هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ غُدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
أيْ: حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ، وبَراحٌ اسْمُ الشَّمْسِ، وأنْشَدَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
وقِيلَ: الدُّلُوكُ زَوالُ الشَّمْسِ نِصْفَ النَّهارِ. قِيلَ: واشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ تُدْلَكُ عَيْنُهُ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها. وقِيلَ: الدُّلُوكُ مِن وقْتِ الزَّوالِ إلى الغُرُوبِ. الغَسَقُ سَوادُ اللَّيْلِ وظُلْمَتُهُ. قالَ الكِسائِيُّ: غَسَقَ اللَّيْلُ غُسُوقًا، والغَسَقُ الِاسْمُ بِفَتْحِ السِّينِ. وقالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: غَسَقُ اللَّيْلِ دُخُولُ أوَّلِهِ. قالَ الشّاعِرُ:إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وأصْلُهُ مِنَ السَّيَلانِ غَسَقَتِ العَيْنُ تَغْسِقُ هَمَلَتْ بِالماءِ والغاسِقُ السّائِلُ، وذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ تَنْصَبُّ عَلى العالَمِ. قالَ الشّاعِرُ:ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وسَألَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ ما الغَسَقُ ؟ قالَ: اللَّيْلُ بِظُلْمَتِهِ، ويُقالُ: غَسَقَتِ العَيْنُ امْتَلَأتْ دَمًا. وحَكى الفَرّاءُ غَسَقَ اللَّيْلُ واغْتَسَقَ وظَلُمَ وأظْلَمَ ودَجى وأدْجى وغَبَشَ وأغْبَشَ، أبُو عُبَيْدَةَ الهاجِدُ النّائِمُ والمُصَلِّي. وقالَ ابْنُ الإعْرابِيِّ: هَجَدَ الرَّجُلُ صَلّى مِنَ اللَّيْلِ، وهَجَدَ نامَ بِاللَّيْلِ. وقالَ اللَّيْثُ: تَهَجَّدَ اسْتَيْقَظَ لِلصَّلاةِ. وقالَ ابْنُ بِرَزْحَ: هَجَّدْتُهُ أيْقَظْتُهُ، فَعَلى ما ذَكَرُوا يَكُونُ مِنَ الأضْدادِ، والمَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ النّائِمُ، وقَدْ هَجَدَ هُجُودًا نامَ. قالَ الشّاعِرُ:ألا زارَتْ وأهْلُ مِنى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنى يَعُودُ
وقالَ آخَرُ:ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ
وقالَ الآخَرُ:وبَرْكٍ هُجُودٍ قَدْ أثارَتْ مَخافَتِي
زَهَقَتْ نَفْسُهُ تَزْهَقُ زُهُوقًا ذَهَبَتْ، وزَهَقَ الباطِلُ زالَ واضْمَحَلَّ، ولَمْ يَثْبُتْ. قالَ الشّاعِرُ:ولَقَدْ شَفى نَفْسِي وأبْرَأ سَقَمَها ∗∗∗ إقْدامُهُ مُزالَةً لَمْ تَزْهَقِ
ناءَ يَنُوءُ: نَهَضَ. الشّاكِلَةُ الطَّرِيقَةُ، والمَذْهَبُ الَّذِي جُبِلَ عَلَيْهِ قالَهُ الفَرّاءُ، وهو مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّكْلِ، يُقالُ: لَسْتَ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي، والشَّكْلُ المِثْلُ والنَّظِيرُ، والشِّكْلُ بِكَسْرِ الشِّينِ الهَيْئَةُ، يُقالُ: جارِيَةٌ حَسَنَةُ الشِّكْلِ. اليَنْبُوعُ مَفْعُولٌ مِنَ النَّبْعِ وهو عَيْنٌ تَفُورُ بِالماءِ. الكِسَفُ القِطَعُ، واحِدُها كِسْفَةٌ، تَقُولُ العَرَبُ: كَسَفْتُ الثَّوْبَ ونَحْوَهُ قَطَعْتُهُ، وما زَعَمَ الزَّجّاجُ مِن أنْ كَسَفَ بِمَعْنى غَطّى لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ في دَواوِينِ اللُّغَةِ. الرُّقِيُّ والرُّقى الصُّعُودُ يُقالُ: رَقَيْتُ في السُّلَّمِ أرْقى، قالَ الشّاعِرُ:أنْتَ الَّذِي كَلَّفْتَنِي رَقْيَ الدَّرَجْ ∗∗∗ عَلى الكَلالِ والمَشِيبِ والعَرَجْ
خَبَتِ النّارُ تَخْبُو: سَكَنَ لَهَبُها وخَمَدَتْ سَكَنَ جَمْرُها وضَعُفَ وهَمَدَتْ طُفِئَتْ جُمْلَةً. قالَ الشّاعِرُ:أمِن زَيْنَبَ ذِي النّارِ ∗∗∗ قُبَيْلَ الصُّبْحِ ما تَخْبُو
إذا ما خَمِدَتْ يُلْقى ∗∗∗ عَلَيْها المَندَلُ الرَّطْبُ
وقالَ الآخَرُوسَطُهُ كاليَراعِ أوْ سَرْجِ المَجْدَلِ ∗∗∗ طُورًا يَخْبُو وطُورًا يُنِيرُ
الثُّبُورُ: الهَلاكُ يُقالُ: ثَبَرَ اللَّهُ العَدُوَّ ثُبُورًا أهْلَكُهُ. وقالَ ابْنُ الزِّبَعْرى:إذا جارى الشَّيْطانَ في سَنَنِ الغَيِّ ∗∗∗ ومَن مالَ مِثْلُهُ مَثْبُورُ
