تَرَحَّلتْ عَنْ زَمَنِي عَائِداً
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| تَرَحَّلتْ عَنْ زَمَنِي عَائِداً | خِلاَلَ القُرُونِ إِلىَ مَا وَرَاءْ |
| وَمَا طِيَّتِي غَيْرَ أَنِّي وَقَفْ | تُ بآثَارِ فَنٍّ عَدَاهَا الفَنَاءْ |
| هَيَاكِلُ شَيَّدَهَا لِلخُلُو | دِ نُبُوغُ جَبَابِرَةٍ أَقْوِيَاءْ |
| فَجِسْمِيَ فِي دَهْرِهِ مَاكِثٌ | وَقَلْبِيَ فِي أَوَّلِ الدَّهْرِ نَاءْ |
| أَجَلْتُ بِتِلْكَ الرُّسُومِ لِحَاظاً | يُغَالِبُ فِيهَا السُّرُورَ البُكَاءْ |
| فَمَا ارْتَهَنَ الطَّرفَ إِلاَّ مِثَالٌ | عَتِيقُ الجَمَالِ جَدِيدُ الرُّوَاءْ |
| مِثَالٌ لإِيزِيسَ فِي صَلْدِهِ | تُحَسُّ الحَيَاةُ وَتَجْرِي الدِّمَاءْ |
| يَرُوعُكَ مِنْ عِطْفِهِ لِينُهُ | وَيُرْوِيكَ مِنْ رَوْنَقِ الوَجْهِ مَاءْ |
| بِهِ فُجِرَ الحُسْنُ مِنْ مَنْبِعٍ | فَيَا عَجَباً لِلرِّمَالِ الظِّمَاءْ |
| فتون الدَّلاَلِ وَرَدْعُ الجَلاَلِ | وَأَمْرُ الحَيَاةِ وَنَهْيُ الحَيَاءْ |
| فَأَدْرَكْتُ كَيْفَ اسْتَبَتْ عَابِدِيهَا | بِسِحْرِ الجَمَالِ وَسِرِّ الذَّكَاءْ |
| وَبَثِّ العُيُونِ شُعَاعَ النُّهَى | يُبِيحُ السَّرائِرَ مِنْ كُلِّ رَاءْ |
| لَقَدْ غَبَرَتْ حِقَبٌ لاَ تُعَدُّ | يِدُولُ النَّعِيمُ بِهَا وَالشَّقَاءْ |
| تَزُولُ البِلاَدُ وَتَفْنَى العِبَادُ | وَإِيزِيسُ تَزْهُو بِغَيْرِ ازْدِهَاءْ |
| إِذَا انْتَابَهَا الدَّهْرُ مَا زَادَهَا | وَقَدْ حَسَرَ المَوْجُ إِلاَّ جَلاَءْ |
| لَبِثْتُ أُفَكِّرُ فِي شَأْنِهَا | مُطِيفاً بِهَا هَائِماً فِي العَرَاءْ |
| فَلَمَّا بَرَانِيَ حَرُّ الضُّحَى | وَأَدْرَكَنِي فِي الطَّوَافِ العَيَاءْ |
| أَوَيْتُ إلَى السَّمْحِ مِنْ ظِلِّهَا | وَفِي ظِلِّهَا الرَّوْحُ لِي وَالشِّفَاءْ |
| يَجُولُ بِيَ الفِكْرُ كُلَّ مَجَالٍ | إِذا أَقْعَدَ الجِسْمَ فَرْطُ العَنَاءْ |
| فَمَا أَنَا إِلاَّ وَتِلْكَ الإِلهَةُ | ذَاتُ الجَلاَلَةِ وَالكِبْرِيَاءْ |
| قَدِ اهْتَزَّ جَانِبُهَا وَانْتَحَتْ | تَخَطَّرُ بَيْنَ السَّنَى وَالسَّنَاءْ |
| وَتَرمُقُنِي بِالعُيُونِ الَّتِي | تَفِيضُ مَحَاجِرُهَا بِالضِّيَاءْ |
| بِتِلْكَ العُيُونِ الَّتِي لمْ تَزَلْ | يُدَانُ لِعِزَّتهَا مِنْ إِبْاءْ |
| فَمَا فِي المُلُوكِ سِوَى أَعْبُدٍ | وَمَا فِي المَلِيكَاتِ إِلاَّ إِمَاءْ |
| وَقَالتْ بِذاكَ الفَمِ الكَوْثَرِيِّ | الَّذِي رَصَّعَتْهُ نُجُومُ السَّمَاءْ |
| أَيَا نَاشِدَ الحُسْنِ فِي كُلِّ فَنٍّ | رَصِينِ المَعَانِي مَكِينِ البِنَاءْ |
| لَقَدْ جِئْتَ مِنْ آهِلاَتِ الدِّيَار | ِ تَحُجُّ الجَمَالَ بِهذَا العَرَاءْ |
| فَلاَ يُوحِشَنِّكَ فَقْدُ أَنِيسٍ | سِوَى الذِّكْرِ يَعْمُرُ هذَا الخَلاَءْ |
| وَإِنَّ الرُّسُومَ لَحَالٌ تَحُولُ | وَلِلْحُسْنِ دُونَ الرُّسُومِ البَقَاءْ |
| لَهُ صُوَرٌ أَبَداً تَسْتَجِدُّ | وَجَوْهَرُهُ أَبَداً فِي صَفاءْ |
| بِكُلِّ زَمَانٍ وَكُلِّ مَكَانٍ | يُنَوَّعُ فِي الشَّكْلِ لِلأَتْقِياءْ |
| فَلَيْسَ القَدِيمُ وَلَيْسَ الحَدِيثُ | لَدَى قُدْرَةِ اللهِ إِلاَّ سَوَاءْ |
| رَفَعْتُ لَكَ الحُجُبَ المُسْدَلاَتِ | وَأَبْرَحْتُ عَنْ نَاظِرَيْكَ الخَفَاءْ |
| تَيَمَّمْ بِفِكْرِكَ أَرْضاً لَنَا | بِهَا صِلَةٌ مِنْ قَدِيمِ الإِخَاءْ |
| بِلاَدَ الشَّآمِ الَّتِي لَمْ تَزَلْ | بِلاَدَ النَّوَابِغِ وَالأَنْبِياءْ |
| فَفِي سَفْحِ لُبْنَانَ حُورِيَّةٌ | تَفَنَّنَ مُبْدِعُهَا مَا يَشَاءْ |
| إِذَا مَا بَدَتْ مِنْ خِبَاءِ العَفَافِ | كَمَا تَتَجَلَّى صَبَاحاً ذُكَاءْ |
| تَبَيَّنْتَهَا وَهْيَ لِي صُوَرةٌ | أُعِيدَتْ إلىَ الخَلْقِ بَعْدَ العَفَاءْ |
| فَتَعْرِفُهَا وَبِهَا حِلْيَتَايَ | سِحْرُ الجَمَالِ وَسرُّ الذَّكَاءْ |