد، فأنت أذهبته وذهبت معه والنور محبوب شرعا فناسب اسناد الذهاب إليه باعتبار الفهم والتصور وإن كان في حق الله تعالى محالا لكنه على معنى يليق به، كما وصف نفسه بالمجيء في قوله: {وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً} والرّجس مذموم شرعا وطبعا فناسب إبعاده عنه (وعدم) إسناده إليه.
قال ابن عرفة: وفي (التعدية) بالباء التي للمصاحبة نوع زيادة وإشعاره (بدوام) الذهاب، وملازمته بسبب ملازمة فاعل الذهاب له، فلا يزال ذاهبا عنهم فهو أشد في عقوبتهم حتى لا يتصور رجوعه (إليهم) بوجه.
وتكلم الطيبى (هنا) (في الضياء) والنور.
قال الزمخشري: النور ضوء النهار وضوء كل شيء، وهو نقيض الظلمة، والضياء إفراط الإنارة، فالنور عنده زيادة في الضياء.
قال تعالى: {هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَآءً والقمر نُوراً ... } وقدره صاحب المثل السائر بأنّ الضياء هنا (مثبت) والنور منفي.
والقاعدة استعمال الأخص في الثبوت والأعم في النفي فإذا ثبت أعلى الضياء فأحرى أدناه، وإذا انتفى أقل النور (ومبادِئُهُ) فأحرى أكثره أعلاه.
وتعقب عليه صاحب الفلك الدائر بأن يعقوب ابن السكيت نص في (إصلاح) المنطق على أن الضياء هو النور لا فرق بينهما.
وقال بعضهم: قول: من قال: إن القمر مستمد من نور الشمس مخالف لمذهب أهل السنة، ولا يتم إلا على مذهب الطبائعية.
ورد بعضهم على الفخر الخطيب في سورة النور عند قول الله تعالى: {الله نُورُ السماوات والأرض} قال فيها: إن النور هو الضوء الفياض من الشمس.
(قال): ما يتمّ إلا على القول بالطّبع والطبيعة.
وأجاب ابن عرفة بأنه أخطأ في العبارة فقط، ومراده أنه نور يخلقه الله في القمر عند مقابلة الشمس، ومذهب أكثر أهل السنة أن الظلمة أمر وجودي، وذهب الحكماء والفلاسفة إلى أنها أمر عدمي.
قوله تعالى: {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ ... }.
{مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)}
{اسْتَوْقَدَ} أوقد، أو طلب ذلك من غيره للاستضاءة {أَضَآءَتْ} ضاءت النار في نفسها، وأضاءت ما حولها. قال:
أضاءت لهم أحسابُهم ووجوهُهم *** دُجَى الليل حتى نظَّمَ الجَزعَ ثاقبُه
{بِنُورِهِمْ} أي: المُستوقد، لأنه في معنى الجمع، أو بنور المنافق عند الجمهور، فيذهب في الآخرة فيكون ذهابه سمة يعرفون بها، أو ذهب ما أظهروه للنبي صلى الله عليه وسلم من الإسلام {فِى ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} لم يأتهم بضياء يبصرون به، أو لم يخرجهم من الظلمات، وحصول الظلمة بعد ضياء أبلغ، لأن من صار في ظلمة بعد ضياء أقل إبصاراً ممن لم يزل فيها، ثم الضياء دخولهم في الإسلام، والظلمة خروجهم منه، أو الضياء تعززهم بأنهم في عداد المسلمين، والظلمة زواله عنهم في الآخرة.
أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَّمَ الجِزْعَ ثاقِبُهْ
قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: نُورُ المُسْتَوْقِدِ، لِأنَّهُ في مَعْنى الجَمْعِ، وهَذا قَوْلُ الأخْفَشِ.إنَّ الَّذي حَانَتْ بِفَلْجٍ دِمَاؤُهُمْ ∗∗∗ هُمُ الْقَوْمُ كُلَّ الْقَوْمِ يَا وأُمَّ خَالِدِ
وقيل: تعود على المنافقين المتقدمي الذكر.وداعٍ دَعا يا مَن يُجِيبُ إلى النَّدى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذاكَ مُجِيبُ
أرادَ: فَلَمْ يُجِبْهُ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، مِنهُمُ الأخْفَشُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ.أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَّمَ الجِزْعَ ثاقِبُهُ
وَقالَ آَخَرُ:أضاءَتْ لَنا النّارُ وجْهًا أغَرَّ ∗∗∗ مُلْتَبِسًا بِالفُؤادِ التِباسًا
والثّانِي: أنَّهُ مِنَ الفِعْلِ اللّازِمِ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يُقالُ: أضاءَتِ النّارُ، وأضاءَها غَيْرُها. وقالَ الزَّجّاجَ: يُقالُ: ضاءَ القَمَرُ، وأضاءَ.فَإنَّ الَّذِي حانَتْ بِفَلْجٍ دِماؤُهم ∗∗∗ هُمُ القَوْمُ كُلُّ القَوْمِ يا أمَّ خالِدٍ
فَجَعَلَ "الَّذِي" جَمْعًا.[الآيات : 8 إلى 20]
المنَاسَبَة: لما ذكر تعالى في أول السورة صفات المؤمنين، وأعقبها بذكر صفات الكافرين، ذكر هنا المنافقين وهم الصنف الثالث، الذين يُظهرون الإيمان ويُبطنون الكفر، وأطنب بذكرهم في ثلاث عشرة آية لينبه إِلى عظيم خطرهم، وكبير ضررهم، ثم عقَّب ذلك بضرب مثلين زيادة في الكشف والبيان، وتوضيحاً لما تنطوي عليه نفوسهم من ظلمة الضلال والنفاق، وما يئول إليه حالهم من الهلاك والدمار.
اللغَة: {يُخَادِعُونَ} الخِداع: المكر والاحتيال وإِظهار خلاف الباطن، وأصله الإِخفاء ومنه سُمي الدهرُ خادعاً لما يخفي من غوائله، وسُمي المِخْدع مِخْدعاً لتستر أصحاب المنزل فيه {مَّرَضٌ} المرض: السُّقْم وهو ضد الصحة وقد يكون حسياً كمرض الجسم، أو معنوياً كمرض النفاق ومرض الحسد والرياء، قال ابن فارس: المرضُ كلُّ ما خرج به الإنسان عن حد الصحة من علةٍ، أو نفاق: أو تقصير في أمر {تُفْسِدُواْ} الفساد: العدول عن الاستقامة وهو ضد الصلاح {السفهآء} جمع سفيه وهو الجاهل، الضعيف الرأي، القليل المعرفة، بمواضع المنافع والمضار، وأصل السَّفه، الخِفَّة، والسفيه: الخيف العقل قال علماء اللغة: السَّفه خفةٌ وسخافة رأى يقتضيان نقصان العقل، والحِلْمُ يقابله {طُغْيَانِهِمْ} الطغيان: مجاوزة الحد في كل شيء ومنه {إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء} [الحاقة: 11] أي ارتفع وعلا وجاوز حده، والطاغية: الجبار العنيد {يَعْمَهُونَ} العَمَة: التحير والتردُّد في الشيء يقال: عَمِه يَعْمَه فهو عَمِه قال رؤبة: أعمى الهدى بالحائرين العُمَّه قال الفخر الرازي: العَمَهُ مثل العمى، إِلا أَن العَمَى عام في البصر والرأي، والعَمَه في الرأي خاصة، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه {اشتروا} حقيقة الاشتراء: الاستبدال، وأصله بذل الثمن لتحصيل الشيء المطلوب، والعرب تقول لمن استبدل شيئاً بشيء اشتراه قال الشاعر:
فإِن تزعميني كنتُ أجهلُ فيكم ... فإِني اشتريتُ الحلمَ بعدِك بالجهل {صُمٌّ} جمع أصم وهو الذي لا يسمع {بُكْمٌ} جمع أبكم وهو الأخرس الذي لا ينطق {عُمْيٌ} جمع أعمى وهو الذي فقد بصره {صَيِّبٍ} الصَيّبُ: المطر الغزير مأخوذ من الصوَّبْ وهو النزول بشدة قال الشاعر سقتكِ روايا المُزْن حيثُ تصوب {الصواعق} جمع صاعقة وهي نارٌ محرقة لا تمر بشيء إِلا أتت عليه، مشتقة من الصَّعْق وهو شدة الصوت {السمآء} السماء في اللغة: كلُّ علاكَ فأظلَّك، ومنه قيل لسقف البيت سماء، ويسمى المطر سماءً لنزوله من السماء قال الشاعر:
إِذا سقط السماء بأرضِ قومٍ ... رعيناه وإِن كانوا غِضابا
{يَخْطَفُ} الخَطْفُ: الأخذ بسرعة ومنه {إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة} [الصافات: 10] وسُمِي الطير خَطّافاً لسرعته، والخاطف الذي يأخذ الشيء بسرعة شديدة.
سَبَبُ النّزول: قال ابن عباس: نزلت هذه الآيات في منافقي أهل الكتاب منهم عبد الله بن أُبي ابن سلول، ومعتب بن قشير، والجد بن قيس كانوا إِذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون: إنّا لنجد في كتابنا نعته وصفته.
التفسير: {وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله} أي ومن الناس فريق يقولون بألسنتهم صدَّقنا بالله وبما أنزل على رسوله من الآيات البينات {وباليوم الآخر} أي وصدَّقنا بالبعث والنشور {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} أي وما هم على الحقيقة بمصدقين ولا مؤمنين، لأنهم يقولون ذلك قولاً دون اعتقاد، وكلاماً دون تصديق قال البيضاوي: هذا هو القسم الثالث المذبذب بين القسمين، وهم الذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وهم أخبث الكفرة وأبغضهم إلى الله، لأنّهم موَّهوا الكفر وخلطوا به خداعاً واستهزاء، ولذلك أطال في بيان خبثهم وجهلهم، واستهزأ بهم وتهكَّم بأفعالهم، وسجَّل عليهم الضلال والطغيان، وضرب لهم الأمثال {يُخَادِعُونَ الله والذين آمَنُوا} أي يعملون عمل المخادِع بإِظهار ما أظهروه من الإِيمان مع إِصرارهم على الكفر، يعتقدون بجهلهم أنهم يدعون الله بذلك، وأن ذلك نافعهم عنده، وأنه يروج عليه كما قد يروج على بعض المؤمنين، وما عملوا أن الله لا يُخدع لأنه لا تخفى عليه خافية قال ابن كثير: النفاق هو إظهار الخير، وإِسرارُ الشر وهو أنواع: اعتقادي وهو الذي يخلّد صاحبه في النار، وعملي وهو من أكبر الذنوب والأوزار، لأن المنافق يخالف قولُه فعلَه، وسرُّه علانيته، وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن بها نفاق بل كان خلافه {وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُم} أي وما يخدعون في الحقيقة إِلا أنفسهم لأن وبال فعلهم راجع عليهم {وَمَا يَشْعُرُونَ} أي ولا يُحسّون بذلك ولا يفطنون إِليه، لتمادي غفلتهم، وتكامل حماقتهم {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ الله مَرَضاً} أي في قلوبهم شك ونفاق فزادهم الله رجساً فوق رجسهم، وضلالاً فوق ضلالهم، والجملةُ دعائية قال ابن أسلم: هذا مرضٌ في الدين، وليس مرضاً في الجسد، وهو الشك الذي دخلهم في الإِسلام فزادهم الله رجساً وشكاً {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} أي ولهم عذابٌ مؤلمٌ بسبب كذبهم في دعوى الإيمان، واستهزائهم بآيات الرحمن.. ثم شرع تعالى في بيان قبائحهم، وأحوالهم الشنيعة فقال {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض} أي وإِذا قال لهم بعض المؤمنين: لا تسعوا في الأرض بالإِفساد بإِثارة الفتن، والكفر والصَدِّ عن سبيل الله قال ابن مسعود: الفسادُ في الأرض هو الكفرُ، والعملُ بالمعصية، فمن عصى الله فقد أفسد في الأرض {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} أي ليس شأننا الإِفسادُ أبداً، وإنما نحن أناسٌ مصلحون، نسعى للخير والصلاح فلا يصح مخاطبتنا بذلك قال البيضاوي: تصوُّروا الفساد بصورة الصلاح، لما في قلوبهم من المرض فكانوا كمن قال الله فيهم {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سواء عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً} [فاطر: 8] ولذلك ردَّ الله عليهم أبلغ ردٍّ بتصدير الجملة بحرفيْ التأكيد {أَلا} المنبهة و {إنَّ} المقررة، وتعريف الخبر، وتوسيط الفصل، والاستدراك بعدم الشعور فقال {ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون ولكن لاَّ يَشْعُرُونَ} أي أَلاَ فانتبهوا أيها الناس، إِنهم هم المفسدون حقاً لا غيرهم، ولكنْ لا يفطنون ولا يحُسون، لانطماسِ نور الإِيمان في قلوبهم {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَآ آمَنَ الناس} أي وإِذا قيل للمنافقين: آمنوا إِيماناً صادقاً لا يشوبه نفاقٌ ولا رياء، كما آمن أصحاب النبي عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ، وأخلصوا في إيمانكم وطاعتكم لله {قالوا أَنُؤْمِنُ كَمَآ آمَنَ السفهآء} الهمزة للإِنكار مع السخرية والاستهزاء أي قالوا أنؤمن كإِيمان هؤلاء الجهلة أمثال صهيب، وعمار، وبلال ناقصي العقل والتفكير؟! قال البيضاوي: وإِنما سفَّهوهم لاعتقادهم فسادَ رأيهم، أو لتحقير شأنهم، فإِن أكثر المؤمنين كانوا فقراء ومنهم موالي كصهيب وبلال {ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء ولكن لاَّ يَعْلَمُونَ} أي ألا إِنهم هم السفهاء حقاً، لأن من ركب متن الباطل كان سفيهاً بلا امتراء، ولكن لا يعلمون بحالهم في الضلالة والجهل، وذلك أبلغ في العمى، والبعد عن الهدى.
