هذه الشمس آذنت بالسفور
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| هذه الشمس آذنت بالسفور | بعد سبق الآيات بالتبشير |
| فتلقى ظهورها كل حي | بنشيد التهليل والتكبير |
| هي بكر الوجود لا يتملى | مجتلاها إلا شهود البكور |
| أرأيت الصباح يكشف عنها | كلة الليل من حيال السرير |
| فتهاوى ستر الدجى وتوارى | ما عليه من لؤلؤ منثور |
| حيث الكون حين لاحت فأحيت | كل عود لها جديد نشور |
| حيثما طالعت مظنة خصب | أسفر الترب عن نبات نضير |
| وانجلى لحظها عن الزهر الغض وعذب | الجنى وطيب العبير |
| وعوالي النخيل خضر الأكاليل | زواهي المرجان حول النحور |
| برزت في الغداة غادة وادي النيل | تخفي جمالها في الحبير |
| جثلة الحاجبين فاحمة الفودين | ترنو بطرف ظبي غزير |
| عبلة المعطفين ناهضة الثديين | يزري أديمها بالحرير |
| لونها ظاهر انتساب إلى الخمر | له مثل فعلها في الصدور |
| غض من صوتها الحياء فأحبب | بحياء فيه حياة الشعور |
| أقبل الحارث المبكر يرعى | حرثه والفلاح في التبكير |
| يلتقي من يد الصباح هدايا | ليله النائم الأمين القرير |
| فارق الدار منشدا لحنه الجرار | مستمهل الخطى في المسير |
| إن دنا الهم منه أقصاه عنه | ضحك النبت أو تناغي الطيور |
| وإذا ما شكا هواه أعادت | مرضع الحقل شدوه بالخرير |
| لقيتها الأهرام مبدية من | صلف ما تكنه في الضمير |
| غرها أنها قديمة عهد | بذكاء والفخر داعي الغرور |
| فتعالت بهامها ما استطاعت | وأطالت من ظلها المنشور |
| غيرها في الجبال إن تاه عجبا | غض من عجبه جوار حفير |
| كم هوت دونها رواس فأجلت | عن ركام في مستقر حقير |
| ثمل الكرنك الوقور اصطباحا | فتراءى في الماء غير وقور |
| ومشى النور في حناياه يغزو | ما نجا من شتائت الديجور |
| وتناجت أشباح آلهة ماتوا | وفانين خلدوا بالقبور |
| وتلاقت وجوه رب ومربوب | وتالي رقى وصالي بخور |
| كل ذاك التاريخ خف عن ساق | بذكراه من قديم الدهور |
| كشف الفجر عن جنادل سود | ضمها الغمر من بنات ثبير |
| تتراءى فيها ملامح بيض | حيثما صودفت مواقع نور |
| شف منها العباب عن فحم طاف | جلته صياقل البلور |
| قام أنس الوجود يؤنسها قربا | وأعزز بمثله في القصور |
| كل صرح علا فقصر عنه | ما عليه معرة في القصور |
| لم يطل فخره القديم سوى ما | أحدثت آية الزمان الأخير |
| أرأيت الخزان ينبو به النيل | فيطغى في الجانب المغمور |
| وصل الشامخين يمنى ويسرى | وثنى البحر طاغيا كالغدير |
| كل عين منه تصب صبيبا | كالأتي المجلجل المحدور |
| يرتمي ماؤها مثيرا رشاشا | من عصافات لؤلؤ مذرور |
| وعلى منحناه قوس سحاب | تتباهى بكل لون منير |
| يا عبابا يلقي بفيض نداه | في عقيق حصباؤه من سعير |
| حبذا الدمع من عيونك يهمي | ضاحكا بين عباسات الصخور |
| وعجيب هدير مجراك لكن | رب مجد ترتيله بهدير |
| ذاك مجد النيل العظيم فأوقع | ألف صوت وغنها بزئير |
| كل هذي الآيات مبعث وحي | للنظيم المجاد أو للنثير |
| كل هذي الآيات تؤخذ عنها | رائعات التمثيل والتصوير |
| كل هذي الآيات يجمع منها | نغم الحزن أو نشيد السرور |
| معجزات في كل آن تراها | باهرات التنويع والتغيير |
| إن تلك التي تراها صباحا | نبتة كالزمرد الموشور |
| ستراها وقد تبدت عليها | هنة شبه درة في الهجير |
| وترى في الأصيل ياقوتة قانئة | اللون آذنت بالظهور |
| ترى كلما رجعت إليها | عجبا من جديدها المنظور |
| جل من أبدع الجمال أفانين | أعطى الصغير حظ الكبير |
| يأخذ الصانع الموفق منها | بالغريب المستظرف المأثور |
| فهو الفن فظنة واختيارا | وابتداعا على مثال القدير |