كَيْفَ الهِجاءُ وما تَنْفَكُّ صالِحَةٌ مِن آلِ لامَ بِظَهْرِ الغَيْبِ تَأْتِينِي
وفِي الحَدِيثِ «دَعْوَةُ المُؤْمِنِ لِأخِيهِ بِظَهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ» والمُرادُ بِالغَيْبِ ما لا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ مِمّا أخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ صَرِيحًا بِأنَّهُ واقِعٌ أوْ سَيَقَعُ مِثْلَ وُجُودِ اللَّهِ، وصِفاتِهِ، ووُجُودِ المَلائِكَةِ، والشَّياطِينِ، وأشْراطِ السّاعَةِ، وما اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ.أقامَتْ غَزالَةُ سُوقَ الضِّرابْ لِأهْلِ العِراقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطًا
وأصْلُ القِيامِ في اللُّغَةِ هو الِانْتِصابُ المُضادُّ لِلْجُلُوسِ والِاضْطِجاعِ، وإنَّما يَقُومُ القائِمُ لِقَصْدِ عَمَلٍ صَعْبٍ لا يَتَأتّى مِن قُعُودٍ، فَيَقُومُ الخَطِيبُ ويَقُومُ العامِلُ ويَقُومُ الصّانِعُ ويَقُومُ الماشِي فَكانَ لِلْقِيامِ لَوازِمٌ عُرْفِيَّةٌ مَأْخُوذَةٌ مِن عَوارِضِهِ اللّازِمَةِ ولِذَلِكَ أُطْلِقَ مَجازًا عَلى النَّشاطِ في قَوْلِهِمْ قامَ بِالأمْرِ، ومِن أشْهَرِ اسْتِعْمالِ هَذا المَجازِ قَوْلِهِمْ قامَتِ السُّوقُ وقامَتِ الحَرْبُ، وقالُوا في ضِدِّهِ رَكَدَتْ ونامَتْ، ويُفِيدُ في كُلِّ ما يَتَعَلَّقُ بِهِ مَعْنًى مُناسِبًا لِنَشاطِهِ المَجازِيِّ وهو مِن قَبِيلِ المَجازِ المُرْسَلِ وشاعَ فِيها حَتّى ساوى الحَقِيقَةَ فَصارَتْ كالحَقائِقِ ولِذَلِكَ صَحَّ بِناءُ المَجازِ الثّانِي والِاسْتِعارَةِ عَلَيْها، فَإقامَةُ الصَّلاةِ اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ شَبَّهَتِ المُواظَبَةَ عَلى الصَّلَواتِ والعِنايَةَ بِها بِجَعْلِ الشَّيْءِ قائِمًا، وأحْسَبُ أنَّ تَعْلِيقَ هَذا الفِعْلِ بِالصَّلاةِ مِن مُصْطَلَحاتِ القُرْآنِ وقَدْ جاءَ بِهِ القُرْآنُ في أوائِلِ نُزُولِهِ فَقَدْ ورَدَ في سُورَةِ المُزَّمِّلِ وأقِيمُوا الصَّلاةَ وهي ثالِثَةُ السُّوَرِ نُزُولًا. وذَكَرَ صاحِبُ الكَشّافِ وُجُوهًا أُخَرَ بَعِيدَةً عَنْ مَساقِ الآيَةِ.تَقُولُ بِنْتِي وقَدْ يَمَّمْتُ مُرْتَحِلًا ∗∗∗ يا رَبِّ جَنِّبْ أبِي الأوْصابَ والوَجَعا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي ∗∗∗ جَفْنًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعا
ووَرَدَ بِمَعْنى العِبادَةِ في قَوْلِ الأعْشى:يُراوِحُ مِن صَلَواتِ المَلِي ∗∗∗ كِ طَوْرًا سُجُودًا وطَوْرًا جُؤارا
فَأمّا الصَّلاةُ المَقْصُودَةُ في الآيَةِ فَهي العِبادَةُ المَخْصُوصَةُ المُشْتَمِلَةُ عَلى قِيامٍ وقِراءَةٍ ورُكُوعٍ وسُجُودٍ وتَسْلِيمٍ.أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ
وهَذا وإنْ كانَ كَذا فَإنَّ العَرَبَ لَمْ تُعَرِّفْهُ بِمِثْلِ ما أتَتْ بِهِ الشَّرِيعَةُ مِنَ الأعْدادِ والمَواقِيتِ اهـ.فَآبَ مُصَلُّوهُ بِعَيْنٍ جَلِيَّةٍ ∗∗∗ وغُودِرَ بِالجُولانِ حَزْمٌ ونايِلُ
عَلى رِوايَةِ مُصَلُّوهُ بِصادٍ مُهْمَلَةٍ أرادَ المُصَلِّينَ عَلَيْهِ عِنْدَ دَفْنِهِ مِنَ القُسُسِ والرُّهْبانِ، إذْ قَدْ كانَ مُنْتَصِرًا ومِنهُ البَيْتُ السّابِقُ. وعَرَفُوا السُّجُودَ. قالَ النّابِغَةُ:أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُها ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلُّ ويَسْجُدُ
وقَدْ تَرَدَّدَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ في اشْتِقاقِ الصَّلاةِ، فَقالَ قَوْمٌ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الصَّلا وهو عِرْقٌ غَلِيظٌ في وسَطِ الظَّهْرِ ويَفْتَرِقُ عِنْدَ عَجْبِ الذَّنَبِ فَيَكْتَنِفَهُ فَيُقالُ حِينَئِذٍ هُما صَلَوانٌ، ولَمّا كانَ المُصَلِّي إذا انْحَنى لِلرُّكُوعِ ونَحْوِهِ تَحَرَّكَ ذَلِكَ العِرْقُ اشْتُقَّتِ الصَّلاةُ مِنهُ كَما يَقُولُونَ أنِفَ مِن كَذا إذا شَمَخَ بِأنْفِهِ لِأنَّهُ يَرْفَعُهُ إذا اشْمَأزَّ وتَعاظَمَ فَهو مِنَ الِاشْتِقاقِ مِنَ الجامِدِ كَقَوْلِهِمُ اسْتَنْوَقَ الجَمَلُ وقَوْلِهِمْ تَنَمَّرَ فُلانٌ، وقَوْلِها ”زَوْجِي إذا دَخَلَ فَهِدَ وإذا خَرَجَ أسِدَ“ والَّذِي دَلَّ عَلى هَذا الِاشْتِقاقِ هُنا عَدَمُ صُلُوحِيَّةِ غَيْرِهِ فَلا يُعَدُّ القَوْلُ بِهِ ضَعِيفًا لِأجْلِ قِلَّةِ الِاشْتِقاقِ مِنَ الجَوامِدِ كَما تَوَهَّمَهُ السَّيِّدُ.عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فاغْتَمِضِي نَوْمًا فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعًا.
وقالَ:لَها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَّهْرَ بَيْتَها ∗∗∗ وإنْ ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْها وزَمْزَما.
قالَ: فَلَمّا كانَتِ الصَّلاةُ في الشَّرْعِ دُعاءً، وانْضافَ إلَيْهِ هَيْئاتٌ وقِراءَةٌ، سُمِّيَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِاسْمِ الدُّعاءِ، والقَوْلُ إنَّها مِنَ الدُّعاءِ أحْسَنُ، انْتَهى كَلامُهُ. وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ مَجازٌ عِنْدَنا، وذَكَرْنا العَلاقَةَ بَيْنَ الدّاعِي وفاعِلِ الصَّلاةِ. ومِن حَرْفُ جَرٍّ، وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ أصْلَها مِنا مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ بَعْضِ قُضاعَةَ:بَذَلْنا مارِنَ الخَطِّيِّ فِيهِمْ ∗∗∗ وكُلَّ مُهَنَّدٍ ذَكَرٍ حُسامِ
مِنا أنْ ذَرَّ قَرْنُ الشَمْسِ حَتّى ∗∗∗ أغاثَ شَرِيدَهم فَنَنُ الظَّلامِ
وتَأوَّلَ ابْنُ جِنِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلى أنَّهُ مَصْدَرٌ عَلى فِعَلٍ مِن مَنى يُمْنى أيْ قَدَرَ. واغْتَرَّ بَعْضُهم بِهَذا البَيْتِ فَقالَ: وقَدْ يُقالُ مِنا. وقَدْ تَكُونُ لِابْتِداءِ الغايَةِ ولِلتَّبْعِيضِ، وزائِدَةً وزِيدَ لِبَيانِ الجِنْسِ، ولِلتَّعْلِيلِ، ولِلْبَدَلِ، ولِلْمُجاوَزَةِ والِاسْتِعْلاءِ، ولِانْتِهاءِ الغايَةِ، ولِلْفَصْلِ، ولِمُوافَقَةِ الباءِ، ولِمُوافَقَةٍ في (مِثْلَ ذَلِكَ): سِرْتُ مِنَ البَصْرَةِ إلى الكُوفَةِ، أكَلْتُ مِنَ الرَّغِيفِ، ما قامَ مِن رَجُلٍ، ﴿يُحَلَّوْنَ فِيها مِن أساوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ [الكهف: ٣١]، ﴿فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]، ﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، ﴿غَدَوْتَ مِن أهْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٢١]، قَرُبْتَ مِنهُ، ﴿ونَصَرْناهُ مِنَ القَوْمِ﴾ [الأنبياء: ٧٧]، ﴿يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] ﴿يَنْظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥] ﴿ماذا خَلَقُوا مِنَ الأرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠] . ما تَكُونُ مَوْصُولَةً، واسْتِفْهامِيَّةً، وشَرْطِيَّةً، ومَوْصُوفَةً، وصِفَةً، وتامَّةً. مَثَلُ ذَلِكَ: ﴿ما عِنْدَكم يَنْفَدُ﴾ [النحل: ٩٦] ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ [الفرقان: ٧]، ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ﴾ [فاطر: ٢]، مَرَرْتُ بِما مُعْجَبٍ لَكَ، لِأمْرٍ ما جَدَعَ قَصِيرٌ أنْفَهُ، ما أحْسَنَ زَيْدًا.رُزِقْتَ مالًا ولَمْ تُرْزَقْ مَنافِعَهُ ∗∗∗ إنَّ الشَّقِيَّ هو المَحْرُومُ ما رُزِقا
وقِيلَ: أصْلُ الرِّزْقِ الحَظَّ، ومَعانِي فَعَلَ كَثِيرَةٌ ذُكِرَ مِنها: الجَمْعُ، والتَّفْرِيقُ، والإعْطاءُ، والمَنعُ، والِامْتِناعُ، والإيذاءُ، والغَلَبَةُ، والدَّفْعُ، والتَّحْوِيلُ، والتَّحَوُّلُ، والِاسْتِقْرارُ، والسَّيْرُ، والسَّتْرُ، والتَّجْرِيدُ، والرَّمْيُ، والإصْلاحُ، والتَّصْوِيتُ (مِثْلُ ذَلِكَ): حَشَرَ، وقَسَمَ، ومَنَحَ، وغَفَلَ، وشَمَسَ، ولَسَعَ، وقَهَرَ، ودَرَأ، وصَرَفَ، وظَعَنَ، وسَكَنَ، ورَمَلَ، وحَجَبَ، وسَلَخَ، وقَذَفَ، وسَبَحَ، وصَرَخَ. وهي هُنا لِلْإعْطاءِ نَحْوُ: نَحَلَ، ووَهَبَ، ومَنَحَ.تَفْسِيرُ سُورَةِ البَقَرَةِ
قوله عزّ وجلّ:
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ ويُقِيمُونَ الصَلاةَ ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ (3)
"يُؤْمِنُونَ" مَعْناهُ: يُصَدِّقُونَ، ويَتَعَدّى بِالباءِ، وقَدْ يَتَعَدّى بِاللامِ كَما قالَ تَعالى: ﴿وَلا تُؤْمِنُوا إلا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران: ٧٣]، وكَما قالَ: ﴿فَما آمَنَ لِمُوسى﴾ [يونس: ٨٣]، وبَيْنَ التَعْدِيَتَيْنِ فَرْقٌ، وذَلِكَ أنَّ التَعْدِيَةَ بِاللامِ في ضِمْنِها تَعَدٍّ بِالباءِ يُفْهَمُ مِنَ المَعْنى.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ في هَمْزِ "يُؤْمِنُونَ": فَكانَ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ يَهْمِزُونَ "يُؤْمِنُونَ" وما أشْبَهَهُ مِثْلُ: "يَأْكُلُونَ"، و "يَأْمُرُونَ"، و "يُؤْتُونَ" وكَذَلِكَ مَعَ تَحَرُّكِ الهَمْزَةِ مِثْلُ: "يُؤَخِّرُكُمْ"، و "يَؤُودُهُ"، إلّا أنَّ حَمْزَةَ كانَ يَسْتَحِبُّ تَرْكَ الهَمْزِ إذا وقَفَ، والباقُونَ يَقِفُونَ بِالهَمْزِ، ورَوى ورْشٌ عن نافِعٍ تَرْكُ الهَمْزِ في جَمِيعِ ذَلِكَ. وقَدْ رُوِيَ عن عاصِمٍ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَهْمِزُ الهَمْزَةَ الساكِنَةَ، وكانَ أبُو عَمْرٍو إذا أدْرَجَ القِراءَةَ، أو قَرَأ في الصَلاةِ لَمْ يَهْمِزْ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، إلّا أنَّهُ كانَ يَهْمِزُ حُرُوفًا مِنَ السَواكِنِ بِأعْيانِها سَتَذْكُرُ في مَواضِعِها إنْ شاءَ اللهُ، وإذا كانَ سُكُونُ الهَمْزَةِ عَلامَةً لِلْجَزْمِ لَمْ يَتْرُكْ هَمَزَها مِثْلُ: "نَنْسَأْها" [البقرة: 105]، و "وَهَيِّئْ لَنا" [الكهف: 8] وما أشْبَهَهُ.