أكَّد وَنبَّه وحصر السفاهة فيهم، ثم قال تعالى منبهاً إلى مصانعتهم ونفاقهم {وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا} أي وإِذا رأوا المؤمنين وصادفوهم أظهروا لهم الإِيمان والموالاة نفاقاً ومصانعة {وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ} أي وإِذا انفردوا ورجعوا إِلى رؤسائهم وكبرائهم، أهلِ الضلالِ والنفاق {قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} أي قالوا لهم نحن على دينكم وعلى مثل ما أنتم عليه من الاعتقاد، وإِنما نستهزئ بالقوم ونسخر منهم بإِظهار الإِيمان، قال تعالى رداً عليهم {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} أي الله يجازيهم على استهزائهم بالإِمهال ثم بالنكال قال ابن عباس: يسخر بهم للنقمة منهم ويُملي لهم كقوله {وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 183] قال ابن كثير: هذا إِخبار من الله أنه مجازيهم جزاء الاستهزاء، ومعاقبهم عقوبة الخداع، فأخرج الخبر مخرج الخبر عن الفعل الذي استحقوا العقاب عليه، فاللفظ متفق والمعنى مختلف، وإِليه وجهوا كل ما في القرآن من نظائر مثل {وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40] ومثل {فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ} [البقرة: 194] فالأول ظلم والثاني عدل {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} أي ويزيدهم بطريق الإِمهال والترك في ضلالهم وكفرهم يتخبطون ويتردّدون حيارى، لا يجدون إِلى ويزيدهم منه سبيلاً لأن الله طبع على قلوبهم وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون رشداً ولا يهتدون سبيلاً {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} أي استبدلوا الكفر بالإيمان، وأخذوا الضلالة ودفعوا ثمنها الهدى {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} أي ما ربحت صفقتُهم في هذه المعارضةِ والبيع {وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ} أي وما كانوا راشدين في صنيعهم ذلك، لأنهم خسروا سعادة الدارين، ثم ضرب تعالى مثلين وضَّح فيهما خسارتهم الفادحة فقال {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} أي مثالهم في نفاقهم وحالهم العجيبة فيه كحال شخص أوقد ناراً ليستدفئ بها ويستضيء، فما اتقدت حتى انطفأت، وتركته ظلام دامس وخوفٍ شديد {فَلَمَّآ أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} أي فلما أنارتْ المكان الذي حوله فأبصر وأمِن، واستأنس بتلك النار المشعة المضيئة ذهب الله بنورهم أي أطفأهم الله بالكلية، فتلاشت النار وعُدم النور {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ} أي وأبقارهم في ظلماتٍ كثيفة وخوف شديد، يتخبطون فلا يهتدون قال ابن كثير: ضرب الله للمنافقين هذا المثل، فشبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إِلى العمى، بمن استوقد ناراً فلما أضاءت ما حوله وانتفع بها، وتأنس بها وأبصر ما عن يمينه وشماله.
.
فبينا هو كذلك إِذْ طفئت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم الضلالة عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغيَّ على الرشد، وفي هذا المثل دلالةً على أنهم آمنوا ثم كفروا، ولذلك ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات الشك والكفر والنفاق لا يهتدون إِلى سبيل خير، ولا يعرفون طريق النجاة {صُمٌّ} أي هم كالصم لا يسمعون خيراً {بُكْمٌ} أي كالخرص لا يتكلمون بما ينفعهم {عُمْيٌ} أي كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله {فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ} أي لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال، ثم ثنَّى تعالى بتمثيل آخر لهم زيادة في الكشف والإِيضاح فقال {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء} أي أو مثلهم في حيرتهم وترددهم كمثل قومٍ أصابهم مطر شديد، أظلمت له الأرض، وأرعدت له السماء، مصحوبٍ بالبرق والرعد والصواعق {فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ} أي في ذلك السحاب ظلماتٌ داجية، ورعدٌ قاصف، وبرقٌ خاطف {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق} أي يضعون رءوس أصابعهم في آذانهم لدفع خطر الصواعق، وذلك من فرط الدهشة والفزع كأنهم يظنون أن ذلك ينجيهم {حَذَرَ الموت} أي خشية الموت من تلك الصواعق المدمرة {والله مُحِيطٌ بالكافرين} جملة اعتراضية أي والله تعالى محيط بهم بقدرته، وهم تحت إرادته ومشيئته لا يفوتونه، كما لا يفوتُ من أحاط به الأعداء من كل جانب {يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ} أي يقارب البرقُ لشدته وقوته وكثرة لمعانه أن يذهب بأبصارهم فيأخذها بسرعة {كُلَّمَا أَضَآءَ لَهُمْ مَّشَوْاْ فِيهِ} أي كلما أنار لهم البرق الطريق مشوا في ضوئه {وَإِذَآ أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ} أي وإذا اختفى البرق وفتر لمعانه وقفوا عن السير وثبتوا في مكانهم.. وفي هذا تصوير لما هم فيه من غاية التحير والجهل، فإِذا صادفوا من البرق لمعة مع خوفهم أن يخطف أبصارهم انتهزوها فرصة فَخَطَوْا خطواتٍ يسيرة وإِذا خفي وفتر لمعانة وقفوا عن السير، وثبتوا في أماكنهم خشية التردي في حفرة {وَلَوْ شَآءَ الله لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ} أي لو أراد الله لزاد في قصف الرعد فأصمهم وذهب بأسماعهم، وفي ضوء البرق فأعمارهم وذهب بأبصارهم {إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي إِنه تعالى قادر على كل شيء، لا يعجزه أحدٌ في الأرض ولا في السماء قال ابن جرير: إنما وصف تعالى نفسه بالقدرة على كل شيء في هذا الموضع، لأنه حذَّر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم أنه بهم محيط، وعلى إِذهاب أسماعهم وأبصارهم قادر.
