شَرِبتُ كأسي أمام نفسي
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| شَرِبتُ كأسي أمام نفسي | وقلتُ يا نفسُ ما المَرام |
| حياةُ شَكٍّ وموتُ شكٍّ | فلنَغمُرِ الشَكَّ بالمُدام |
| آمالُنا شَعشَعت فغابت | كالآلِ أبقى لنا الأوام |
| لا بأس ليس الحياةُ إلّا | مَرحَلةٌ بَدوَّها خِتام |
| إِن هبَّت الريحُ من جَنوبٍ | يَهُبُّ حُزني من الشَّمال |
| وكلُّ ريحٍ لها سُكونٌ | إلّا الأسى هاجَه المَلال |
| يَئِنُّ قلبي على حبيبي | ولا حَبيبٌ إِلّا الخَيال |
| يا نفسُ صَبراً على البَلايا | فكلُّ شيءٍ إلى زَوال |
| أخَذتُ نفسي إلى طَبيبي | وقلتُ يا طَبُّ ما العِلاج |
| فراحَ يأسو سَقامَ جِسمي | ويحسِبُ الداءَ في المِزاج |
| فقلتُ يا صاحِ جَفَّ زَيتي | فَباطلاً تجبُرُ السِّراج |
| اذا خَبا النُورُ في الدَرارِي | فما تُرى يَنفَعُ الزُجاج |
| وسِرتُ والقَلبَ في اصطحاب | نَقفو هَوىً مرَّ في العَجاج |
| أنا وعيني نَطيرُ شَوقاً | نَسيرُ رَكضاً بلا انزِعاج |
| والقلبُ حافٍ يَمشي الهُوَينا | على شَظايا من الزُجاج |
| طلبتُ قلبي فلم أجِدهُ | أماتَ أم ضلَّ في الفُجاج |
| وعُدتُ نحو الوَرى فَريداً | يسوقُني العقلُ بالسِياط |
| فصحتُ يا ناسُ ماتَ قلبي | طفلاً وما زال في القِماط |
| هل تَقبَلوني بلا فؤادٍ | قالوا وهل مَسَّكَ اختِلاط |
| أُنظرُ على الأرضِ كم قلوبٍ | دِيسَت لدَينا على السِراط |
| ربّاهُ ما أكثر الضَّحايا | ماتوا زِحاماً على الدُروب |
| كلُّ الوَرى مَوكبٌ مَهيبٌ | يسيرُ في مَأتمِ القلوب |
| يمشونَ والرَّمسُ في حَشاهم | والدَمُ يَجري من النُدوب |
| ما ميتَهم يُعظِمون قَدراً | بل ديةَ المَيتِ في الجُيوب |
| يا نفسُ رُحماكِ أين نَمضي | فما أمامي سِوى قُبور |
| قد سامَكِ العقلُ سَوم علجٍ | ما لا تُطِيقين من أُمور |
| فَلنتَرُكِ العقلَ حيثُ يَبغى | فليسَ للعَقلِ من شُعور |
| أَتترُكِينَ الأنامَ تَركاً | نُحرِقُ من بعدِهِ الجُسور |
| فصاحت النفسُ بي وقالت | ما لي وللناسِ والزِّحام |
| أصبتِ يا نفسُ فاتبعِيني | فليسَ كالغابِ من مَقام |
| يا غابُ جِئناكَ للتَعرِّي | أنا ونفسي ولا حَرام |
| فَليُذِعِ الغُصنُ ما يراه | منا اذا أحسنَ الكَلام |
| وقالت النفسُ لي أتدري | ما تَقصُدُ الدَوحُ بالحَفيف |
| ذا الغصنُ يَبكي على طُيورٍ | أطرَبَه شَدوُها اللَطيف |
| طارت وليست تَعودُ حتى | يَخضَرَّ من دَوحِهِ اللَفيف |
| لو أنَّ هذي الأشجارَ تَمشي | سارت إلى حيثُ لا خَرِيف |
| يا نفسُ إِنَّ الحَفيفَ لُغزٌ | تَفهَمُه الشمسُ والسَحاب |
| ما ذاك شَكوى بل ذاك نَجوى | من باطِنِ الأرضِ في التُراب |
| نَجوى أصولٍ تَحنُّ شَوقاً | إلى سوى الريّ والشَراب |
| تَهُزُّها كلَّما استَكنَّت | ذِكرى شُموسٍ بلا غِياب |
| كم دَوحةٍ لا يَبينُ منها | إلا قليلٌ من الكثير |
| فُروعُها والغصونُ جُزءٌ | بدا ولكنَّه حَقير |
| وتحتَ سطحِ الثَرى أُصولٌ | مَحجوبةٌ حَجمُها وَفِير |
| فيها حياةُ الغُصونِ لكن | لَدَى الوَرى شَأنُها صَغير |
| لو حدَّقَ المرءُ في البَرايا | لَشامَ ما لا تَرى العُيون |
| ما حولَنا عالَمٌ خَفيّ | تُدركُه الرُوحُ في السُكون |
| كَم مُبصِرٍ لا يَرى وأعمى | يَرى ويَدري الذي يَكون |
| يا وَيحَ من لا يَرَونَ شَيئاً | إِلّا اذا فتَّحوا الجُفون |