وقَوْلُهُ "بِالغَيْبِ" قالَتْ طائِفَةٌ: مَعْناهُ يُصَدِّقُونَ إذا غابُوا وخَلَوْا، لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ إذا حَضَرُوا، ويَكْفُرُونَ إذا غابُوا، وقالَ آخَرُونَ: مَعْناهُ يُصَدِّقُونَ بِما غابَ عنهم مِمّا أخْبَرَتْ بِهِ الشَرائِعُ.
واخْتَلَفَتْ عِبارَةُ المُفَسِّرِينَ في تَمْثِيلِ ذَلِكَ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: الغَيْبُ في هَذِهِ الآيَةِ هو اللهُ عَزَّ وجَلَّ، وقالَ آخَرُونَ: القَضاءُ والقَدَرُ. وقالَ آخَرُونَ: القُرْآنُ وما فِيهِ مِنَ الغُيُوبِ. وقالَ آخَرُونَ: الحَشْرُ والصِراطُ والمِيزانُ والجَنَّةُ والنارُ.
وهَذِهِ الأقْوالُ لا تَتَعارَضُ، بَلْ يَقَعُ الغَيْبُ عَلى جَمِيعِها.
والغَيْبُ في اللُغَةِ: ما غابَ عنكَ مِن أمْرٍ، ومِن مُطْمَئِنِّ الأرْضِ الَّذِي يَغِيبُ فِيهِ داخِلُهُ.
وَقَوْلُهُ: "يُقِيمُونَ" مَعْناهُ: يُظْهِرُونَها ويُثْبِتُونَها كَما يُقالُ: أُقِيمَتِ السُوقُ، وهَذا تَشْبِيهٌ بِالقِيامِ مِن حالَةِ خَفاءِ قُعُودٍ أو غَيْرِهِ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ [الكامل]:
وإذا يُقالُ: أتَيْتُمْ لَمْ يَبْرَحُوا *** حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ
ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ [المتقارب]:
أقَمْنا لِأهْلِ العِراقَيْنِ سُوقَ الـ ∗∗∗ ـضِّرابِ فَخامُوا ووَلَّوْا جَمِيعًا
وأصْلُ "يُقِيمُونَ" يَقُومُونَ، نُقِلَتْ حَرَكَةُ الواوِ إلى القافِ فانْقَلَبَتْ ياءً لِكَوْنِ الكَسْرَةِ قَبْلَها.
و"الصَلاةَ" مَأْخُوذَةٌ مِن صَلّى يُصَلِّي إذا دَعا. كَما قالَ الشاعِرُ [البسيط]:
عَلَيْكَ مِثْلَ الَّذِي صَلَّيْتَ فاغْتَمِضِي ∗∗∗ يَوْمًا، فَإنَّ لِجَنْبِ المَرْءِ مُضْطَجَعًا
ومِنهُ قَوْلُ الآخَرِ [الطويل]:
لَها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدَهْرُ بَيْتَها ∗∗∗ وإنْ ذُبِحَتْ صَلّى عَلَيْها وزَمْزَما
فَلَمّا كانَتِ الصَلاةُ في الشَرْعِ دُعاءً انْضافَ إلَيْهِ هَيْآتُ وقِراءَةُ سُمِّيَ جَمِيعُ ذَلِكَ بِاسْمِ الدُعاءِ. وقالَ قَوْمٌ: هي مَأْخُوذَةٌ مِنَ الصَلا وهو عَرَقٌ وسَطَ الظَهْرِ ويَفْتَرِقُ عِنْدَ العَجَبِ فَيَكْتَنِفُهُ، ومِنهُ أخَذَ المُصَلِّي في سَبْقِ الخَيْلِ لِأنَّهُ يَأْتِي مَعَ صَلْوَيِ السابِقِ، فاشْتُقَّتِ الصَلاةُ مِنهُ، إمّا لِأنَّها جاءَتْ ثانِيَةً لِلْإيمانِ فَشُبِّهَتْ بِالمُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ، وإمّا لِأنَّ الراكِعَ والساجِدَ تَنْثَنِي صَلَواهُ.
والقَوْلُ إنَّها مِنَ الدُعاءِ أحْسَنُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ كُتِبَتْ "مِمّا" مُتَّصِلَةٌ، و"ما" بِمَعْنى الَّذِي فَحَقُّها أنْ تَكُونَ مُنْفَصِلَةً، إلّا أنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وأيْضًا فَلَمّا خَفِيَتْ نُونُ "مِن" في اللَفْظِ حُذِفَتْ في الخَطِّ.
و "الرِزْقِ" عِنْدَ أهْلِ السُنَّةِ. ما صَحَّ الِانْتِفاعُ بِهِ حَلالًا كانَ أو حَرامًا، بِخِلافِ قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ: إنَّ الحَرامَ لَيْسَ بِرِزْقٍ. و"يُنْفِقُونَ" مَعْناهُ هُنا: يُؤْتُونَ ما ألْزَمَهُمُ الشَرْعُ مِن زَكاةٍ، وما نَدَبَهم إلَيْهِ مِن غَيْرِ ذَلِكَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: "يُنْفِقُونَ" يُؤْتُونَ الزَكاةَ احْتِسابًا لَها. قالَ غَيْرُهُ: الآيَةُ في النَفَقَةِ في الجِهادِ.
قالَ الضَحّاكُ: هي نَفَقَةٌ كانُوا يَتَقَرَّبُونَ بِها إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى قَدْرِ يُسْرِهِمْ.
قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ أيْضًا: هي نَفَقَةُ الرَجُلِ عَلى أهْلِهِ.
والآيَةُ تَعُمُّ الجَمِيعَ، وهَذِهِ الأقْوالُ تَمْثِيلٌ لا خِلافَ.
ولِلزُّنْبُورِ والبازِي جَمِيعًا لَدى الطَّيَرانِ أجْنِحَةٌ وخَفْقُ
ولَكِنْ بَيْنَ ما يَصْطادُ بازٌ ∗∗∗ وما يَصْطادُهُ الزُّنْبُورُ فَرْقُ
وعَنِ الثّانِي بِأنَّ الآيَةَ لَيْسَ فِيها ما يَدُلُّ عَلى أنَّ الفُسُوقَ لا يُجامِعُ الإيمانَ، فَإنَّهُ لَوْ قِيلَ: حَبَّبَ إلَيْكُمُ العِلْمَ وكَرَّهَ إلَيْكُمُ الفُسُوقَ لَمْ يَدُلَّ عَلى المُناقَضَةِ بَيْنَ العِلْمِ والفُسُوقِ، وكَوْنُ الكُفْرِ مُقابِلًا لِلْإيمانِ لَمْ يُسْتَفَدْ مِنَ الآيَةِ، بَلْ مِن خارِجٍ، ولَئِنْ سَلَّمْنا دِلالَةَ الآيَةِ عَلى ما ذَكَرْتُمْ إلّا أنَّ ذَلِكَ مُعارَضٌ بِما يَدُلُّ عَلى عَدَمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا ولَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ﴾ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى مُقارَنَةِ الظُّلْمِ لِلْإيمانِ في بَعْضٍ، وعَنِ الثّالِثِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ أنَّ فِعْلَ الكَبِيرَةِ مُنافٍ لِلْإيمانِ،﴿ولا تَأْخُذْكم بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ اللَّهِ﴾ عَلى مَعْنى لا تَحْمِلَنَّكُمُ الشَّفَقَةُ عَلى إسْقاطِ حُدُودِ اللَّهِ تَعالى بَعْدَ وُجُوبِها، وعَنِ الرّابِعِ بِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ الآيَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِ دِلالَةً، لِأنَّ آيَةَ نَفْيِ الخِزْيِ إنَّما دَلَّتْ عَلى نَفْيِهِ في الآخِرَةِ عَنِ المُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، أوْ أصْحابِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، وآيَةُ القاطِعِ دالَّةٌ عَلى الخِزْيِ في الدُّنْيا، ولا يَلْزَمُ مِن مُنافاةِ الخِزْيِ يَوْمَ القِيامَةِ لِلْإيمانِ مُنافاتُهُ لِلْإيمانِ في الدُّنْيا، وعَنِ الخامِسِ بِأنّا لا نُسَلِّمُ كَفْرَ مَن تَرَكَ الحَجَّ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، و(مَن كَفَرَ) ابْتِداءُ كَلامٍ، أوِ المُرادُ مَن لَمْ يُصَدِّقْ بِمَناسِكِ الحَجِّ، وجَحَدَها، ولا يُتَصَوَّرُ مَعَ ذَلِكَ التَّصْدِيقُ، وعَنِ السّادِسِ بِأنَّ مَعْنى ”مَن لَمْ يَحْكم“ الآيَةَ مَن لَمْ يُصَدِّقْ، أوْ مَن لَمْ يَحْكم بِشَيْءٍ مِمّا أنْزَلَ اللَّهُ، أوِ المُرادُ بِذَلِكَ التَّوْراةُ بِقَرِينَةِ السّابِقِ، وعَنِ السّابِعِ بِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُقالَ: مَعْنى لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ، أيْ آمِنٌ مِن عَذابِ اللَّهِ، أيْ إنْ زَنى، والعِياذُ بِاللَّهِ، فَلْيَخَفْ عَذابَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، ولا يَأْمَن مَكْرَهُ، أوِ المُرادُ لا يَزْنِي مُسْتَحِلًّا لِزِناهُ، وهو مُؤْمِنٌ، أوْ لا يَزْنِي وهو عَلى صِفاتِ المُؤْمِنِ مِنِ اجْتِنابِ المَحْظُوراتِ، وهَذا التَّأْوِيلُ أوْلى مِن مُخالَفَةِ الأوْضاعِ اللُّغَوِيَّةِ لِكَثْرَتِهِ دُونَها، وكَذا يُقالُ في نَظائِرِ هَذا، وعَنِ الثّامِنِ بِأنّا لا نُنْكِرُ مُجامَعَةَ الكَبائِرِ لِلْإيمانِ عَقْلًا غَيْرَ أنَّ الأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلى إكْفارِ المُسْتَخِفِّ، فَعَلِمْنا انْتِفاءَ التَّصْدِيقِ عِنْدَ وُجُودِ الِاسْتِخْفافِ مَثَلًا سَمْعًا، والجَمْعُ بَيْنَ العَمَلِ بِوَضْعِ اللُّغَةِ، وإجْماعِ الأُمَّةِ عَلى الإكْفارِ أوْلى مِن إبْطالِ أحَدِهِما، وعَنِ التّاسِعِ بِأنَّ الآيَةَ قَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَ الدِّينِ، وفِعْلِ الواجِباتِ لِلْعَطْفِ، وهو ظاهِرًا دَلِيلُ المُغايَرَةِ، سَلَّمْنا أنَّ الدِّينَ فِعْلُ الواجِباتِ، وأنَّ الدِّينَ هو الإسْلامُ، لَكِنْ لا نُسَلِّمُ أنَّ الإسْلامَ هو الإيمانُ، ولَيْسَ المُرادُ بِغَيْرِ الإسْلامِ في الآيَةِ ما هو مُغايِرٌ لَهُ بِحَسَبِ المَفْهُومِ، وإلّا يَلْزَمُ أنْ لا تُقْبَلَ الصَّلاةُ والزَّكاةُ مَثَلًا، بَلِ المُغايِرُ لَهُ بِحَسَبِ الصِّدْقِ، فَحِينَئِذٍ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإسْلامُ أعَمَّ، وهَذا كَما إذا قُلْتَ: مَن يَبْتَغِ غَيْرَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ فَقَدْ سَها، فَإنَّكَ لا تَحْكُمُ بِسَهْوِ مَنِ ابْتَغى الكَلامَ، وظاهِرٌ أنَّ ذَمَّ غَيْرِ الأعَمِّ لا يَسْتَلْزِمُ ذَمَّ الأخَصِّ، فَإنَّ قَوْلَكَ: غَيْرُ الحَيَوانِ، مَذْمُومٌ لا يَسْتَلْزِمُ أنْ يَكُونَ الإنْسانُ مَذْمُومًا، وعَنِ العاشِرِ بِأنَّهُ مُشْتَرَكُ الإلْزامِ، فَما هو جَوابُكُمْ، فَهو جَوابُنا عَلى أنّا نَقُولُ التَّصْدِيقُ في حالَةِ النَّوْمِ، والغَفْلَةِ باقٍ في القَلْبِ والذُّهُولِ، إنَّما هو عَنْ حُصُولِهِ، والنَّوْمُ ضِدٌّ لِإدْراكِ الأشْياءِ ابْتَداءً لا أنَّهُ مُنافٍ لِبَقاءِ الإدْراكِ الحاصِلِ حالَةَ اليَقَظَةِ، سَلَّمْنا إلّا أنَّ الشّارِعَ جَعَلَ المُحَقِّقَ الَّذِي لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ ما يُضادُّهُ في حُكْمِ الباقِي، حَتّى كانَ المُؤْمِنُ اسْمًا لِمَن آمَنَ في الحالِ، أوْ في الماضِي، ولَمْ يَطْرَأْ عَلَيْهِ ما هو عَلامَةُ التَّكْذِيبِ، وعَنِ الحادِيَ عَشَرَ بِأنَّ عَدَمَ تَسْمِيَةِ مَن صَدَّقَ بِآلِهِيَّةِ غَيْرِ اللَّهِ مُؤْمِنًا، إنَّما هو لِخُصُوصِيَّةِ مُتَعَلِّقِ الإيمانِ شَرْعًا، فَتَسْمِيَتُهُ مُؤْمِنًا يَصِحُّ نَظَرًا إلى الوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، ولا يَصِحُّ نَظَرًا إلى الِاسْتِعْمالِ الشَّرْعِيِّ، وعَنِ الثّانِيَ عَشَرَ بِأنَّ الإيمانَ ضِدُّ الشِّرْكِ بِالإجْماعِ، وما ذَكَرُوهُ لازِمٌ عَلى كُلِّ مَذْهَبٍ، ونَحْنُ نَقُولُ: إنَّ الإيمانَ هُناكَ لُغَوِيٌّ، إذْ في الشَّرْعِيِّ يُعْتَبَرُ التَّصْدِيقُ بِجَمِيعِ ما عُلِمَ مَجِيئُهُ بِهِ ﷺ، كَما تَقَدَّمَ، فالمُشْرِكُ المُصَدِّقُ بِبَعْضٍ لا يَكُونُ مُؤْمِنًا إلّا بِحَسَبِ اللُّغَةِ دُونَ الشَّرْعِ، لِإخْلالِهِ بِالتَّوْحِيدِ، والآيَةُ إشارَةٌ إلَيْهِ، وقَوْلُهُمْ: أهْلُ اللُّغَةِ لا يَفْهَمُونَ إلَخْ، مُجَرَّدُ دَعْوى لا يُساعِدُها البُرْهانُ، نَعَمْ لا شَكَّ أنَّ المُقِرَّ بِاللِّسانِ وحْدَهُ يُسَمّى مُؤْمِنًا لُغَةً لِقِيامِ دَلِيلِ الإيمانِ الَّذِي هو التَّصْدِيقُ القَلْبِيُّ فِيهِ، كَما يُطْلَقُ الغَضْبانُ والفَرْحانُ عَلى سَبِيلِ الحَقِيقَةِ لِقِيامِ الدَّلائِلِ الدّالَّةِ عَلَيْها مِنَ الآثارِ اللّازِمَةِ لِلْغَضَبِ والفَرَحِ، ويَجْرِي عَلَيْهِ أحْكامُ الإيمانِ ظاهِرًا، ولا نِزاعَ في ذَلِكَ، وإنَّما النِّزاعُ في كَوْنِهِ مُؤْمِنًا عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، والنَّبِيِّ ﷺ، ومَن بَعْدَهُ، كَما كانُوا يَحْكُمُونَ بِإيمانِ مَن تَكَلَّمَ بِالشَّهادَتَيْنِ كانُوا يَحْكُمُونَ بِكُفْرِ المُنافِقِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا يَكْفِي في الإيمانِ فِعْلُ اللِّسانِ وهَذا مِمّا لا يَنْبَغِي أنْ يَنْتَطِحَ فِيهِ كَبْشانِ، وكَأنَّهُ لِهَذا اشْتَرَطَ الرَّقاشِيُّ والقَطّانُ مُواطَأةَ القَلْبِ مَعَ المَعْرِفَةِ عِنْدَ الأوَّلِ، والتَّصْدِيقَ المُكْتَسَبَ بِالِاخْتِيارِ عِنْدَ الثّانِي، وقالَ الكَرامِيَّةُ: مَن أضْمَرَ الإنْكارَ وأظْهَرَ الإذْعانَ وإنْ كانَ مُؤْمِنًا لُغَةً وشَرْعًا لِتَحَقُّقِ اللَّفْظِ الدّالِّ الَّذِي وُضِعَ لَفْظُ الإيمانِ بِإزائِهِ إلّا أنَّهُ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ الشَّخْصُ الخُلُودَ في النّارِ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ مَدْلُولِ ذَلِكَ اللَّفْظِ الَّذِي هو مَقْصُودٌ مِنِ اعْتِبارِ دِلالَتِهِ، هَذا وبَعْدَ سَبْرِ الأقْوالِ في هَذا المَقامِ، لَمْ يَظْهَرْ لِي بَأْسٌ فِيما ذَهَبَ إلَيْهِ السَّلَفُ الصّالِحُ، وهو أنَّ لَفْظَ الإيمانِ مَوْضُوعٌ لِلْقَدْرِ المُشْتَرَكِ بَيْنَ التَّصْدِيقِ، وبَيْنَ الأعْمالِ، فَيَكُونُ إطْلاقُهُ عَلى التَّصْدِيقِ فَقَطْ، وعَلى مَجْمُوعِ التَّصْدِيقِ والأعْمالِ حَقِيقَةً كَما أنَّ المُعْتَبَرَ في الشَّجَرَةِ المُعَيَّنَةِ بِحَسَبِ العُرْفِ القَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ ساقِها ومَجْمُوعِ ساقِها مَعَ الشُّعَبِ والأوْراقِ، فَلا يُطْلَقُ الِانْعِدامُ عَلَيْها ما بَقِيَ السّاقُ، فالتَّصْدِيقُ بِمَنزِلَةِ أصْلِ الشَّجَرَةِ، والأعْمالُ بِمَنزِلَةِ فُرُوعِها وأغْصانِها، فَما دامَ الأصْلُ باقِيًا يَكُونُ الإيمانُ باقِيًا، وقَدْ ورَدَ في الصَّحِيحِ: «(الإيمانُ بِضْعٌ وسَبْعُونَ شُعْبَةً أعْلاها قَوْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأدْناها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ)،» وقَرِيبٌ مِن هَذا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّ الأعْمالَ آثارٌ خارِجَةٌ عَنِ الإيمانِ، مُسَبِّبَةٌ لَهُ، ويُطْلَقُ عَلَيْها لَفْظُ الإيمانِ مَجازًا، ولا مُخالَفَةَ بَيْنَ القَوْلَيْنِ، إلّا بِأنَّ إطْلاقَ اللَّفْظِ عَلَيْها حَقِيقَةٌ عَلى الأوَّلِ مَجازٌ عَلى الثّانِي، وهو بَحْثٌ لَفْظِيٌّ، والمُتَبادِرُ مِنَ الإيمانِ ها هُنا التَّصْدِيقُ كَما لا يَخْفى، (والغَيْبُ) مَصْدَرٌ أُقِيمَ مَقامَ الوَصْفِ، وهو غائِبٌ لِلْمُبالَغَةِ بِجَعْلِهِ كَأنَّهُ هُوَ، وجَعْلُهُ بِمَعْنى المَفْعُولِ يَرُدُّهُ كَما في البَحْرِ أنَّ الغَيْبَ مَصْدَرُ غابَ، وهو لازِمٌ، لا يُبْنى مِنهُ اسْمُ مَفْعُولٍ، وجَعْلُهُ تَفْسِيرًا بِالمَعْنى لِأنَّ الغائِبَ يَغِيبُ بِنَفْسِهِ تَكَلُّفٌ مِن غَيْرِ داعٍ، أوْ فَيْعَلٌ خُفِّفَ كَقِيلٍ ومَيْتٍ، وفي البَحْرِ لا يَنْبَغِي أنْ يُدَّعى ذَلِكَ إلّا فِيما سُمِعَ مُخَفَّفًا ومُثَقَّلًا، وفَسَّرَهُ جَمْعٌ هُنا بِما لا يَقَعُ تَحْتَ الحَواسِّ، ولا تَقْتَضِيهِ بَداهَةُ العَقْلِ، فَمِنهُ ما لَمْ يُنْصَبْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وتَفَرَّدَ بِعِلْمِهِ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ سُبْحانَهُ وتَعالى كَعِلْمِ القَدَرِ مَثَلًا، ومِنهُ ما نُصِبَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ كالحَقِّ تَعالى وصِفاتِهِ العُلا، فَإنَّهُ غَيْبٌ يَعْلَمُهُ مَن أعْطاهُ اللَّهُ تَعالى نُورًا عَلى حَسَبِ ذَلِكَ النُّورِ، فَلِهَذا تَجِدُ النّاسَ مُتَفاوِتِينَ فِيهِ، ولِلْأوْلِياءِ نَفَعَنا اللَّهُ تَعالى بِهِمُ الحَظُّ الأوْفَرُ مِنهُ.وقُلْ لِقَتِيلِ الحُبِّ وفَّيْتَ حَقَّهُ ∗∗∗ ولِلْمُدَّعِي هَيْهاتَ ما الكُحْلُ الكُحْلُ
واخْتَلَفَ النّاسُ في المُرادِ بِهِ هُنا عَلى أقْوالٍ شَتّى حَتّى زَعَمَتِ الشِّيعَةُ أنَّهُ القائِمُ، وقَعَدُوا عَنْ إقامَةِ الحُجَّةِ عَلى ذَلِكَ، والَّذِي يَمِيلُ إلَيْهِ القَلْبُ أنَّهُ ما أخْبَرَ بِهِ الرَّسُولُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهو اللَّهُ تَعالى، ومَلائِكَتُهُ، وكُتُبُهُ، ورُسُلُهُ، واليَوْمُ الآخِرُ، والقَدَرُ خَيْرُهُ وشَرُّهُ، لِأنَّ الإيمانَ المَطْلُوبَ شَرْعًا هو ذاكَ، لا سِيَّما وقَدِ انْضَمَّ إلَيْهِ الوَصْفانِ بَعْدَهُ، وكَوْنُ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمًا لِإطْلاقِ الغَيْبِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ ضِمْنًا، والغَيْبُ والغائِبُ ما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، والغَيْبَةُ مِمّا لا يَضُرُّ، إذْ لَيْسَ فِيهِ إطْلاقُهُ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِخُصُوصِهِ، فَهَذا لَيْسَ مِن قَبِيلِ التَّسْمِيَةِ، عَلى أنَّهُ لا نُسَلِّمُ أنَّ الغَيْبَ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا فِيما يَجُوزُ عَلَيْهِ الحُضُورُ، وبَعْضُ أهْلِ العِلْمِ فَرَّقَ بَيْنَ الغَيْبِ والغائِبِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُ تَعالى غَيْبٌ، ولَيْسَ بِغائِبٍ، ويَعْنُونَ بِالغائِبِ ما لا يَراكَ، ولا تَراهُ، وبِالغَيْبِ ما لا تَراهُ أنْتَ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ بِالتَّغْلِيبِ لِيَدْخُلَ إيمانُ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم بِهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، إذْ لَيْسَ بِغَيْبٍ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ، أوْ يُقالُ: الإيمانُ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ راجِعٌ إلى الإيمانِ بِرِسالَتِهِ مَثَلًا، إذْ لا مَعْنى لِلْإيمانِ بِهِ نَفْسِهِ مُعَرًّى عَنِ الحَيْثِيّاتِ، ورِسالَتُهُ غَيْبٌ نُصِبَ عَلَيْها الدَّلِيلُ كَما نُصِبَ لَنا، وإنِ افَتَرَقْنا بِالخَبَرِ والمُعايَنَةِ، أوْ أنَّهُ مِن إسْنادِ ما لِلْبَعْضِ إلى الكُلِّ مَجازًا، كَبَنُو فُلانٍ قَتَلُوا فُلانًا، أوِ المُرادُ أنَّهم يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ كَما يُؤْمِنُونَ بِالشَّهادَةِ، فاسْتَوى عِنْدَهُمُ المُشاهَدُ وغَيْرُهُ، واخْتارَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ أنَّ المُرادَ أنَّ هَؤُلاءِ المُتَّقِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ أيْ حالَ الغَيْبَةِ عَنْكُمْ، كَما يُؤْمِنُونَ حالَ الحُضُورِ لا كالمُنافِقِينَ الَّذِينَ ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وإذا خَلَوْا إلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكم إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ فَهو عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أنِّي لَمْ أخُنْهُ بِالغَيْبِ﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يُقالَ: حالَ غَيْبَةِ المُؤْمِنِ بِهِ، فَفي سُنَنِ الدّارِمِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ أنَّ الحارِثَ بْنَ قَيْسٍ قالَ لَهُ: عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ ما سَبَقْتُمُونا إلَيْهِ مِن رُؤْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ عِنْدَ اللَّهِ نَحْتَسِبُ إيمانَكم بِمُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ولَمْ تَرَوْهُ، إنَّ أمْرَ مُحَمَّدٍ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ كانَ بَيِّنًا لِمَن رَآهُ، والَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما مِن أحَدٍ أفْضَلَ مِن إيمانٍ بِغَيْبٍ، ثُمَّ قَرَأ ﴿الم﴾ ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُفْلِحُونَ﴾ ولا يَلْزَمُ مِن تَفْضِيلِ إيمانٍ عَلى آخَرَ مِن حَيْثِيَّةِ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِ مِن سائِرِ الحَيْثِيّاتِ، ولا تَفْصِيلِ المُتَّصِفِ بِأحَدِهِما عَلى المُتَّصِفِ بِالآخَرِ، فَإنَّ الأفْضَلِيَّةَ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الإضافاتِ والِاعْتِباراتِ، وقَدْ يُوجَدُ في المَفْضُولِ ما لَيْسَ في الفاضِلِ، ويا لَيْتَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ سَكَّنَ لَوْعَةَ الحارْثِ بِما ورَدَ عَنْهُ ﷺ مَرْفُوعًا، «(نِعْمَ قَوْمٌ يَكُونُونَ بَعْدَكم يُؤْمِنُونَ بِي ولَمْ يَرَوْنِي)،» وما كانَ أغْناهُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ عَمّا أجابَ بِهِ، إذْ يَخْرُجُ الصَّحابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم عَنْ هَذا العُمُومِ الَّذِي في هَذِهِ الآيَةِ، كَما يُشْعِرُ بِهِ قِراءَتُهُ لَها، مُسْتَشْهِدًا بِها، وبِهِ قالَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ، وأنا لا أمِيلُ إلى ذَلِكَ، وقِيلَ: المُرادُ بِالغَيْبِ القَلْبُ أيْ يُؤْمِنُونَ بِقُلُوبِهِمْ، لا كَمَن يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ، والباءُ عَلى الأوَّلِ لِلتَّعْدِيَةِ، وعَلى الثّانِي والثّالِثِ لِلْمُصاحَبَةِ، وعَلى الرّابِعِ لِلْآلَةِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وعاصِمٌ في رِوايَةِ الأعْشى عَنْ أبِي بَكْرٍ بِتَرْكِ الهَمْزَةِ مِن (يُؤْمِنُونَ)، وكَذا كُلُّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، بَلْ قَدْ يَتْرُكانِ كَثِيرًا مِنَ المُتَحَرِّكَةِ مِثْلَ ”لا يُؤاخِذُكم“ و﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ وتَفْصِيلُ مَذْهَبِ أبِي جَعْفَرٍ طَوِيلٌ، وأمّا أبُو عَمْرٍو فَيَتْرُكُ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ إلّا أنْ يَكُونَ سُكُونُها عَلامَةً لِلْجَزْمِ مِثْلَ ”يهيئ لَكم“ (ونَبِّئْهُمْ)، و﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ فَإنَّهُ لا يَتْرُكُ الهَمْزَةَ فِيها، ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا الهَمْزَةُ في السّاكِنَةِ، وأمّا نافِعٌ، فَيَتْرُكُ كُلَّ هَمْزَةٍ ساكِنَةٍ ومُتَحَرِّكَةٍ إذا كانَتْ فاءَ الفِعْلِ نَحْوَ (يُؤْمِنُونَ) و(لا يُؤاخِذُكُمْ)، واخْتَلَفَتْ قِراءَةُ الكِسائِيِّ وحَمْزَةَ، ولِكُلٍّ مَذْهَبٌ يَطُولُ ذِكْرُهُ، (ويُقِيمُونَ) مِنَ الإقامَةِ، يُقالُ: أقَمْتُ الشَّيْءَ إقامَةً إذا وفَّيْتَ حَقَّهُ، قالَ تَعالى: ﴿لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ أيْ تُوَفُّوا حَقَّهُما بِالعِلْمِ والعَمَلِ، ومَعْنى: يُقِيمُونَ الصَّلاةَ، يَعْدِلُونَ أرْكانَها بِأنْ يُوقِعُوها مُسْتَجْمِعَةً لِلْفَرائِضِ والواجِباتِ أوْ لَها مَعَ الآدابِ والسُّنَنِ مِن أقامَ العُودَ إذا قَوَّمَهُ، أوْ يُواظِبُونَ عَلَيْها ويُداوِمُونَ، مِن قامَتِ السُّوقُ إذا نَفَقَتْ، وأقَمْتُها إذا جَعَلْتَها نافِقَةً، أوْ يَتَشَمَّرُونَ لِأدائِها بِلا فَتْرَةٍ عَنْها، ولا تَوانٍ، مِن قَوْلِهِمْ: قامَ بِالأمْرِ، وأقامَهُ إذا جَدَّ فِيهِ، أوْ يُؤَدُّونَها ويَفْعَلُونَها، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالإقامَةِ لِأنَّ القِيامَ بَعْضُ أرْكانِها، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وفي الكَلامِ عَلى الأوَّلَيْنِ مِنها اسْتِعارَةٌ تَبَعِيَّةٌ، وعَلى الأخِيرَيْنِ مَجازٌ مُرْسَلٌ، وبَيانُ ذَلِكَ في الأوَّلِ أنْ يُشَبِّهَ تَعْدِيلَ الأرْكانِ بِتَقْوِيمِ العُودِ بِإزالَةِ اعْوِجاجِهِ، فَهو قَوِيمٌ تَشْبِيهًا لَهُ بِالقائِمِ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ الإقامَةُ مِن تَسْوِيَةِ الأجْسامِ الَّتِي صارَتْ حَقِيقَةً فِيها لِتَسْوِيَةِ المَعانِي، كَتَعْدِيلِ أرْكانِ الصَّلاةِ عَلى ما هو حَقُّها، وقِيلَ: الإقامَةُ بِمَعْنى التَّسْوِيَةِ حَقِيقَةٌ في الأعْيانِ والمَعانِي، بَلِ التَّقْوِيمُ في المَعانِي كالدِّينِ، والمَذْهَبِ أكْثَرُ فَلا حاجَةَ إلى الِاسْتِعارَةِ، ولا يَخْفى ما فِيهِ، فَإنَّ المَجازِيَّةَ ما لا شُبْهَةَ فِيها دِرايَةً ورِوايَةً، وذاكَ الِاسْتِعْمالُ مَجازٌ مَشْهُورٌ، أوْ حَقِيقَةٌ عُرْفِيَّةٌ، وفي الثّانِي بِأنَّ نَفاقَ السُّوقِ كانْتِصابِ الشَّخْصِ في حُسْنِ الحالِ والظُّهُورِ التّامِّ، فاسْتَعْمَلَ القِيامَ فِيهِ، والإقامَةَ في إنْفاقِها ثُمَّ اسْتُعِيرَتْ مِنهُ لِلْمُداوَمَةِ، فَإنَّ كُلًّا مِنهُما يَجْعَلُ مُتَعَلِّقَهُ مَرْغُوبًا مُتَنافَسًا فِيهِ مُتَوَجَّهًا إلَيْهِ، وهَذا مَعْنًى لَطِيفٌ لا يَقِفُ عَلَيْهِ إلّا الخَواصُّ، إلّا أنَّ فِيهِ تَجَوُّزًا مِنَ المَجازِ، وكَأنَّهُ لِهَذا مالَ الطِّيبِيُّ إلى أنَّ في هَذا الوَجْهِ كِنايَةً تَلْوِيحِيَّةَ حَيْثُ عَبَّرَ عَنِ الدَّوامِ بِالإقامَةِ، فَإنَّ إقامَةَ الصَّلاةِ بِالمَعْنى الأوَّلِ مُشْعِرَةٌ بِكَوْنِها مَرْغُوبًا فِيها، وإضاعَتُها تَدُلُّ عَلى ابْتِذالِها كالسُّوقِ إذا شُوهِدَتْ قائِمَةً دَلَّتْ عَلى نَفاقِ سِلْعَتِها ونَفاقِها عَلى تَوَجُّهِ الرَّغَباتِ إلَيْها، وهو يَسْتَدْعِي الِاسْتِدامَةَ بِخِلافِها إذا لَمْ تَكُنْ قائِمَةً، وفي الثّالِثِ بِأنَّ القِيامَ بِالأمْرِ يَدُلُّ عَلى الِاعْتِناءِ بِشَأْنِهِ، ويَلْزَمُهُ التَّشَمُّرُ فَأُطْلِقَ القِيامُ عَلى لازِمِهِ، وقَدْ يُقالُ بِأنَّ قامَ بِالأمْرِ مَعْناهُ جَدَّ فِيهِ، وخَرَجَ عَنْ عُهْدَتِهِ بِلا تَأْخِيرٍ ولا تَقْصِيرٍ، فَكَأنَّهُ قامَ بِنَفْسِهِ لِذَلِكَ، وأقامَهُ أيْ رَفَعَهُ عَلى كاهِلِهِ بِجُمْلَتِهِ فَحِينَئِذٍ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ فِيهِ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ أوْ مَكْنِيَّةٌ أوْ تَصْرِيحِيَّةٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أيْضًا مَجازًا مُرْسَلًا، لِأنَّ مَن قامَ لِأمْرٍ عَلى أقْدامِ الإقْدامِ، ورَفَعَهُ عَلى كاهِلِ الجِدِّ، فَقَدْ بَذَلَ فِيهِ جُهْدَهُ، وفي الرّابِعِ بِأنَّ الأداءَ المُرادُ بِهِ فِعْلُ الصَّلاةِ، والقَيْدُ خارِجٌ عَبَّرَ عَنْهُ بِالإقامَةِ بِعَلاقَةِ اللُّزُومِ، إذْ يَلْزَمُ مِن تَأْدِيَةِ الصَّلاةِ وإيجادِها كُلِّها فِعْلُ القِيامِ، وهو الإقامَةُ، لِأنَّ فِعْلَ الشَّيْءِ فِعْلٌ لِأجْزائِهِ، أوِ العَلاقَةِ الجُزْئِيَّةِ، لِأنَّ الإقامَةَ جُزْءٌ أوْ جُزْئِيٌّ لِمُطْلَقِ الفِعْلِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُناكَ اسْتِعارَةٌ لِمُشابَهَةِ الأداءِ لِلْإقامَةِ في أنَّ كُلًّا مِنهُما فِعْلٌ مُتَعَلِّقٌ بِالصَّلاةِلِوَجْهِكَ في الإحْسانِ بَسْطٌ وبَهْجَةٌ ∗∗∗ أنا لَهُماهُ قَفْوُ أكْرَمِ والِدِ