اللَّفِيفُ الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى مُخْتَلِطَةٍ قَدْ لُفَّ بَعْضُها بِبَعْضٍ. وقالَ بَعْضُ اللُّغَوِيِّينَ: هو مِن أسْماءِ الجُمُوعِ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: هو بِمَعْنى المَصْدَرِ كَقَوْلِ القائِلِ: لَفَفْتُهُ لَفًّا ولَفِيفًا. المُكْثُ: التَّطاوُلُ في المُدَّةِ، يُقالُ: مَكَثَ ومَكُثَ أطالَ الإقامَةَ. الذَّقَنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ. قالَ الشّاعِرُ:فَخَرُّوا لِأذْقانِ الوُجُوهِ تَنُوشُهم ∗∗∗ سِباعٌ مِنَ الطَّيْرِ العَوادِي وتَنْتِفُ
خافَتَ بِالكَلامِ أسَرَّهُ بِحَيْثُ لا يَكادُ يَسْمَعُهُ المُتَكَلِّمُ وضَرَبَهُ حَتّى خَفَتَ أيْ: لا يُسْمَعُ لَهُ حِسٌّ.فَلَمّا تَفَرَّقْنا كَأنِّي ومالِكًا لِطُولِ اجْتِماعٍ لَمْ نَبِتْ لَيْلَةً مَعًا
أيْ: بَعْدَ طُولِ اجْتِماعٍ، ومِنهُ كَتَبَتُهُ لِثَلاثٍ خَلَوْنَ مِن شَهْرِ كَذا. وقالَ الواحِدِيُّ: اللّامُ لِلسَّبَبِ؛ لِأنَّها إنَّما تَجِبُ بِزَوالِ الشَّمْسِ، فَيَجِبُ عَلى المُصَلِّي إقامَتُها لِأجْلِ دُلُوكِ الشَّمْسِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾ الآيَةَ. هَذِهِ بِإجْماعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إشارَةٌ إلى الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو بُرْدَةَ والحَسَنُ والجُمْهُورُ: دُلُوكُ الشَّمْسِ زَوالُها، والإشارَةُ إلى الظُّهْرِ والعَصْرِ وغَسَقُ اللَّيْلِ إشارَةٌ إلى المَغْرِبِ والعِشاءِ ﴿وقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ أُرِيدَ بِهِ صَلاةُ الصُّبْحِ، فالآيَةُ عَلى هَذا تَعُمُّ جَمِيعَ الصَّلَواتِ.رَهْطُ ابْنِ كُوزٍ مُحْقِبِي أدْراعِهِمْ ∗∗∗ فِيهِمْ ورَهْطُ رَبِيعَةَ بْنِ حِذارِ
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى العامِلِ فِيهِ مِنَ الظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ لا يَجُوزُ إلّا عِنْدَ الأخْفَشِ، ومَن مَنَعَ جَعَلَهُ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ أعْنِي، وشِفاؤُهُ كَوْنُهُ مُزِيلًا لِلرَّيْبِ كاشِفًا عَنْ غِطاءِ القَلْبِ بِفَهْمِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الدّالَّةِ عَلى اللَّهِ المُقَرِّرَةِ لِدِينِهِ، فَصارَ لِعِلّاتِ القُلُوبِ كالشِّفاءِ لِعِلّاتِ الأجْسامِ. وقِيلَ: شِفاءٌ بِالرُّقى والعَوْذِ كَما جاءَ في حَدِيثِ الَّذِي رَقِيَ بِالفاتِحَةِ مِن لَسْعَةِ العَقْرَبِ. واخْتَلَفُوا في النُّشْرَةِ وهو أنْ يُكْتَبَ شَيْءٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى أوْ مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ يُغْسَلُ بِالماءِ ثُمَّ يُمْسَحُ بِهِ المَرِيضُ أوْ يُسْقاهُ، فَأجازَ ذَلِكَ ابْنُ المُسَيَّبِ ولَمْ يَرَهُ مُجاهِدٌ. وعَنْ عائِشَةَ: كانَتْ تَقْرَأُ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ في إناءٍ ثُمَّ تَأْمُرُ أنْ يُصَبَّ عَلى المَرِيضِ. وقالَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ المازِنِيُّ: النُّشْرَةُ أمْرٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أهْلِ التَّعْزِيمِ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأنَّها تَنْشُرُ عَنْ صاحِبِهِما أيْ: تَحُلُّ، ومَنَعَها الحَسَنُ والنَّخَعِيُّ. ورَوى أبُو داوُدَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ «أنَّ الرَّسُولَ ﷺ قالَ وقَدْ سُئِلَ عَنِ النُّشْرَةِ: ”هي مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ“» . ويُحْمَلُ ذَلِكَ عَلى ما إذا كانَتْ خارِجَةً عَمّا في كِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ الرَّسُولِ، والنُّشْرَةُ مِن جِنْسِ الطِّبِّ في غُسالَةِ شَيْءٍ لَهُ فَضْلٌ.عَقَبَ الرَذاذُ خِلافَها فَكَأنَّما ∗∗∗ بَسَطَ الشَواطِبُ بَيْنَهُنَّ حَصِيرًا
ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللهِ﴾ [التوبة: ٨١]، عَلى بَعْضِ تَأْوِيلاتِهِ، أيْ: بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ، وهَذِهِ اللَفْظَةُ قَدْ لَزِمَ حَذْفُ المُضافِ؛ لِأنَّ التَقْدِيرَ في آياتِنا: "خِلافَ خُرُوجِكَ"، وفي بَيْتِ الشاعِرِ: "خِلافَ انْبِساطِ الشَمْسِ" أو نَحْوَهُ.مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَواتِي تَقُودُها ∗∗∗ ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَوالِكِ
ومِن ذَلِكَ قَوْلُ الشاعِرِ:هَذا مَكانُ قَدَمَيْ رَباحِ ∗∗∗ ∗∗∗ غَدْوَةً حَتّى دَلَكَتْ بَراحِ
وَيُرْوى "بِراحِ" بِكَسْرِ الباءِ، قالَ أبُو عُبَيْدَةَ، والأصْمَعِيُّ، وأبُو عَمْرٍو الشَيْبانِيُّ: مَعْناهُ: بِراحَةِ الناظِرِ يَسْتَكْفِ بِها أبَدًا لِيَنْظُرَ كَيْفَ مَيْلُها وما بَقِيَ لَها، وهَذا نَحْوَ قَوْلِ الحَجّاجِ:والشَمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ ∗∗∗ أدْفَعُها بِالراحِ كَيْ تَزَحْلَفا
وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ قالَ: "دَلَكَتْ بِراحِ، يَعْنِي: بِراحِ مَكانًا". قالَ: فَإنْ كانَ هَذا مِن تَفْسِيرِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهو أعْلَمُ، وإنْ كانَ مِن كَلامِ راوٍ فَأهْلُ الغَرِيبِ أعْلَمُ بِذَلِكَ.آبَ هَذا اللَيْلُ إذْ غَسَقًا
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: غَسَقُ اللَيْلِ: بَدْؤُهُ.ألا طَرَقَتْنا والرِفاقُ هُجُودٌ ∗∗∗ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَوالِ تَجُودُ
ومِنهُ قَوْلُ الحَطِيئَةِ:فَحَيّاكِ وُدٌّ ما هَداكِ لِفِتْيَةٍ ∗∗∗ ∗∗∗ وخُوصٍ بِأعْلى ذِي طُوالَةِ هُجَّدِ
وهَذا الفِعْلُ جارٍ مَجْرى: تَحَرَّبَ وتَحَرَّجَ وتَأثَّمَ وتَحَنَّثَ، ومِثْلُهُ ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: ٦٥]، فَمَعْناهُ: تَنْدَمُونَ، أيْ تَطْرَحُونَ الفاكِهَةَ عن أنْفُسِكُمْ، وهي انْبِساطُ النَفْسِ وسُرُورُها، يُقالُ: رَجُلٌ فَكِهٌ إذا كانَ كَثِيرَ السُرُورِ والضَحِكِ، فالمَعْنى: ووَقْتًا مِنَ اللَيْلِ اسْهَرْ بِهِ في صَلاةٍ وقِراءَةٍ، وقالَ الأسْوَدُ، وعَلْقَمَةُ، وعَبْدُ الرَحْمَنِ بْنُ الأسْوَدِ: التَهَجُّدُ بَعْدَ نَوْمَةٍ، وقالَ الحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو: إنَّما التَهَجُّدُ بَعْدَ رَقْدَةٍ، وقالَ الحَسَنُ: التَهَجُّدُ ما كانَ بَعْدَ العِشاءِ الآخِرَةِ.قُلْتُ: هَجَدْنا فَقالَ طالَ السُّرى
ونُقِلَ عَنِ ابْنِ بَرْزَخٍ أنَّهُ يُقالُ: هَجَدْتُهُ إذا أيْقَظْتَهُ، ومَصْدَرُ هَذا التَّهْجِيدُ، وصَرَّحَ في القامُوسِ بِأنَّهُ مِنَ الأضْدادِ أيْضًا.{وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)}
فَتَهَجَّدْ الهجود النوم، والتهجد السهر بعد النوم، {نَافِلَةً لَكَ} فضيلة لك ولغيرك كفارة، أو مكتوبة عليك مستحبة لغيرك «ع» أو حضضه بالترغيب فيها لحيازة فضلها لكرامته عليه {مَّحْمُوداً} الشفاعة للناس في القيامة، أو إجلاسه على العرش يوم القيامة، أو إعطاؤه لواء الحمد يومئذ.
مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ زَيْدٍ، ورَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وهو مَذْهَبُ أبِي حَنِيفَةَ.هَذا مُقامُ قَدَمَيْ رَباحِ ∗∗∗ ذَيَّبَ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
وَبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ، والباءُ الَّتِي فِيهِ مِن أصْلِ الكَلِمَةِ، وذَهَبَ بَعْضُ أهْلِ العَرَبِيَّةِ إلى أنَّ الباءَ الَّتِي فِيها باءُ الجَرِّ، واسْمُ الشَّمْسِ راحُ.ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهْيَ لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَنَحَ الإظْلامُ والغَسَقُ
الثّانِي: أنَّهُ دُنُوُّ اللَّيْلِ وإقْبالُهُ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وقَتادَةَ.إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ ... ... ...
