هَمَّ فَجْرُ الحَيَاةِ بِالإِدْبَارِ
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| هَمَّ فَجْرُ الحَيَاةِ بِالإِدْبَارِ | فَإِذَا مَرَّ فهْيَ فِي الآثَارِ |
| وَالصَّبا كَالكرَى نَعِيمٌ وَلَكِنْ | يَنْقَضِي وَالفَتَى غَيْرُ دَارِي |
| يغْنَمُ المَرْءُ عَيْشَهُ فِي صِبَاهُ | فَإِذَا بَانَ عَاشَ بِالتِّذْكَارِ |
| إِيهِ آثَارَ بَعْلَبَكَّ سَلاَمٌ | بَعْدَ طولِ النَّوَى وَبُعْدِ المَزَارِ |
| وَوُقِيتِ العَفَاءَ مِنْ عَرَصَاتٍ | مُقْوِيَاتٍ أَوَاهِلٍ بِالفَخَارِ |
| ذَكَرِيني طُفُولَتِي وَأَعِيدِي | رَسْمَ عَهْدٍ عَنْ أَعْيُنِي مُتَوَارِي |
| مُسْتَطَابِ الحَالَيْنِ صَفْواً وَشَجْواً | مُسْتَحَبٍ فِي النَّفْعِ وَالإِضْرَارِ |
| يَومَ أَمْشِي عَلَى الطُّلُولِ السْوَاجِي | لا افْتِرَارٌ فِيهِنَّ إِلاَّ افْتِرَارِي |
| نَزِقاً بَيْنَهُنَّ غِرّاً لَعُوباً | لاَهِياً عَنْ تَبَصُّرٍ واعْتِبَارِ |
| مُسْتَقِلاًّ عَظِيمَهَا مُسْتَخِفّاً | مَا بِهَا مِنْ مَهَابَةٍ وَوَقارِ |
| يَوْمَ أَخْلو بِهِنْدَ تَلْهُو وَنَزْهُو | وَالهَوَى بَيْنَنَا أَلِيفٌ مُجَارِي |
| كَفَرَاشِ الرَّيَاضِ إِذْ يَتَبَارَى | مَرَحاً مَا لَهُ مِنِ اسْتِقْرَارِ |
| نَلْتَقِي تَارَةً وَنَشْرُدُ أُخْرَى | كُلُّ تِرْبٍ فِي مَخْبَإٍ مُتَدَارِي |
| فإِذا البُعْدُ طالَ طَرْفةَ عَيْنٍ | حَثَّنا الشَّوْق مُؤْذِناً بِالبِدَارِ |
| وَعِدَادَ اللِّحَاظِ نَصْفُو وَنشْقى | بِجِوارٍ فَفُرْقةٍ فَجِوَارِ |
| لَيْسَ فِي الدَّهْرِ مَحْضُ سَعْدٍ وَلَكِنْ | تَلِدُ السَّعْدَ مِحْنَةُ الأَكْدَارِ |
| كُلَّمَا نَلْتَقِي اعْتَنَقْنَا كَأَنَّا | جِدُّ سَفْرٍ عَادُوا مِنَ الأسْفَارِ |
| قُبُلاَتٌ عَلَى عَفَافٍ تُحَاكِي | قُبُلاَتِ الأَنْدَاءِ وَالأَسْحَارِ |
| وَاشْتِبَاكٌ كَضَمِّ غُصْنٍ أَخَاهُ | وَكَلَثْمِ النُّوَّارِ لِلنُّوَّارِ |
| قَلْبُنَا طَاهِرٌ وَلَيْسَ خَليِّاً | أَطْهَرُ الحُبِّ فِي قُلوبِ الصِّغَارِ |
| كَان ذَاكَ الهَوَى سَلاَماً وَبَرْداً | فَاغْتدَى حِينَ شبَّ جَذْوَةَ نَارِ |
| حَبَّذَا هِنْدُ ذِلكَ العَهْدُ لَكِنْ | كُلُّ شَيءٍ إِلَى الرَّدَى وَالبَوَارِ |
| هَدَّ عَزْمِي النَّوَى وَقَوَّضَ جِسْمِي | فَدَمَارٌ يَمْشِي بِدَارِ دَمَارِ |
| خِرَبٌ حَارَتِ الْبَرِيَّةُ فِيهَا | فتْنة السَّامِعِينَ وَالنُّظارِ |
| مُعْجِزَاتٌ مِنَ البِنَاءِ كِبَارٌ | لأُنَاسٍ مِلْءَ الزَّمَانِ كِبَارِ |
| أَلْبَسَتْهَا الشُّموسُ تَفْوِيفَ دُرٍ | وَعَقِيقٍ عَلَى رِدَاءِ نُضَارِ |
| وَتَحَلَّتْ مِنَ اللَّيالِي بِشَامَا | تٍ كَتَنْقِيطِ عَنْبَرٍ فِي بَهَارِ |
| وَسَقاهَا النَّدَى رَشَاشَ دُمُوعٍ | شَرِبَتْهَا ظَوَامِيءَ الأَنْوَارِ |
| زَادَهَا الشَّيْبُ حُرْمَةً وَجَلاَلاً | تَوَّجَتْهَا بِهِ يَدُ الأَعْصَارِ |