وأيْضًا يَلْزَمُ مِن مَنعِ ذَلِكَ مَلْفُوظًا بِهِ مَنعُهُ مُقَدَّرًا، لِزَوالِ القُبْحِ اللَّفْظِيِّ، وأمّا الثّانِي فَبِأنَّ الَّذِي يُمْنَعُ حَذْفُهُ ما كانَ مُنْفَصِلًا لِغَرَضٍ مَعْنَوِيٍّ كالحَصْرِ لا مُطْلَقًا، كَما قالَ ابْنُ هِشامٍ في الجامِعِ الصَّغِيرِ، وأشارَ إلَيْهِ غَيْرُ واحِدٍ، وكُتِبَتْ (مِن) مُتَّصِلَةً (بِما) مَحْذُوفَةَ النُّونِ، لِأنَّ الجارَّ والمَجْرُورَ كَشَيْءٍ واحِدٍ، وقَدْ حُذِفَتِ النُّونُ لَفْظًا، فَناسَبَ حَذْفُها في الخَطِّ، قالَهُ في البَحْرِ، وجَعَلَ سُبْحانَهُ صِلاتِ (الَّذِينَ) أفْعالًا مُضارِعَةً، ولَمْ يَجْعَلِ المَوْصُولَ ألْ فَيَصِلُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ، لِأنَّ المُضارِعَ فِيما ذَكَرَهُ البَعْضُ مُشْعِرٌ بِالتَّجَدُّدِ والحُدُوثِ، مَعَ ما فِيهِ هُنا مِنَ الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ، وهَذِهِ الأوْصافُ مُتَجَدِّدَةٌ في المُتَّقِينَ، واسْمُ الفاعِلِ عِنْدَهم لَيْسَ كَذَلِكَ، ورُتِّبَتْ هَذا النَّحْوَ مِنَ التَّرْتِيبِ لِأنَّ الأعْمالَ إمّا قَلْبِيَّةٌ وأعْظَمُها اعْتِقادُ حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ والنُّبُوَّةِ، والمَعادِ، إذْ لَوْلاهُ كانَتِ الأعْمالُ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً، أوْ قالَبِيَّةٌ وأصْلُها الصَّلاةُ لِأنَّها الفارِقَةُ بَيْنَ الكُفْرِ والإسْلامِ، وهي عَمُودُ الدِّينِ ومِعْراجُ المُوَحِّدِينَ، والأُمُّ الَّتِي يَتَشَعَّبُ مِنها سائِرُ الخَيْراتِ والمَبَرّاتِ، ولِهَذا قالَ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «(وجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي في الصَّلاةِ)،» وقَدْ أطْلَقَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْها الإيمانَ كَما قالَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ أوْ مالِيَّةٌ وهي الإنْفاقُ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعالى، وهي الَّتِي إذا وُجِدَتْ عُلِمَ الثَّباتُ عَلى الإيمانِ، وهَذِهِ الثَّلاثَةُ مُتَفاوِتَةُ الرُّتَبِ، فَرَتَّبَ سُبْحانَهُ وتَعالى ذَلِكَ مُقَدِّمًا الأهَمَّ فالأهَمَّ، والألْزَمَ فالألْزَمَ، لِأنَّ الإيمانَ لازِمٌ لِلْمُكَلَّفِ في كُلِّ آنٍ، والصَّلاةَ في أكْثَرِ الأوْقاتِ، والنَّفَقَةَ في بَعْضِ الحالاتِ، فافْهَمْ ذاكَ، واللَّهُ يَتَوَلّى هُداكَ.(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ (3))
هذا هو الوصف الأول للمتقين الذين يتلقون هدى الله تعالى كما تتلقى الأرض الطيبة الغيث فتأتي بأطيب الثمرات. والإيمان: التصديق، ويتعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتراف والإقرار والإذعان، والخضوع، ويتعدى باللام ويتضمن حينئذٍ معنى الاستسلام أو الاستجابة كما قال تعالى: (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لنَا...)، قوله: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى...) ، ومن ذلك ما حكى الله تعالى عن اليهود إذ يتآمرون فيقول بعضهم لبعض، (وَلا تُؤْمنُوا إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ...). وأول وصف من أوصاف المتقين الذي يميزهم - وهو في غالب أحوالهم سبب لتقواهم - الإيمان بالغيب. والغيب: كل ما يغيب عن الشخص، ويستتر، ولقد فسره العلماء بما يتفق مع أن يكون وصفًا للمتقين، فقالوا أقوالا مختلفة في ألفاظها، وتتلاقى في مضمونها أو المراد منها - فيما نعلم - كلها، ففسروه بأن الغيب هو الله تعالى؛ لأننا نؤمن به ولا نراه، فالبرهان يوجب الإيمان به، وهو لا يُرى بالحسِّ بل يرى بالقلب، وفسروه بأنه القدر، وفسروه بأنه الإيمان بالملائكة،وفسروه بالقرآن وما فيه من أخبار الملائكة واليوم الآخر، والجنة، والنار. وقال آخرون: الغيب كل ما أخبر به الرسول - صلى الله عليه وسلم - مما لَا تهتدي العقول إليه من علامات الساعة والحشر والنشر والصراط والميزان والجنة... إلخ. والحق أنه لَا تعارض بين هذه الأقوال، بل هي متلاقية في جملة معانيها. وإنَا نَرى أن الإيمان، بالغيب هو الإيمان بما وراء الحس من أمور غيَّبها الله تعالى عن عقولنا، وبيان ذلك أن الناس قسمان: ضالون ومتقون.. فالضالون هم الذين لايؤمنون إلا بالمادة، ولا يعرفون غيرها، وينكرون ما عداها، ويقولون: إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، ولا يؤمنون بشيء وراء ذلك، ويقول قائلهم: الطبيعة خلقتنا، ونُردُّ إليها، فلا يؤمنون بإلهٍ ولا بروح إلا أن تكون عرضًا من أعراض المادة، وهؤلاء منهم الملاحدة ومنكرو الأديان. والقسم الثاني: أمارتهم أنهم يؤمنون بالحس على أنه خاضع للغيب، فهم لا يقصرون إيمانهم على ما يحسون وما يرون وما يبصرون، بل يؤمنون بأن وراء المادة عالماً كبيرًا، وأن مدبر الكون ومنشئه، هو صاحب السلطان المطلق فيه، فلله تعالى محيانا ومماتنا. إن فيصل التفرقة بين الإيمان والزندقة هو الإيمان بالغيب، فالمؤمن أول خلاله الإيمان بالغيب، والزنديق لَا يؤمن إلا بالمادة. إن الإيمان بالغيب يجعل النفس دائما خاضعة متطامنة لَا تستنكف عن عبادة الله تعالى ولا تستكبر، ولقد كان ذلك لـ: (مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ)، وإذا كان الإيمان بالغيب يولد الخشية في النفس، فذلك هو لب الإيمان كما قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كبِيرٌ). (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) كانت الصفة الأولى للمتقين إيمانا بالغيب، وما يكنه من مستورات عن المحسوسات، تولد في النفس الخشية، والإحساس بحاجة الجسم إلى الروح، وبأن الروح فيما وراء المشاهد هي التي تسيِّر هذا الوجود الإنساني، وأن الله تعالى لم يخلق الإنسان إلا ليحاسب على ما قدم من شر أو خير، وأنه سيرى ما اكتسب إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. بعد ذكر هذه الصفة النفسية، ذكر صفتين أخريين تنبعثان من النفس، ولكنْ لهما مظهر عَملِي، وهما إقامة الصلاة والإنفاق مما رزقه الله سبحانه وتعالى. والصلاة أصلها على وزن فَعْلَة، من صلى، فأصل الصلاة صَلْوة، فنقلت فتحة الواو إلى ما قبلها، فصارت صلاة، والصلاة كانت معروفة عند العرب بأنها الدعاء. ومنه قوله تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)، وإطلاقها على الصلوات الخمس من قيام وقراءة، وركوع وسجود، وتحيات - اصطلاح إسلامي. ولقد فسر بعض العلماء الصلاة هنا بالدعاء، أي الضراعة إلى الله تعالى، والاتجاه الروحي إليه راجيًا ما عنده مؤمنا به مستجيبا لقوله تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). ولكن الأكثرين - وهو الظاهر الذي يبدو من القول - على أن المراد بها الصلاة المكتوبة، وإن الاتجاه الروحي بالضراعة والدعاء تتضمنه الصلاة المكتوبة، وإن الصلاة قد فرضت في مكة، وصارت متعارفة، كغيرها من الكلمات التي كان في معناها عموم، ثم خصصها الإسلام. وإقامة الصلاة الإتيان بها مستوية مقومة معدلة قد استوفت أركانها ظاهرا وباطنا، فكانت مشتملة على الخشوع والحضور، واستحضار عظمة الله تعالى فيكل لفظ يذكره، ويعبد الله بهذه العبادة، كأنه يرى الله سبحانه وتعالى، ويتوالى ذلك في كل صلواته عامة النهار، أو أطرافًا من النهار وزلفًا من الليل، فإن كانت صلاته كذلك كان مُحِسّا برقابة الله تعالى، ومن أحس برقابة الله لَا يعصيه؛ ولذلك قال تعالى: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ..). وقال عليه الصلاة والسلام: الصلاة عماد الدين . وبعض المفسرين يفسر إقامة الصلاة بالمداومة عليها من غير تقصير، وبعضهم يفسرها بالمسارعة إليها عند النداء بها، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ...)