البَلاَغَة: تضمنت الآيات الكريمة وجوهاً من البلاغة والبديع نوجزها فيما يلي:
أولاً: المبالغة في التكذيب لهم {وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} كان الأصل أن يقول: وما آمنوا ليطابق قوله من يقول آمنا ولكنه عدل عن الفعل إلى الاسم لإِخراج ذواتهم من عداد المؤمنين وأكده بالباء للمبالغة في نفي الإِيمان عنهم.
ثانياً: الاستعارة التمثيلية {يُخَادِعُونَ الله} شبَّه حالهم مع ربهم في إِظهار الإِيمان وإِخفاء الكفر بحال رعيةٍ تخادع سلطانهم واستعير اسم المشبَّه به للمشبه بطريق الاستعارة.
ثالثاً: صيغة القصر {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} وهذا من نوع قصر الموصوف على الصفة أي نحن مصلحون ليس إِلاَّ.
رابعاً: الكناية اللطيفة {فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ} المرضُ في الأجسام حقيقة وقد كنى به عن النفاق لأن المرض فسادٌ للبدن، والنفاق فساد للقلب.
خامساً: تنويع التأكيد {ألا إِنَّهُمْ هُمُ المفسدون} جاءت الجملة مؤكدة بأربع تأكيدات {ألا} التي تفيد التنبيه، و {إِنَّ} التي هي للتأكيد، وضمير الفصل {هُمُ} ثم تعريف الخبر {المفسدون} ومثلها في التأكيد {ألا إِنَّهُمْ هُمُ السفهآء} وهذا ردٌّ من الله تعالى عليهم بأبلغ ردٌّ وأحكمه.
سادساً: المشاكلة {الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ} سمَّى الجزاء على الاستهزاء استهزاءً بطريق المشاكلة وهي الاتفاق في اللفظ مع الاختلاف في المعنى.
سابعاً: الاستعارة التصريحية {اشتروا الضلالة بالهدى} المراد استبدلوا الغيَّ بالرشاد، والكفر بالإِيمان فخسرت صفقتهم ولم تربح تجارتهم فاستعار لفظ الشراء للاستبدال ثم زاده توضيحاً بقوله {فَمَا رَبِحَتْ تِّجَارَتُهُمْ} وهذا هو الترشيح الذي يبلغ بالاستعارة الذروة العليا.
ثامنا: التشبيه التمثيلي {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي استوقد نَاراً} وكذلك {أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السمآء فِيهِ ظُلُمَاتٌ} شبه في المثال الأول المنافق بالمستوقد للنار، وإِظهاره الإِيمان بالإِضاءة، وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار، وفي المثال الثاني شبَّه الإِسلام بالمطر لأن القلوب تحيا به كحياة الأرض بالماء، وشبَّه شبهات الكفار بالظلمات، وما في القرآن من الوعد والوعيد والبرق.. الخ.
تاسعاً: التشبيه البليغ {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ} أي هم كالصم والبكم العمي في عدم الاستفادة من هذه الحواس حذفت أداة التشبيه ووجه الشبه فأصبح بليغاً.