وَفِي الصَّلاةِ المَأْمُورِ بِها قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّها صَلاةُ المَغْرِبِ، وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والضَّحّاكِ.ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ ولَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ
وَشاهِدُ انْطِلاقِهِ عَلى النَّوْمِ قَوْلُ الشّاعِرِ:ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعَلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ
أمّا التَّهَجُّدُ فَهو السَّهَرُ، وفِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: السَّهَرُ بِالتَّيَقُّظِ لِما يَنْفِي النَّوْمَ، سَواءٌ كانَ قَبْلَ النَّوْمِ أوْ بَعْدَهُ.[سورة الإسراء (17) : الآيات 78 الى 84]
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً (79) وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً (80) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً (81) وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (82)
وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (84)
تفسير المفردات
دلوك الشمس: زوالها عن دائرة نصف النهار، والغسق: شدة الظلمة، وقرآن الفجر: أي صلاة الصبح، كان مشهودا: أي تشهده شواهد القدرة، وبدائع الحكمة، وبهجة العالم العلوي والسفلى فمن ظلام حالك، أزاله ضوء ساطع، ونور باهر، ومن نوم وخمود، إلى يقظة وحركة، وسعى إلى الأرزاق، فسبحان الواحد الخلاق، وهل هناك منظر أجمل فى نظر الرائي من ظهور ذلك النور ينفلت من خلال الظلام الدامس يدفعه بقوة، ليضىء العالم بجماله، ويقظة النّوّام وحركتهم على ظهر البسيطة، وقد كانوا فى سكون، فهى حياة متجددة بعد موت وغيبوبة للحواس، والتهجد: الاستيقاظ من النوم للصلاة، نافلة: أي فريضة زائدة على الصلوات الخمس المفروضة عليك، والمقام المحمود: مقام الشفاعة العظمى حين فصل القضاء، حيث لا أحد إلا وهو تحت لوائه صلى الله عليه وسلّم، والسلطان: الحجة البينة، والنصير: الناصر والمعين، زهق: أي زال واضمحل، نأى بجانبه: أي لوى عطفه عن الطاعة وولاها ظهره، وشاكلته: أي مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله فى الهدى والضلال، ويئوسا: أي شديد اليأس والقنوط من رحمة الله، وأهدى سبيلا: أي أسدّ طريقا، وأقوم منهجا.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر كيد الكفار واستفزازهم لرسوله صلى الله عليه وسلّم ليخرجوه من أرضه، وسلاه بما سلاه به- أمره بالإقبال على ربه بعبادته لينصره عليهم، ولا يبالى بسعيهم ولا يلتفت إليهم، فإنه سبحانه يدفع مكرهم وشرهم ويجعل يده فوق أيديهم، ودينه عاليا على أديانهم، ثم وعده بما يغبطه عليه الخلق أجمعون من المقام المحمود ثم بين أن ما أنزل عليه من كتاب ربه، فيه الشفاء للقلوب من الأدواء النفسية، والأمراض الاعتقادية، كما أنه يزيد الكافرين خسارة وضلالا، لأنه كلما نزلت عليه آية ازدادوا بها كفرا وعتوّا.
الإيضاح
(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) أي أدّ الصلاة المفروضة عليك بعد دلوك الشمس وزوالها إلى ظلمة الليل، ويشمل ذلك الصلوات الأربعة الظهر والعصر والمغرب والعشاء.
(وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) أي صلاة الصبح، وقد بينت السنة المتواترة من أقواله وأفعاله صلى الله عليه وسلّم تفاصيل هذه الأوقات على ما عليه أهل الإسلام اليوم مما تلقوه عنه خلفا عن سلف قرنا بعد قرن.
وقد تقدم فى سورة البقرة أن المراد بإقامة الصلاة أداؤها على الوجه الذي سنه الدين، والنّهج الذي شرطه، من توجيه القلب إلى مناجاة الرب، والخشية منه فى السر والعلن، مع اشتمالها على الشرائط والأركان التي أوضحها الأئمة المجتهدون والصلاة لبّ العبادة، لما فيها من مناجات الخالق، والإعراض عن كل ما سواه، ودعائه وحده، وهذا هو مخّ كل عبادة، وفى الحديث اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
(إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) أي ففى الفجر تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار وتشهده جميعا، ثم يصعد أولئك ويقيم هؤلاء،
روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون فى صلاة الصبح، وفى صلاة العصر فيعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم ربهم وهو أعلم بكم، كيف تركتم عبادى؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلون
وروى الترمذي عن أبى هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم فى قوله: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار
وقد يكون المراد كما قال الرازي- إن الإنسان يشهد فيه آثار القدرة وبدائع الحكمة، فى السموات والأرض، فهناك الظلام الحالك الذي يزيله النور الساطع، وهناك يقظة النوم بعد الخمود والغيبوبة عن الحس إلى نحو ذلك من مظاهر القدرة فى الملك والملكوت، فكل العالم يقول بلسان حاله أو مقاله سبّوح قدّوس، رب الملائكة والروح .
(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ) أي واسهر بعض الليل وتهجد به، وهو أول أمر له صلى الله عليه وسلّم بقيام الليل زيادة على الصلوات المفروضة.
روى مسلم عن أبى هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلّم سئل: أىّ الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ قال صلاة الصبح
وقد ثبت في صحيح الأحاديث عن عائشة وابن عباس وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم أن النبي صلى الله عليه وسلّم كان يتهجد بعد نومه.
(نافِلَةً لَكَ) أي إنها مخصوصة بك وحدك دون الأمة، فهى فريضة عليك ومندوبة فى حق أمتك.
(عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) أي افعل هذا الذي أمرتك، لنقيمك يوم القيامة مقاما يحمدك فيه كل الخلائق وخالقهم تبارك وتعالى.
قال ابن جرير: قال أكثر أهل العلم: ذلك هو المقام الذي يقومه صلى الله عليه وسلّم يوم القيامة للشفاعة للناس، ليريحهم ربهم من عظيم ما هم فيه من شدة فى ذلك اليوم.