، وبعضهم يفسرها بالسعي إليها عند إقامة الجماعة فيها، ولكن يَرُدُ ذلك ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يمشوا إليها في سكينة وو قار. وإن التفسير الأول للإقامة هو الأوضح البين، والمعاني الأخرى تدخل في ضمنه، أو تقتضيها. وبعد أن بين الله تعالى الوصف الذي يترتب على التقوى، والإيمان بالغيب، ذكر وصفا آخر عمليا ونفسيا، فكل ما يذكره الإسلام من تكليفات، وصفات للمؤمن، لاينظر فيها إلى ناحية العمل فقط، بل ينظر فيها إلى ناحية العمل والباعث عليه، والنية التي هي طهارة النفس؛ ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنَّما الأعْمَالُ بالنَياتِ وإنما لِكُلِّ امرِئٍ ما نَوى . الوصف العملي النفسي ما عبر عنه سبحانه وتعالى بقوله: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ينفِقُونَ) وفي هذا الوصف بيان أن الخير الذي يكون بالصلاة في الضراعة إليه سبحانه وتعالى ينعطف على التَّقِيِّ نفعا للناس يقصِدُ التقرب به إليه سبحانه وتعالى، فهو يتقرب إلى الله تعالى بذكره الدائم، وضراعته القائمة، ويتقرب إلى الله تعالى بالإنفاق على خلقه، ومد يد المعونة لغيره، وسد حاجتهم ورفع فاقتهم لرضا الله، وابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى. والرزق هو: العطاء، وهو من رزق يرزق رزقا، وهو بمعنى اسم المفعول كـ طِحْن بمعنى مطحون، و رِعْي بمعنى مرعى، وذِبْع بمعنى مذبوح كقوله تعالى: (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). والمرزوق ما ينعم الله تعالى به على الإنسان من متاع الحياة الدنيا، من حيوان ونقود، ومطاعم ومساكن، والإنفاق إعطاؤها في كل سبل الخير، وتشمل بذلك الزكوات، والإنفاق على من يعولهم، والإنفاق على نفسه ليقوى على الحياة، ويقوم بما يجب عليه من طاعات، ومعاونة للضعفاء بقوته، وليقوى على الجهاد في سبيل رفع الحق وخفض الباطل، وإمداد جند الله تعالى بما يحتاجون إليه من عتاد وأسباب القوة كما قال تعالى: (وَأَنفِفوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأيْدِيكمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ...). والإنفاق كالإنفاد، بيد أن الإنفاد يرمي إلى إنهاء المال، وألا يبقى منه شيء، والإنفاق يُبقى. وقد خص بعض العلماء الرزق بأنه خاص بالحلال، فإن الله تعالى لا يرزق إلا بالحلال، والحق أن الله تعالى يفيض على ابن آدم بكل ما يقيم به أوده، ويعين به غيره، كما قال تعالى: (وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْفهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا ... )، وابن آدم هو الذي يجعل منها الحلال والحرام، فإن كسبه كسبًا طيبًا لَا خبث فيه فهو حلال، وإن كسبه من غير الحلال، أو أنفقه فيما حرم الله تعالى، فهو الذي أوجد فيه الحلال، وفي الحلال الثواب، وفي الحرام العقاب. ولقد قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهَ لَكُم من رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّه أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفتَرُونَ).والله تعالى يعد الرزق نعمة، وإذا أنفق في الحلال وكسب من الحلال كان من القربات التي يتقرب بها إلى الله تعالى، ولا يتقرب إليه سبحانه بكسب يكون طريقه ليس بحلال خالص. ويروى أن رجلا يكسب من الغناء والضرب على الدف فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ أرانِي لَا أُرْزَقُ إلا مِنْ دُفِّي بِكَفِّي فأذَنْ لِي بالغِنَاءِ فِى غَيْرِ فَاحِشَة، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا آذَنُ لَكَ وَلا كَرَامَةَ ولا نُعْمَةَ، كَذَبْتَ أيْ عَدُوَّ اللَّه، وَاللَّهِ لَقَدْ رَزَقَكَ اللَّهُ تعالَى حلالا طيبًا، فاخترْتَ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِنْ رِزْقِهِ مَكانَ مَا أحَلَّ اللَّهُ لكَ مِنْ حَلالِهِ . وفى العبارة السامية: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) إشارتان بلاغيتان: إحداهما: تقديم (وَمِمَّا زَقْنَاهُمْ) على (يُنفِقُونَ) وفي ذلك بيان أنهم لا ينفقون من كسب خالص لهم بل إنهم ينفقون من رزق الله تعالى، فهو وحده الرزاق إن شاء أعطى، وإن شاء منع، ولست أيها المنفق ترزق نفسك إنما يرزقك الله وحده، فأنت تعطي مِن عندِه، وتجود على نفسك وعلى عباده مِن عِندِه، فالتقديم للقصر أولاً، وللاهتمام بالإنفاق ثانيا. الثانية: أن الإنفاق لَا يكون بكل ما رزق الله تعالى بل يكون ببعضه وإن كان الكثير فـ مِنْ في قوله تعالى: (وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) للتبعيض؛ أي: ينفقون بعض ما أعطاهم الله، فلا يكونون كالمبذرين، وإن المبذرين إخوان الشياطين، والإنفاق في سبيل اللَّه تعالى لَا يستكثر فيه الكثير، فكما قال ابن عباس رضي اللَّه عنه: إنفاق ألفٍ في برٍّ لَا سرف، وإنفاق درهم في غير بر سرف. وإنما موضع الإسراف أو الزيادة في الإنفاق على نفسه، والله تعالى عليم خبير.
خُذِي العَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي ولا تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أغْضَبُ
وَهَذا القَوْلُ راجِحٌ إلى ما ذَكَرْنا، وبَقِيَّةُ الأقْوالِ ضَعِيفَةٌ.لا تَمْدَحَنَّ ابْنَ عَبّادٍ وإنْ هَطَلَتْ ∗∗∗ يَداهُ كالمُزْنِ حَتّى تَخْجَلَ الدِّيَما ∗∗∗ فَإنَّها فَلَتاتٌ مِن وساوِسِهِ ∗∗∗ يُعْطِي ويَمْنَعُ لا بُخْلًا ولا كَرَما
وَقَدْ بَيَّنَ تَعالى في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ لا يَكُونُ كَذَلِكَ، إلّا إذا كانَ مَصْرِفُهُ الَّذِي صُرِفَ فِيهِ مِمّا يُرْضِي اللَّهَ. كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ الآيَةَ [البقرة: ٢١٥] وصَرَّحَ بِأنَّ الإنْفاقَ فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ حَسْرَةٌ عَلى صاحِبِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآيَةَ [الأنفال: ٣٦] وقَدْ قالَ الشّاعِرُ:إنَّ الصَّنِيعَةَ لا تُعَدُّ صَنِيعَةً ∗∗∗ حَتّى يُصابَ بِها طَرِيقُ المَصْنَعِ
فَإنْ قِيلَ: هَذا الَّذِي قَرَّرْتُمْ يَقْتَضِي أنَّ الإنْفاقَ المَحْمُودَ هو إنْفاقُ ما زادَ عَلى الحاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، مَعَ أنَّ اللَّهَ تَعالى أثْنى عَلى قَوْمٍ بِالإنْفاقِ وهم في حاجَةٍ إلى ما أنْفَقُوا، وذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلى أنْفُسِهِمْ ولَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] .أقامَتْ غَزالَةٌ سُوقَ الضِّرابِ... لِأهْلِ العِراقَيْنِ حَوْلًا قَمِيطا
فَإنَّهُ إذا حُوفِظَ عَلَيْها كانَتْ كالنّافِقِ الَّذِي يُرْغَبُ فِيهِ، وإذا ضُيِّعَتْ كانَتْ كالكاسِدِ المَرْغُوبِ عَنْهُ، أوْ يُتَشَمِّرُونَ لِأدائِها مِن غَيْرِ فُتُورٍ ولا تَوانٍ، مِن قَوْلِهِمْ قامَ بِالأمْرِ وأقامَهُ إذا جَدَّ فِيهِ وتَجَلَّدَ، وضِدُّهُ قَعَدَ عَنِ الأمْرِ، وتَقاعَدَ. أوْ يُؤَدُّونَها. عَبَّرَ عَنِ الأداءِ بِالإقامَةِ لِاشْتِمالِها عَلى القِيامِ، كَما عَبَّرَ عَنْها بِالقُنُوتِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ والتَّسْبِيحِ. والأوَّلُ أظْهَرُ لِأنَّهُ أشْهَرُ وإلى الحَقِيقَةِ أقْرَبُ، وأفْيَدُ لِتَضَمُّنِهِ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ الحَقِيقَ بِالمَدْحِ مَن راعى حُدُودَها الظّاهِرَةَ مِنَ الفَرائِضِ والسُّنَنِ، وحُقُوقَها الباطِنَةِ مِنَ الخُشُوعِ والإقْبالِ بِقَلْبِهِ عَلى اللَّهِ تَعالى، لا المُصَلُّونَ الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ، ولِذَلِكَ ذَكَرَ في سِياقِ المَدْحَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ، وفي مَعْرِضِ الذَّمِّ فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ، والصَّلاةُ فَعْلَةٌ مِن صَلّى إذا دَعا كالزَّكاةِ مِن زَكّى، كَتَبْتا بِالواوِ عَلى لَفْظِ المُفَخَّمِ، وإنَّما سُمِّيَ الفِعْلُ المَخْصُوصُ بِها لِاشْتِمالِهِ عَلى الدُّعاءِ.[آية رقم : 3]
{الذين يُؤْمِنُونَ} : الذين يَحْتمل الرفعَ والنصبَ والجرَّ، والظاهرُ الجرُّ، وهو من ثلاثة أوجه، أظهرُها: أنه نعتٌ للمتقين، والثاني: بدلٌ، والثالث: عطفُ بيان، وأمَّا الرفعُ فمن وجهَيْنِ، أحدُهما: أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ على معنى القطع، وقد تقدَّم.