عاشراً: المجار المرسل {يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ في آذَانِهِم} وهو من إطلاق الكل وإرادة الجزء أي رؤوس أصابعهم لأن دخول الأصبع كلها في الأذن لا يمكن.
الحادي عشر: توافق الفواصل مراعاة لرءوس الآيات، وهذا له وقع في الأذن حسن، وأثر في النفس رائع مثل {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ} {وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ} الخ وهو من المحسنات البديعية.
الفوَائِد: الأولى: الغاية من ضرب المثل: تقريب البعيد، وتوضيح الغامض حتى يصبح كالأمر المشاهد المحسوس، وللأمثال تأثير عجيب في النفس
{وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون} [العنكبوت: 43] .
الثانية: وصف تعالى المنافقين في هذه الآيات بعشرة أوصاف كلها شنيعة وقبيحة تدل على رسوخهم في الضلال وهي (الكذب، الخداع، المكر، السَّفه، الاستهزاء الإِفساد في الأرض، الجهل، الضلال، التذبذب، السخرية بالمؤمنين) أعاذنا الله من صفات المنافقين.
الثالثة: حكمة كفه عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ عن قتل المنافقين مع أنهم كفار وعلمه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بأعيان بعضهم ما أخرجه البخاري أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال لعمر: أكره أن يتحدث العرب أن محمداً يقتل أصحابه .
لطيفَة: قال العلامة ابن القيم: تأمل قوله تعالى {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} ولم يقل: ذهب الله بنارهم مع أنه مقتضى السياق ليطابق أول الآية {استوقد نَاراً} فإِِن النار فيها إشراق وإحراق، فذهب الله بما فيها من الإِشراق وهو النور وأبقى ما فيها من الإِحراق وهو النارية ! {وتأمل كيف قال {بِنُورِهِمْ} ولم يقل بضوئهم، لأن الضوء زيادةٌ في النور، فلو قيل: ذهب الله بضوئهم لأوهم الذهاب بالزيادة فقط دون الأصل} ! وتأمل كيف قال {ذَهَبَ الله بِنُورِهِمْ} فوحَّد النور ثم قال {وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ} فجمعها، فإِن الحقَّ واحد هو صراط الله المستقيم، الذي لا صراط يوصل سواه، بخلاف طُرُق الباطل فإِنها متعددة ومتشعبة، ولهذا أفرد سبحانه الحقَ وجمع الباطل في آيات عديدة مثل قوله تعالى {وَيُخْرِجُهُمْ مِّنِ الظلمات إِلَى النور} [المائدة: 16] وقوله {وَجَعَلَ الظلمات والنور} [الأنعام: 1] وقوله {وَأَنَّ هذا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فاتبعوه وَلاَ تَتَّبِعُواْ السبل فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153] فجمع سبل الباطل ووحَّد سبيل الحق.