أخرج النسائي والحاكم وجماعة عن حذيفة رضى الله عنه قال: يجمع الله الناس فى صعيد واحد، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، حفاة عراة كما خلقوا، قياما لا تكلم نفس إلا بإذنه، فينادى يا محمد، فيقول (لبّيك وسعديك، والخير فى يديك، والشر ليس إليك، والمهدىّ من هديت وعبدك بين يديك، وبك وإليك، لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، تباركت وتعاليت، سبحانك ربّ البيت) فهذا هو المقام المحمود الذي ذكره الله اه.
وروى البخاري عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه المقام المحمود الذي وعدته، حلّت له شفاعتى .
وروى الترمذي عن أبى سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبى يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائى الحديث.
وسر هذا- أن الهداة فى الأرض، وهم الأنبياء ومن سلك نهجهم من الأئمة والعلماء، لا تشرق قلوبهم إلا بتوجههم إلى الله فى أوقات الصلوات، فإذا قاموا للخلق داعين أشرقت مرايا نفوسهم الصافية على من يدعونهم من العباد، فتضىء نفوسهم، فيستجيبون لدعوتهم، ويكون لهم المقام المحمود بينهم، والثناء العظيم الذي هم له أهل:
إلى أنهم يحسون فى أنفسهم سرورا ولذة، وبهجة ورضا، فيحمدون مقامهم كما حمدهم الناس من حولهم، والله والملائكة من فوقهم.
لا جرم أن هذا المقام المحمود بالرشد والإرشاد يتبعه مقام الشفاعة، إذ لا شفاعة فى الآخرة إلا على مقدار ما أوتى المشفوع له فى الدنيا من علم وخلق، ولله فى الشفاعة ما يشاء من غفران وإعلاء درجات.
(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) أي وقل داعيا رب أدخلنى فى كل مقام تريد إدخالى فيه فى الدنيا وفى الآخرة مدخلا صادقا أي يستحق الداخل فيه أن يقال له أنت صادق فى قولك، فعلك، وأخرجنى من كل ما تخرجنى منه مخرج صدق أي يستحق الخارج منه أن يقال له أنت صادق.
وخلاصة ذلك- أدخلنى إدخالا مرضيا كإدخالى للمدينة مهاجرا، وإدخالى مكة فاتحا، وإدخالى فى القبر حين الموت، وأخرجنى إخراجا محفوظا بالكرامة والرضا، كإخراجى من مكة مهاجرا، وإخراجى من القبر للبعث.
ثم سأل الله القوة بالحجة والتسلط على الأعداء فقال:
(وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً) أي واجعل لى تسلطا بالحجة والملك، فأقنع المستمعين للدعوة بالحجة، ويكون للإسلام الغلبة بالاستيلاء على أهل الكفر.
وقد أجاب الله دعاءه، وأعلمه أنه يعصمه من الناس كما قال: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ وقال: فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ وقال: لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ .
ثم أمره أن يخبر بالإجابة بقوله:
(وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ) أي وقل للمشركين مهددا لهم: إنه قد جاءهم الحق الذي لا مرية فيه، ولا قبل لهم به.
وهو ما بعثه الله به من القرآن والإيمان والعلم النافع، واضمحل باطلهم وهلك، إذ لا ثبات له مع الحق كما قال: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ .
(إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) أي مضمحلا لا ثبات له فى كل آن.
أخرج البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: دخل النبي صلى الله عليه وسلّم مكة يوم الفتح وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها بعود فى يده ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدى الباطل وما يعيد.
وفى رواية للطبرانى والبيهقي عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلّم جاء ومعه قضيب، فجعل يهوى به إلى كل صم منها فيخرّ لوجهه فيقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- حتى مر عليها كلّها .
(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) أي وننزل عليك أيها الرسول من القرآن ما به يستشفى من الجهل والضلالة، وتزول أمراض الشدة والنفاق، والزيغ والإلحاد، وهو أيضا رحمة للمؤمنين الذين يعملون بما فيه من الفرائض، ويحلّون حلاله، ويحرّمون حرامه، فيدخلون الجنة، وينجون من العذاب،
وفى الخبر من لم يستشف بالقرآن، فلا شفاه الله .
(وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) لأنهم كلما سمعوا آية منه ازدادوا بعدا عن الإيمان وازدادوا كفرا بالله، لأنه قد طبع على قلوبهم فهم لا يفقهون كما قال:
قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ، وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ وقال: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ.
وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ .
قال قتادة فى قوله: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ) إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه (وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) أي لا ينتفعون به، ولا يحفظونه، ولا يعونه، فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين اه.
(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) أي وإذا أنعمنا على الإنسان بمال وعافية، وفتح ونصر وفعل ما يريد- أعرض عن طاعتنا وعبادتنا، ونأى بجانبه، وهذا كقوله فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ وقوله:
فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ .
(وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً) أي وإذا أصابته الجوائح، وانتابته النوائب، كان يئوسا قنوطا من حصول الخير بعد ذلك.
ونحو الآية قوله وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ وقوله: فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ.
وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ .
ولما ذكر حالى العمى والمهتدين ختم القول ببيان أن كلا يسير على مذهبه فقال:
(قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) أي قل إن كلا من الشاكر والكافر يعمل على طريقته وحاله فى الهدى والضلال، وما طبع عليه من الخير والشر.
(فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا) أي فربكم أعلم من كل أحد، بمن منكم أوضح طريقا واتباعا للحق، فيؤتيه أجره موفورا، ومن هو أضل سبيلا فيعاقبه بما يستحق، لأنه يعلم ما طبع عليه الناس فى أصل الخلقة وما استعدوا له، وغيره يعلم أمورهم بالتجربة، وبمعنى الآية قوله وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ، وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ ولا يخفى ما فى الآية من تهديد شديد ووعيد للمشركين.
مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالأفِلاتِ الدَّوالِكِ
وَتَقُولُ في الشَّمْسِ: دَلَكَتْ بَراحٍ، يُرِيدُونَ: غَرَبَتْ، والنّاظِرُ قَدْ وضَعَ كَفَّهُ عَلى حاجِبِهِ يَنْظُرُ إلَيْها، قالَ الشّاعِرُ:والشَّمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ أدْفَعُها بِالرّاحِ كَيْ تَزَحْلَفا
فَشَبَّهَها بِالمَرِيضِ [ في ] الدَّنَفِ؛ لِأنَّها قَدْ هَمَّتْ بِالغُرُوبِ كَما قارَبَ الدَّنِفَ المَوْتُ، وإنَّما يَنْظُرُ إلَيْها مِن تَحْتِ الكَفِّ، لِيَعْلَمَ كَمْ بَقِيَ لَها إلى أنْ تَغِيبَ، ويَتَوَقّى الشُّعاعَ بِكَفِّهِ. فَعَلى هَذا المُرادِ بِهَذِهِ الصَّلاةِ: المَغْرِبُ، فَأمّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلامُهُ.ولَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبْدِ الإلَهِ صَرُورَةٍ مُتَهَجِّدِ
لَرَنا لِبَهْجَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولِخالِهِ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ
يَعْنِي بِالمُتَهَجِّدِ: السّاهِرَ، وقالَ لَبِيدُ:قالَ هَجَدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى ∗∗∗ [ وقَدَرْنا إنْ خُنّا الدَّهْرَ غَفَلَ ]
أيْ: نَوَّمَنا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُتَهَجِّدُ: القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ. وقِيلَ لَهُ: مُتَهَجِّدٌ؛ لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ، كَما يُقالُ: تَحَرَّجَ وتَأثَّمَ.هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحْ دَبَّتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحْ
اسْمٌ مِن أسْماءِ الشَّمْسِ عَلى وزْنِ حَذامٍ وقَطامٍ، ومِن ذَلِكَ قَوْلُ ذِي الرُّمَّةِ:مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا بِالآفِلاتِ الدَّوالِكِ
أيِ: الغَوارِبِ.إنَّ هَذا اللَّيْلَ قَدْ غَسَقا ∗∗∗ واشْتَكَيْتُ الهَمَّ والأرَقا
وقِيلَ: غَسَقُ اللَّيْلِ: مَغِيبُ الشَّفَقِ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:ظَلَّتْ تَجُودُ يَداها وهي لاهِيَةٌ ∗∗∗ حَتّى إذا جَعْجَعَ الإظْلامُ والغَسَقُ
وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ السَّيَلانِ يُقالُ: غَسَقَتْ: إذا سالَتْ.ألا زارَتْ وأهْلُ مِنًى هُجُودُ ∗∗∗ فَلَيْتَ خَيالَها بِمِنًى يَعُودُ
يَعْنِي مُنْتَبِهِينَ، ومِنِ اسْتِعْمالِهِ في النَّوْمِ قَوْلُ آخَرَ:ألا طَرَقَتْنا والرِّفاقُ هُجُودُ ∗∗∗ فَباتَتْ بِعِلّاتِ النَّوالِ تَجُودُ
يَعْنِي نِيامًا.حَدِيثُ اَلشَّفاعَةِ في أحْمَدَ إلى أحْمَدَ اَلْمُصْطَفى نُسْنِدُهْ
وأمّا حَدِيثٌ بِإقْعادِهِ ∗∗∗ عَلى اَلْعَرْشِ أيْضًا فَلا نَجْحَدُهْ
أمِرُّوا اَلْحَدِيثَ عَلى وجْهِهِ ∗∗∗ ولا تُدْخِلُوا فِيهِ ما يُفْسِدُهْ