والثاني: أنه مبتدأ، وفي خبره قولان: أحدهما: أولئك الأولى، والثاني: أولئك الثانية والواوُ زائدةٌ.
وهذان القولان رديئان مُنْكَران لأنَّ قولَه: والذين يؤمنون يمنع كونَ أولئك الأولى خبراً، ووجودُ الواوِ يمنع كونَ أولئك الثانية خبراً أيضاً، وقولُهم الواوُ زائدةٌ لا يُلْتفَتْ إليه.
والنصبُ على القطع، و يؤمنون صلةٌ وعائدٌ، وهو مضارعٌ، علامةُ رفعهِ النونُ، لأنه أحدُ الأمثلةِ الخمسةِ.
والأمثلةُ الخمسةُ عبارةٌ عن كل فعلٍ مضارعٍ اتصلَ به ألفُ اثنين أو واوُ جمع أو ياءُ مخاطبةٍ، نحو: يؤمنان تؤمنان يؤمنون تؤمنون تؤمنين.
والمضارعُ معربٌ أبداً، إلا أن يباشرَ نونَ توكيدٍ أو إناثٍ، على تفصيلٍ يأتي إن شاء الله تعالى في غضونِ هذا الكتاب.
وهو مضارعُ آمَنَ بمعنى صَدَّقَ، وآمَنَ مأخوذٌ من أَمِنَ الثلاثي، فالهمزةفي أَمِنَ للصيرورة نحو: أَعْشَبَ المكانُ أي: صار ذا عشبٍ، أو لمطاوعةِ فَعَّلَ نحو: كَبَّ فَأَكَبَّ، وإنما تعدَّى بالباء لأنه ضُمِّن معنى اعترف، وقد يتعدَّى باللام كقوله تعالى: {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا} [يوسف: 17] {فَمَآ آمَنَ لموسى} [يونس: 83] إلا أنَّ في ضمنِ التعدية باللام التعديةَ بالباء، فهذا فَرْقُ ما بين التعديتين.
وأصلُ يُؤْمِنون : يُؤَأْمِنُون بهمزتين، الأولى: همزةُ أَفْعَل، والثانيةُ: فاء الكلمةِ، حُذِفَت الأولى لقاعدة تصريفية، وهو أن همزة أفْعل تُحْذَف بعد حرفِ المضارعةِ واسمِ فاعله ومفعولِه نحو: أُكْرِمُ وتُكْرم ويُكْرم ونُكْرم وأنتَ مُكْرِم ومُكْرَم، وإنما حُذِفَت لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان، وذلك إذا كان حرفُ المضارَعةِ همزةً نحو: أنا أُكرم.
الأصل: أُأَكْرِمُ بهمزتين، الأولى: للمضارَعةِ، والثانيةُ: هَمزَةُ أَفْعل، فحُذِفَت الثانيةُ لأنَّ بها حَصَل الثِّقَلُ، ولأن حرفَ المضارَعَةِ أولى بالمحافظةِ عليه، ثم حُمِل باقي البابِ على ذلك طَرْداً لِلْبابِ، ولا يجوز ثبوتُ همزةِ أَفْعَل في شيء من ذلك، إلا في ضرورة كقوله: 112 - فإنَّه أَهْلٌ لأِنْ يُؤَكْرَما ........................... و بالغيبِ متعلِّق بيؤمنون، ويكون مصدراً واقعاً موقعَ اسمِ الفاعلِ أو اسمِ المفعولِ.
وفي هذا الثاني نظرٌ لأنه مِنْ غابَ وهو لازمٌ فكيف يُبْنَى منه اسمُ مفعولٍ حتى يَقَعَ المصدرُ موقعَه؟ إلا أن يقال إنه واقعٌ موقعَ اسمِالمفعولِ من فَعَّل مضعفاً متعدياً أي المغيَّب وفيه بُعْدٌ.
وقال الزمخشري: يجوز أن يكون مخفَّفاً من فَيْعِل نحو: هَيْن من هيِّنٍ، ومَيْت من مَيِّت ، وفيه نظرٌ لأنه لا ينبغي أن يُدَّعى ذلك فيه حتى يُسمَعَ مثقلاً كنظائره، فإنها سُمِعَتْ مخفَّفةً ومثقَّلةً، ويَبْعُد أن يقالَ: التُزِم التخفيفُ في هذا خاصةً.
ويجوز أن تكونَ الباءُ للحال فيتعلَّقَ بمحذوف أي: يُؤْمِنُون ملتبسينَ بالغَيْب عن المؤمِنِ بهِ، والغيبُ حينئذٍ مصدرٌ على بابه.
وهمزةُ يُؤْمِنُون -وكذا كلُّ همزةٍ ساكنةٍ- يجوز أن تُدَيَّر بحركةِ ما قبلها فَتُبْدَلَ حرفاً/ مجانساً نحو: راس وبير ويُؤمن، فإن اتَّفق أن يكونَ قبلها همزةٌ أخرى وَجَبَ البدلُ نحو إيمان وآمن.
و يُقيمون عطفٌ على يُؤمنون فهو صلةٌ وعائدٌ.
وأصلُه يُؤَقْوِمُونَ حُذفت همزةُ أَفْعَل لوقوعها بعد حرفِ المضارَعة كما تقدَّم فصار يُقْوِمون، فاستُثْقِلَتْ الكسرةُ على الواوِ فَفُعِل فيه ما فُعِل في مستقيم ، وقد تقدَّم في الفاتحة.
ومعنى يُقيمون: يُدِيمون أو يُظْهِرون، قال الشاعر: 113 - أَقَمْنا لأهلِ العِراقَيْنِ سوقَ ال ... طِعانِ فخاموا وولَّوْا جميعاً وقال آخر: 114 - وإذا يُقال أتيتُمُ لم يَبْرحوا ... حتى تقيمَ الخيلُ سوقَ طِعانِو الصلاةَ مفعول به ووزنُها: فَعَلَة، ولامها واو لقولهم: صَلَوات، وإنما تحرَّكت الواوُ وانفتحَ ما قبلها فقُلِبت ألفاً، واشتقاقُها من الصَّلَوَيْنِ وهما: عِرقانِ في الوِرْكين مفترقانِ من الصَّلا وهو عِرْقٌ مستبطِنٌ في الظهر منه يتفرَّق الصَّلَوان عندَ عَجْب الذَّنْب، وذلك أن المصلِّي يحرِّك صَلَوَيْه، ومنه المُصَلِّي في حَلْبة السباق لمجيئِه ثانياً عند صَلَوَي السابق.
والصلاةُ لغةً: الدعاءُ، قال: 115 - تقول بِنْتي وقد قَرَّبْتُ مُرْتَحَلا ... يا ربِّ جَنِّبْ أبي الأَوْصَابَ والوَجَعا عليكِ مثلُ الذي صَلَّيْتِ فاغتمضي ... يوماً فإنَّ لجَنْبِ المَرْءِ مُضطجَعَا أي: مثلُ الذي دَعَوْتِ، ومثلُه: 116 - لها حارِسٌ لا يَبْرَحُ الدهرَ بيتَها ... وإن ذُبِحَتْ صَلَّى عليها وَزَمْزَما وفي الشرع: هذه العبادةُ المعروفة، وقيل: هي مأخوذةٌ من اللزوم، ومنه: صَلِيَ بالنار أي لَزِمَها، [قال] : 117 - لم أَكُنْ مِنْ جُناتِها عَلِمَ الل ... هُ وإني بحَرِّها اليومَ صالي وقيل: من صَلَيْتُ العودَ بالنار أي قوَّمْتُه بالصِّلاء وهو حَرُّ النار، إذا فَتَحْتَ قَصَرْتَ وإن كَسَرْتَ مَدَدْتَ، كأنَّ المُصَلِّي يُقَوِّم نفسه، قال: 118 - فلا تَعْجَلْ بأمرِكَ واستَدِمْهُ ... فما صلى عَصاكَ كمُسْتديمِ ذكر ذلك جماعةٌ أَجِلَّة وهو مُشْكِلٌ، فإن الصلاة مِنْ ذواتِ الواوِ وهذا من الياء.
و {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ} جارٌّ ومجرور متعلِّق ب يُنْفِقون ، و ينفقون معطوفٌ على الصلة قبله، و ما المجرورةُ تحتمل ثلاثة أوجهٍ، أحدُها: أنْ تكونَ اسماً بمعنى الذي، ورزقناهم صلتُها، والعائدُ محذوفٌ، قال أبو البقاء: تقديره: رزقناهموه أو رزقناهم إياه ، وعلى كل واحد من هذين التقديرين إشْكالٌ، لأنَّ تقديرَه متصلاً يلزم منه اتصال الضمير مع اتحاد الرتبة، وهو واجبُ الانفصال، وتقديرُه منفصلاً يمنع حذفَه؛ لأنَّ العائدَ متى كان منفصلاً امتنع حَذْفُه، نصُّوا عليه، وعَلَّلوه بأنه لم يُفْصَلْ إلا لِغَرضٍ، وإذا حُذِفَ فاتَتِ الدلالةُ على ذلك الغرضِ.
ويمكن أن يُجاب عن الأولِ بأنه لمَّا اختلَفَ الضميران جَمْعاً وإفراداً وإن اتَّحدا رتبةً جاز اتصالُه، ويكون كقوله: 119 - وقد جَعَلَتْ نفسي تَطيبُ لِضَغمَةٍ ... لِضَغْمِهماها يَقْرَعُ العظمَ نَابُها وأيضاً فإنه لا يلزمُ مِنْ مَنْعِ ذلك ملفوظاً به مَنْعُه مقدَّراً لزَوالِ القُبْح اللفظي.
وعن الثاني بأنه إنما يُمنع لأجلِ اللَّبْس الحاصلِ ولا لَبْسَ هنا.
الثاني: يجوز أن يكونَ نكرةً موصوفةً، والكلامُ في عائِدها كالكلامِ في عائِدها موصولةً تقديراً واعتراضاً وجواباً.
الثالث: أن تكونَ مصدريةً، ويكونُ المصدرُ واقعاً موقعَ المفعول أي: مرزوقاً، وقد مَنَع أبو البقاء هذا الوجهَ قال: لأنَّ الفِعْلَ لا يُنْفَقُ من أنَّ المصدر مرادٌ به المفعولُ.
والرزقُ لغةً: العطاءُ، وهو مصدرٌ، قال تعالى: {وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً} [النحل: 75] ، وقال الشاعر: 120 - رُزِقْتَ مالاً ولم تُرْزَقْ منافِعَه ... إنَّ الشقيَّ هو المَحْرُوم ما رُزِقا وقيل: يجوز أن يكونَ فِعلاً بمعنى مَفْعول نحو: ذِبْح ورِعْي، بمعنى مذبوح وَمَرْعِيّ.
وقيل: الرزق بالفتح مصدرٌ، وبالكسر اسم، وهو في لغة أزد شنوءة الشكر ومنه: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82] وسيأتي في موضعه ، ونفق الشيء نَفِد، وكلُّ ما جاء ممَّا فاؤُه نونٌ وعينُه فاءٌ فدالٌ على معنى الخروج والذهاب ونحو ذلك إذا تأمَّلت، قال الزمخشري، وهو كما قال نحو: نَفِد نَفَق نَفَر نَفَذ نَفَس نَفَش نَفَثَ نفح نفخ نَفَضَ نَفَل، وَنَفق الشيءُ بالبيع نَفَاقاً ونَفَقَت الدابَّةُ: ماتَتْ نُفوقاً: والنفقَةُ: اسمُ المُنْفَق.