أضاءَتْ لَهم أحْسابُهم ووُجُوهُهم دُجى اللَّيْلِ حَتّى نَظَمَ الجِزْعَ ثاقِبُهُ
وأمّا ما حَوْلَ الشَّيْءِ فَهو الَّذِي يَتَّصِلُ بِهِ، تَقُولُ دارَ حَوْلَهُ وحَوالَيْهِ، والحَوْلُ السَّنَةُ لِأنَّها تَحُولُ، وحالَ عَنِ العَهْدِ أيْ تَغَيَّرَ، وحالَ لَوْنُهُ أيْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ، والحَوالَةُ انْقِلابُ الحَقِّ مِن شَخْصٍ إلى شَخْصٍ، والمُحاوَلَةُ طَلَبُ الفِعْلِ بَعْدَ أنْ لَمْ يَكُنْ طالِبًا لَهُ، والحَوَلُ انْقِلابُ العَيْنِ، والحِوَلُ الِانْقِلابُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا﴾ [الكَهْفِ: ١٠٨] والظُّلْمَةُ عَدَمُ النُّورِ عَمّا مِن شَأْنِهِ أنْ يَسْتَنِيرَ، والظُّلْمَةُ في أصْلِ اللُّغَةِ عِبارَةٌ عَنِ النُّقْصانِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَها ولَمْ تَظْلِمْ مِنهُ شَيْئًا﴾ [الكَهْفِ: ٣٣] أيْ لَمْ تَنْقُصْ وفي المَثَلِ: مَن أشْبَهَ أباهُ فَما ظَلَمَ، أيْ فَما نَقَصَ حَقَّ الشَّبَهِ، والظُّلْمُ الثَّلْجُ؛ لِأنَّهُ يَنْتَقِصُ سَرِيعًا، والظُّلْمُ ماءُ السِّنِّ وطَراوَتُهُ وبَياضُهُ تَشْبِيهًا لَهُ بِالثَّلْجِ.18 - (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ).
تشبه:
البقرة - 171 (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ).
ملاحظة:
في الآية الأولى ذهب الله بنور المنافقين فهم يتخبطون في الظلمات فكيف يرجعون؟ فختم الآية بقوله (فهم لا يرجعون). والآية الثانية شبهت الكفار بما هم فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها بل إذا نعق بها راعيها أي دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه وإنما تسمع صوته فقط (فهم لا يعقلون).
21 - (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ).
ملاحظة:
الوحيدة في القرآن. والعبادة هنا التوحيد، والتوحيد أول ما يلزم الانسان معرفته فناسب أن يكون هذا أول خطاب خاطب به الله الناس في القرآن.
و هذا باعتبار أن ترتيب المصحف: الفاتحة ثم البقرة ثم آل عمران إلى سورة الناس هو هكذا عند الله تعالى في اللوح المحفوظ فهو ترتيب توقيفي بوحي من الله تعالى.
22 - (وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً).
تشبه:
آيات عديدة فيها (نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) و(أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) و(يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء)
ملاحظة:
هذه الآيات بينها تشابه كبير وكلها تذكر نزول وتنزيل الماء (مِنَ السَّمَاء). ومما يساعد على حفظها والتمييز بينها:
- (يُنَزِّلُ) وردت فقط في الروم.
- (نَّزَّلَ) وردت فقط في العنكبوت والزخرف.
- (أَنْزَلْنَا) بنون العظمة وردت في ثلاث سور: المؤمنون والفرقان ولقمان، وكلها سور تنتهي بحرف النون.
- (لَكُمْ) بعد (أَنْزَلَ) وردت فقط في النمل. و(لَكُمْ) بعد (أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء) فقط في النحل.
23 - (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ).
تشبه:
يونس - 38 (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ).
هود - 13 (أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ).
القصص - 49 (قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ).
ملاحظة:
(من مثله) جاءت فقط في البقرة، لأنها سنام القرآن وأول المصحف بعد الفاتحة، فلما قال (مِنْ) كان التحدي بأن يأتوا بأي جزء من القرآن. أو يقال إن آية البقرة للرد على تكذيبهم وشكهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا) فأعجزهم أن يأتوا بسورة من أمي مثله لا يقرأ ولا يكتب. وآية يونس فيها تكذيب للقرآن فناسبها (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ). وآية هود ترد على معنى الافتراء فطالبهم بأن يأتوا بسور (مُفْتَرَيَاتٍ) أيضا كما زعموا، وفي هذا توسعة في التحدي فناسبه التوسعة فى العدد المطلوب لأن الكلام المفترى أسهل فناسبته التوسعة فحصل عجزهم من كل جهة. وتحمس السيوطي لكون ترتيب المصحف توقيفيا وقال (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ) لأنها السورة الحادية عشرة ترتيبا، فجاء التحدي بالعشر سور التي سبقتها.