وقالَ اَلذَّهَبِيُّ في كِتابِهِ اَلْمُنَوَّهِ بِهِ، في تَرْجَمَةِ (مُحَمَّدِ بْنِ مُصْعَبٍ) اَلْعابِدِ شَيْخِ بَغْدادَ ما مِثالُهُ: وقالَ المَرْوَذِيُّ: سَمِعْتُ أبا عَبْدِ اَللَّهِ اَلْخَفّافَ. سَمِعْتُ اِبْنَ مُصْعَبٍ وتَلا: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قالَ: نَعَمْ يُقْعِدُهُ عَلى اَلْعَرْشِ. ذَكَرَ اَلْإمامُ أحْمَدُ، مُحَمَّدَ بْنَ مُصْعَبٍ فَقالَ: قَدْ كَتَبْتُ عَنْهُ. وأيُّ رَجُلٍ هو ؟ ! قالَ اَلذَّهَبِيُّ: فَأمّا قَضِيَّةُ قُعُودِ نَبِيِّنا عَلى اَلْعَرْشِ، فَلَمْ يَثْبُتْ في ذَلِكَ نَصٌّ، بَلْ في اَلْبابِ حَدِيثٌ واهٍ. وما فَسَّرَ بِهِ مُجاهِدٌ اَلْآيَةَ، كَما ذَكَرْناهُ. فَقَدْ أنْكَرَهُ بَعْضُ أهْلِ اَلْكَلامِ. فَقامَ المَرْوَذِيُّ وقَدْ بالَغَ في اَلِانْتِصارِ لِذَلِكَ وجَمَعَ فِيهِ كِتابًا وطُرُقَ قَوْلِ مُجاهِدٍ، مِن رِوايَةِ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ، وعَطاءِ بْنِ اَلسّائِبِ، وأبِي يَحْيى اَلْقَتّاتِ وجابِرِ بْنِ يَزِيدَ. ومِمَّنْ أفْتى في ذَلِكَ اَلْعَصْرِ، بِأنَّ هَذا اَلْأثَرَ يَسْلَمُ ولا يُعارَضُ. أبُو داوُدَ اَلسِّجِسْتانِيُّ صاحِبُ اَلسُّنَنِ وإبْراهِيمُ اَلْحَرْبِيُّ وخَلْقٌ. بِحَيْثُ إنَّ اِبْنَ اَلْإمامِ أحْمَدَ قالَ عُقَيْبَ قَوْلِ مُجاهِدٍ: أنا مُنْكِرٌ عَلى كُلِّ مَن رَدَّ هَذا اَلْحَدِيثَ. وهو عِنْدِي رَجُلُ سَوْءٍ مُتَّهَمٌ. سَمِعْتُهُ مِن جَماعَةٍ. وما رَأيْتُ مُحَدِّثًا يُنْكِرُهُ. وعِنْدَنا إنَّما تُنْكِرُهُ الجَهْمِيَّةُ. وقَدْ حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ ثَنا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ قالَ: يُعْقِدُهُ عَلى اَلْعَرْشِ. فَحَدَّثْتُ بِهِ أبِي رَحِمَهُ اَللَّهُ فَقالَ: لَمْ يُقَدَّرْ لِي أنْ أسْمَعَهُ مِنِ اِبْنِ فُضَيْلٍ: بِحَيْثُ إنَّ المَرْوَذِيَّ رَوى حِكايَةً بِنُزُولٍ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَرَفَةَ. وسَمِعْتُ اِبْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: هَذا قَدْ تَلَقَّتْهُ اَلْعُلَماءُ بِالقَبُولِ. وقالَ المَرْوَذِيُّ: قالَ أبُو داوُدَ اَلسِّجِسْتانِيُّ: ثَنا اِبْنُ أبِي صَفْوانَ اَلثَّقَفِيُّ، ثَنا يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، ثَنا سَلْمُ بْنُ جَعْفَرٍ، وكانَ ثِقَةً، ثَنا اَلْجَرِيرِيُّ، ثَنا سَيْفٌ اَلسُّدُوسِيُّ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ سَلامٍ، قالَ: إذا كانَ يَوْمُ اَلْقِيامَةِ جِيءَ بِنَبِيِّكم صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حَتّى يَجْلِسَ بَيْنَ يَدَيِ اَللَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى كُرْسِيِّهِ. اَلْحَدِيثَ. وقَدْ رَواهُ اِبْنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ. (أعْنِي قَوْلَ مُجاهِدٍ) وكَذَلِكَ أخْرَجَهُ اَلنَّقّاشُ في تَفْسِيرِهِ. وكَذَلِكَ رَدَّ شَيْخُ اَلشّافِعِيَّةِ اِبْنُ سُرَيْجٍ عَلى مَن أنْكَرَهُ. بِحَيْثُ إنَّ اَلْإمامَ أبا بَكْرٍ اَلْخَلّالَ قالَ في كِتابِ (اَلسُّنَّةِ) مِن جَمْعِهِ: أخْبَرَنِي اَلْحَسَنُ بْنُ صالِحٍ اَلْعَطّارُ. عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ اَلسَّرّاجِ. قالَ: رَأيْتُ اَلنَّبِيَّ صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في اَلنَّوْمِ فَقُلْتُ: إنَّ فُلانًا اَلتِّرْمِذِيَّ يَقُولُ: إنَّ اَللَّهَ لا يُقْعِدُكَ مَعَهُ عَلى اَلْعَرْشِ. ونَحْنُ نَقُولُ: بَلْ يُقْعِدُكَ، فَأقْبَلَ عَلَيَّ شِبْهَ اَلْمُغْضَبِ وهو يَقُولُ: بَلى، واَللَّهِ ! بَلى، واَللَّهِ ! يُقْعِدُنِي عَلى اَلْعَرْشِ. فانْتَبَهْتُ. بِحَيْثُ إنَّ اَلْفَقِيهَ أبا بَكْرٍ أحْمَدَ بْنَ سُلَيْمانَ اَلنَّجّادَ اَلْمُحَدِّثَ قالَ (فِيما نَقَلَهُ عَنْهُ اَلْقاضِي أبُو يَعْلى اَلْفَرّاءُ): لَوْ أنَّ حالِفًا حَلَفَ بِالطَّلاقِ ثَلاثًا؛ إنَّ اَللَّهَ يُقْعِدُ مُحَمَّدًا صَلّى اَللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلى اَلْعَرْشِ. واسْتَفْتانِي، لَقُلْتُ لَهُ: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ.هَذا مَقامُ قَدَمَيْ رَباحٍ وقَفَتْ حَتّى دَلَكَتْ بَراحُ
وبَراحُ اسْمُ الشَّمْسِ أيْ حَتّى غابَتْ، واحْتَجَّ ابْنُ قُتَيْبَةَ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّةِ:مَصابِيحُ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي يَقُودُها ∗∗∗ نُجُومٌ ولا أفَلاكُّهُنَّ الدَّوالِكُ