و مِنْ هنا لابتداء الغاية، وقيل: للتبعيض، ولها معانٍ أُخر: بيانُ الجنس: {فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان} [الحج: 30] ، والتعليل: {يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ في آذَانِهِم مِّنَ الصواعق} [البقرة: 19] ، والبدلُ: {بالحياة الدنيا مِنَ الآخرة} [التوبة: 38] ، والمجاوزةُ: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ} [آل عمران: 121] ، وانتهاء الغاية قريبٌ منه، والاستعلاءُ: {وَنَصَرْنَاهُمِنَ القوم} [الأنبياء: 77] ، والفصلُ: {يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح} [البقرة: 220] ، وموافقةُ الباءِ وفي: {يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ} [الشورى: 45] ، {مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض} [فاطر: 40] ، والزيادةُ باطِّراد، وذلك بشرطين: كون المجرورِ نكرةً والكلامِ غيرَ موجَبٍ، واشترط الكوفيون التنكيرَ فقط، ولم يَشْترط الخفشُ شيئاً.
والهمزةُ في أَنْفَقَ للتعدية، وحُذِفَتْ من ينفقون لِما تقدَّم في {يُؤْمِنُونَ} [البقرة: 3] .
لَا بُدَّ لِلْجَارِ مِنَ التَّعَلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعْنَاهُ نَحْوِ مُرْتَقِي
لأن الجار والمجرور معمول وبمنزلة المفعول به فلا بد له من عامل، لماذا قدرناه فعلا متأخرا؟قوله تعالى: {الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب ... } (قال ابن عرفة): الغيب ما (لم) يَنصبّ عليه دليل (فَمِنَ) الناس من أجاز النظر في علم النجوم وعلم الهيئة والكسوفات.
وقال أبو العز المقترح في عقيدته: أجمعوا على أن النظر في علم الهيئة محرم.
قال ابن عرفة: إنما ذلك إذا نظر (فيه) للحكم، أما إذا (نظره) ليعلم الكواكب (والنجوم) فجائز، لكن الاشتغال بالعبادة وتعلّم ما ينفعه أولى.
قوله تعالى: {وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.
{الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3)}
{يُؤْمِنُونَ} يصدقون أو يخشون الغيب، أصل الإيمان التصديق {وَمَآ أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ} [يوسف: 17] أو الأمان، فالمؤمن يؤمن نفسه بإيمانه من العذاب، والله تعالى مؤمِّن لأوليائه من عذابه، أو الطمأنينة، فالمصدق بالخبر مطمئن إليه، ويُطلق الإيمان على اجتناب الكبائر، وعلى كل خَصلة من الفرائض، وعلى كل طاعة. {بِالْغَيْبِ} بالله، أو ما جاء من عند الله، أو القرآن، أو البعث والجنة والنار، أو الوحي. {وَيُقِيمُونَ} يديمون، كل شيء راتب قائم، وفاعله يقيم، ومنه فلان يقيم أرزاق الجند، أو يعبدون الله بها، إقامتها: أداؤها بفروضها، أو إتمام ركوعها وسجودها وتلاوتها وخشوعها «ع»، سُمي ذلك إقامة لها من تقويم الشيء، قام بالأمر أحكمه، وحافظ عليه، أو سمى فعلها إقامة لها لاشتمالها على القيام. {رَزَقْنَاهُمْ} أصل الرزق الحظ، فكان ما جعله حظاً من عطائه رزقاً. {يُنفِقُونَ} وأصل الإنفاق الإخراج، نفقت الدابة خرجت روحها، والمراد الزكاة «ع»، أو نفقة الأهل، أو التطوع بالنفقة فيما يقرب إلى الله تعالى. نزلت هاتان الآيتان في مؤمني العرب خاصة، واللتان بعدهما في أهل الكتاب «ع»، أو نزلت الأربع في مؤمني أهل الكتاب، أو نزلت الأربع في جميع المؤمنين، فتكون الأربع في المؤمنين، وآيتان بعدهن في الكافرين، وثلاث عشرة في المنافقين.
[سورة البقرة (2) : آية 3]
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (3)
الإيضاح
(الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) الإيمان تصديق جازم يقترن بإذعان النفس واستسلامها.
وأمارته العمل بما يقتضيه الإيمان، وهو يختلف باختلاف مراتب المؤمنين فى اليقين.
والغيب ما غاب عنهم علمه كذات الله وملائكته والدار الآخرة وما فيها من البعث والنشور والحساب.
والإيمان بالغيب هو اعتقاد بموجود وراء المحسّات متى أرشد إليه الدليل أو الوجدان السليم، ومن يعتقد بهذا يسهل عليه التصديق بوجود خالق للسموات والأرض منزه عن المادة وتوابعها، وإذا وصف له الرسول العوالم التي استأثر الله بعلمها كعالم الملائكة، أو وصف له اليوم الآخر لم يصعب عليه التصديق به بعد أن يستيقن صدق النبي الذي جاء به.
أما من لا يعرف إلا ما يدركه الحس فإنه يصعب إقناعه، وقلما تجد الدعوة إلى الحق من نفسه سبيلا.
(وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) الصلاة فى اللغة الدعاء كما قال تعالى: (وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) ودعاء المعبود بالقول أو بالفعل أو بكليهما يشعر العابد بالحاجة إليه استدرارا للنعمة أو دفعا للنقمة.
والصلاة على النحو الذي شرعه الإسلام من أفضل ما يعبّر عن الشعور بعظمة المعبود وشديد الحاجة إليه لو أقيمت على وجهها.
أما إذا خلت من الخشوع والخضوع فإنها تكون صلاة لا روح فيها، وإن كانت قد وجدت صورتها وهى الكيفيات المخصوصة ولا يقال للمصلى حينئذ إنه امتثل أمر ربه فأقام الصلاة، لأن الإقامة مأخوذة من أقام العود إذا سواه وأزال اعوجاجه، فلا بد فيها من حضور القلب فى جميع أجزائها واستشعار الخشية ومراقبة الخالق كأنك تنظر إليه كما
ورد فى الحديث اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .
ولما للصلاة من خطر فى تهذيب النفوس والسموّ بها إلى الملكوت الأعلى أبان الله تعالى عظيم آثارها بقوله: (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ) وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماد الدين
فقال: الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام .
وقد أمر الله بإقامتها بقوله: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) وبالمحافظة عليها وإدامتها بقوله:
(الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ) وبأدائها فى أوقاتها بقوله: (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً) وبأدائها فى جماعة بقوله: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) وبالخشوع فيها بقوله: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) .
(وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ) الرزق فى اللغة العطاء، ثم شاع استعماله فيما ينتفع به الحيوان وجمهرة المسلمين على أن كل ما ينتفع به حلالا كان أو حراما فهو رزق، وخصه جماعة بالحلال فقط.
والإنفاق والإنفاد أخوان، خلا أن فى الثاني معنى الإذهاب التام دون الأول، والمراد بالإنفاق هنا ما يشمل النقمة الواجبة على الأهل والولد وذوى القربى، وصدقة التطوع.
وفى قوله: مما رزقناهم إيماء إلى أن النفقة المشروعة تكون بعض ما يملك الإنسان،لا كل ما يملك، وإلى تعليم الإنسان مبادئ الاقتصاد وحبّ ادّخار المال.
وإن من يجد فى نفسه ميلا إلى بذل أحب الأشياء إليه، وهو ماله ابتغاء رضوان الله، وقياما بشكره على أنعمه، رحمة لأهل البؤس والعوز- كان من المتقين المستعدين لهدى القرآن، وكثير من الناس يصلون ويصومون، ولكن إذا عرض لهم ما يدعو إلى إنفاق شىء من المال فى سبيل الله، كأن تدعو الحاجة إلى إنفاقه في مصلحة من مصالح المسلمين أو منفعة عامة لا تقوم إلا بالبذل- أعرضوا ونأوا ولم تطاوعهم أنفسهم على بذل شىء منه.
وإنما كان القرآن هدى للمتقين الذين هذه أوصافهم، لأن الإيمان بالله والإيمان بحياة أخرى بعد هذه الحياة يوفّى فيها كل عامل جزاء عمله- يهيّئ النفوس لقبول هديه والاقتباس من أنواره.
وبين ذلك بعضهم بقوله: لأن فى الإيمان النجاة، وفى الصلاة المناجاة، وفى لإنفاق زيادة الدرجات، وبعضهم بقوله: لأن فى الإيمان البشارة، وفى الصلاة الكفارة، وفى الإنفاق الطهارة.
... ... ... ... ∗∗∗ "يا ربِّ جَنِّب أَبي الأوصَابَ والْوَجَعَا.
عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ∗∗∗ نوماً فإن لجنب المرء مضطجعاً.
أي: دعوت.وقامَتِ الحَرْبُ بِنا عَلى ساقِ
وقالَ آخَرُ:وإذا يُقالُ أقِيمُوا لَمْ تَبْرَحُوا ∗∗∗ حَتّى تُقِيمَ الخَيْلُ سُوقَ طِعانِ
وإقامَةُ الصَّلاةِ أداؤُها بِأرْكانِها وسُنَنِها وهَيْئاتِها في أوْقاتِها.وقابَلَها الرِّيحُ في دَنِّها وصَلّى عَلى دَنِّها وارْتَسَمْ
وثانِيها: قالَ الخارْزَنْجِيُّ: اشْتِقاقُها مِنَ الصَّلى، وهي النّارُ، مِن قَوْلِهِمْ: صَلَيْتُ العَصا إذا قَوَّمْتُها بِالصَّلى، فالمُصَلِّي كَأنَّهُ يَسْعى في تَعْدِيلِ باطِنِهِ وظاهِرِهِ مِثْلَ مَن يُحاوِلُ تَقْوِيمَ الخَشَبَةِ بِعَرْضِها عَلى النّارِ.1 - (الم).
تشبه:
آل عمران - 1، 2 (الم، اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ).
العنكبوت - 1، 2 (الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ).
الروم - 1، 2 (الم، غُلِبَتْ الرُّومُ).
لقمان - 1، 2 (الم، تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ).
السجدة - 1، 2 (الم، تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
ملاحظة:
تكررت هذه الآية (الم). فى أوائل ست سور فهى من المتشابه لفظا، وذهب مقاتل بن حيان فى تفسير قوله تعالى (وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ). أنها هي هذه الحروف المقطعة الواقعة في أوائل السور فهي أيضا من المتشابه لفظا ومعنى. وزاد فى الأعراف صادا (المص).، وفى الرعد راء (المر).
2 - (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ).
تشبه:
23 - (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا).
ملاحظة:
لا تعارض بين الآيتين، لأن الآية الأولى معناها لا ريب في القرآن لمن نظر في أدلته الواضحة، والريب في الآية الثانية من عدم نظر المشركين في أدلة صحته. أو أن الآية الأولى نفي بمعنى النهي، أي لا ترتابوا فيه أنه من عند الله تعالى، ونظيره قوله تعالى (وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا).
2 - (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ).
تشبه:
لقمان - 3 (هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ).
ملاحظة:
لما ذكر في فواتح البقرة مجموع الإيمان فناسب وصف القرآن بأنه (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) وفي لقمان ذكر الرحمة فناسبت المحسنين.
3 - (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ).
تشبه:
النمل - 65 (قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلاّ اللَّهُ).
ملاحظة:
إذا قال قائل: كيف يؤمن بالغيب من لا يعلمه، فجوابه أن الغيب المراد هو الذي دل البرهان على صحته ووجوده كالقيامة والجنة والنار.