| رُبَّ شَيْبٍ أَتَمَّ حُسْناً وَأَوْلَى | وَاهِنَ العَزْمِ صَوْلَةَ الْجَبَّارِ |
| مَعْبَدٌ لِلأَسْرَارِ قَامَ وَلَكِنْ | صُنْعُهُ كَانَ أَعْظَمَ الأَسْرَارِ |
| مِثَّلَ القَوْمُ كُلَّ شَيءٍ عَجِيبٍ | فِيهِ تَمْثِيلَ حِكْمَةٍ وَاقْتِدَارِ |
| صَنَعُوا مِنْ جَمَادِهِ ثَمَراً يُجْنَى | وَلَكِنْ بِالعَقْلِ وَالأَبْصَارِ |
| وَضُرُوباً مِنْ كُلِّ زَهْرٍ أَنِيقٍ | لَمْ تَفُتْهَا نَضَارَةُ الأَزْهَارِ |
| وَشُمُوساً مُضِيئَةً وَشِعَاعاً | بَاهِرَاتٍ لَكِنَّهَا مِنْ حِجَارِ |
| وَطُيُوراً ذَوَاهِباً آيِبَاتٍ | خَالِدَاتِ الغَدُوِّ وَالإِبْكَارِ |
| فِي جِنَانٍ مُعَلَّقَاتٍ زَوَاهٍ | بِصُنُوفِ النُّجُومِ وَالأَنْوَارِ |
| وَأُسُوداً يُخْشَى التَّحَفزُ مِنْهَا | وَيَرُوعُ السَّكُوتُ كَالتَّزْآرِ |
| عَابِسَاتِ الوُجُوهِ غَيْرَ غِضَابٍ | بَادِيَاتِ الأَنْيَابِ غَيْرَ ضَوَارِي |
| فِي عَرَانِينِهَا دُخَانٌ مُثَارٌ | وَبِأَلْحَاظِهَا سُيُولُ شَرَارِ |
| تِلْكَ آيَاتُهُمْ وَمَا بَرِحَتْ فِي | كُلِّ آنٍ رَوَائِعَ الزُّوَّارِ |
| ضَمَّهَا كُلَّهَا بَدِيعُ نِظَامٍ | دَقَّ حَتَّى كَأَنَّهَا فِي انْتِثَارِ |
| فِي مَقَامٍ لِلحُسْنِ يُعْبَدُ بَعْدَ | العَقْلِ فِيهِ وَالعَقْلُ بَعْدَ الْبَارِي |
| مُنْتَهَى مَا يُجَادُ رَسْماً وَأَبْهَى | مَا تَحُجُّ الْقُلُوبُ فِي الأَنْظَارِ |
| أَهْلَ فِينيقِيا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ | يَوْمَ تَفْنَى بَقِيَّةُ الأَدْهَارِ |
| لَكُمُ الأَرْضُ خَالِدِينَ عَلَيْهَا | بِعَظِيمِ الأَعْمَالِ وَالآثَارِ |
| خُضْتُمُ البَحْرَ يَوْمَ كَانَ عَصِيّاً | لَمْ يُسَخَّرْ لِقُوَّةٍ مِنْ بُخَارِ |
| وَرَكِبْتُمْ مِنْهُ جَوَاداً حَرُوناً | قَلِقاً بِالمُمَرَّسِ المِغْوَارِ |
| إِنْ تَمَادَى عَدْواً بِهِمْ كَبَحُوهُ | وَأَقَالُوهُ إِنْ كَبَا مِنْ عِثَارِ |
| وَإِذَا مَا طَغَى بِهِمْ أَوْشَكُوا أَنْ | يَأْخُذُوا لاَعبِينَ بِالأَقْمَارِ |
| غَيْرُ صَعْبٍ تَخْلِيدُ ذِكْرٍ عَلَى الأَرْ | ضِ لِمَنْ خَلَّدُوهُ فَوْقَ البِحَارِ |
| شَيَّدُوهَا لِلشَّمْسِ دَارَ صَلاَةٍ | وَأَتَمِّ الرُّومَانُ حَلْيَ الدَّارِ |
| هُمْ دُعَاةُ الفَلاَحِ فِي ذلِكَ | العَصْرِ وَأَهْلُ العُمْرَانِ فِي الأَمْصَارِ |
| نَحَتُوا الرَّاسِيَاتِ تَحْتَ صُخُورٍ | وَأَبَانُوا دَقَائِقَ الأَفْكَارِ |
| وَأَجَادُوا الدمَى فَجَازَ عَلَيْهِمْ | أَنَّهَا الآمِرَاتُ فِي الأَقْدَارِ |
| سَجَدُوا لِلَّذِي هُمُ صَنَعُوهُ | سَجَدَاتِ الإِجْلاَلِ وَالإِكْبَارِ |
| بَعْدَ هَذَا أَغَايَةٌ فَتُرَجَّى | لِتَمَامٍ أَمْ مَطْمَعٌ فِي افْتِخارِ |
| نَظَرَتْ هِنْدُ حُسْنَهُنَّ فَغَارَتْ | أَنْتِ أَبْهَى يَا هِنْدُ مِنْ أَنْ تَغَارِي |
| كُلُّ هَذِي الدُّمَى الَّتِي عَبَدُوهَا | لَكِ يَا رَبَّةَ الجَمَالِ جَوَارِي |