واعْلَمْ أنَّ هَذا الِاسْتِدْلالَ ضَعِيفٌ لِأنَّ عِنْدَنا الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ المَيْلِ والتَّغَيُّرِ، وهَذا المَعْنى حاصِلٌ في الغُرُوبِ فَكانَ الغُرُوبُ نَوْعًا مِن أنْواعِ الدُّلُوكِ، فَكانَ وُقُوعُ لَفْظِ الدُّلُوكِ عَلى الغُرُوبِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الزَّوالِ كَما أنَّ وُقُوعَ لَفْظِ الحَيَوانِ عَلى الإنْسانِ لا يُنافِي وُقُوعَهُ عَلى الفَرَسِ، ومِنهم مَنِ احْتَجَّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ هَذا القَوْلِ بِأنَّ الدُّلُوكَ اشْتِقاقُهُ مِنَ الدَّلْكِ لِأنَّ الإنْسانَ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ عِنْدَ النَّظَرِ إلَيْها وهَذا إنَّما يَصِحُّ في الوَقْتِ الَّذِي يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها ومَعْلُومٌ أنَّها عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ لا يُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها، أمّا عِنْدَ قُرْبِها مِنَ الغُرُوبِ فَيُمْكِنُ النَّظَرُ إلَيْها [ و] عِنْدَما يَنْظُرُ الإنْسانُ إلَيْها في ذَلِكَ الوَقْتِ يَدْلُكُ عَيْنَيْهِ، فَثَبَتَ أنَّ لَفْظَ الدُّلُوكِ مُخْتَصٌّ بِالغُرُوبِ. والجَوابُ أنَّ الحاجَةَ إلى ذَلِكَ التَّبْيِينِ عِنْدَ كَوْنِها في وسَطِ السَّماءِ أتَمُّ فَهَذا الَّذِي ذَكَرْتُهُ بِأنْ يَدُلَّ عَلى أنَّ الدُّلُوكَ عِبارَةٌ عَنِ الزَّوالِ مِن وسَطِ السَّماءِ أوْلى واللَّهُ أعْلَمُ.هَجِّدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى
كَأنَّهُ قالَ: نَوِّمْنا فَإنَّ السُّرى قَدْ طالَ عَلَيْنا حَتّى غَلَبَنا النَّوْمُ، ورَوى أبُو عُبَيْدٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: الهاجِدُ النّائِمُ والهاجِدُ المُصَلِّي بِاللَّيْلِ، ورَوى ثَعْلَبٌ عَنِ ابْنِ الأعْرابِيِّ مِثْلَ هَذا القَوْلِ كَأنَّهُ قالَ هَجَدَ الرَّجُلُ إذا صَلّى مِنَ اللَّيْلِ وهَجَدَ إذا نامَ بِاللَّيْلِ فَعِنْدَ هَؤُلاءِ هَذا اللَّفْظُ مِنَ الأضْدادِ، وأمّا الأزْهَرِيُّ فَإنَّهُ تَوَسَّطَ في تَفْسِيرِ هَذا اللَّفْظِ وقالَ: المَعْرُوفُ في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الهاجِدَ هو النّائِمُ، ثُمَّ رَأيْنا أنَّ في الشَّرْعِ يُقالُ لِمَن قامَ مِنَ النَّوْمِ إلى الصَّلاةِ إنَّهُ مُتَهَجِّدٌ فَوَجَبَ أنَّ يُحْمَلَ هَذا عَلى أنَّهُ سُمِّيَ مُتَهَجِّدًا لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ كَما قِيلَ لِلْعابِدِ مُتَحَنِّثٌ لِإلْقائِهِ الحِنْثَ عَنْ نَفْسِهِ وهو الإثْمُ، ويُقالُ فُلانٌ رَجُلٌ مُتَحَرِّجٌ ومُتَأثِّمٌ ومُتَحَوِّبٌ أيْ: يُلْقِي الحَرَجَ والإثْمَ والحُوبَ عَنْ نَفْسِهِ، وأقُولُ فِيهِ احْتِمالٌ آخَرُ وهو أنَّ الإنْسانَ إنَّما يَتْرُكُ لَذَّةَ النَّوْمِ ويَتَحَمَّلُ مَشَقَّةَ القِيامِ إلى الصَّلاةِ لِيَطِيبَ رُقادُهُ وهُجُودُهُ عِنْدَ المَوْتِ، فَلَمّا كانَ غَرَضُهُ مِن تَرْكِ هَذا الهُجُودِ أنْ يَصِلَ إلى الهُجُودِ اللَّذِيذِ عِنْدَ المَوْتِ كانَ هَذا القِيامُ طَلَبًا لِذَلِكَ الهُجُودِ فَسُمِّيَ تَهَجُّدًا لِهَذا السَّبَبِ.قُلْتُ هَجِّدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى وقَدَرْنا إنْ خَنا الدَّهْرُ غَفَلْ
وَهَذِهِ نافِلَةٌ لَكَ، زِيادَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، لَيْسَتْ لِأحَدٍ غَيْرِهِ، لِأنَّ اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - أمَرَهُ بِأنْ يَزْدادَ في عِبادَتِهِ عَلى ما أُمِرَ بِهِ الخَلْقُ أجْمَعُونَ، لِأنَّهُ فَضَّلَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ وعَدَهُ أنْ يَبْعَثَهُ مَقامًا مَحْمُودًا، والَّذِي صَحَّتْ بِهِ الرِّوايَةُ والأخْبارُ في المَقامِ المَحْمُودِ أنَّهُ الشَّفاعَةُ.