خلا القصر ممن كان يملأه بشرا
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| خلا القصر ممن كان يملأه بشرا | وجلل حزن روضة القصر والقصرا |
| فتى الخلق العالي وما طال عهده أعاف | اصطحاب الناس فاصطحب الزهرا |
| مشت مصر في تشييعه وتدفقت | وفود إلى الفسطاط زاخرة زخرا |
| أعاظمها خلف الجنازة خشع | يواكبهم شعب محاجره شكرى |
| كإكرامهم خير الأبوة قبله | لقد أكرموا خير البنين ومن أحرى |
| يعيدون ذكر الأصل في ذكر فرعه | وتلك لعمري سيرة تبعث الفخرا |
| أحاديثها تذكي عزائم من وعى | وتترك في الألباب من بعدها أثرا |
| إذا ما استعرنا ضوءها فكأننا | فتحنا بها للقابس المهتدي سفرا |
| حبيب نحا نحو العلى وهو يافع | ولم يثنه أن كان مسلكها وعرا |
| فاقدم إقدام الذي راض نفسه | على الصعب واعتد الشجاعة والصبرا |
| يؤثل بالروح العصامي جاهه | فإما تجنى دهره كافح الدهرا |
| عليما بأن الحي لا يدرك المنى | إذا هو لم يقتل نصاريفه خبرا |
| فآب امرأ في جيله نسج وحده | يخاف ويرجى منه ما ساء أو سرا |
| وبلغه أقصى الأماني أنه | بأخلاقه أثرى وأمواله أثرى |
| أتاحت له عقبى الجهاد إمارة | وفي بيعة الله التي شادها قرا |
| وحالفه التوفيق في العيش والردى | فطابت له الدنيا وطابت له الأخرى |
| فلما تولى وطد الله بيته | بأعقاب خير شرفوا البيت والنجرا |
| ثلاثة أقيال تمثل فيهم | أبوهم ولم يألوه حبا ولا برا |
| تراهم ففي كل ترى من أبيهم | ملامحه الغراء والشيم الزهرا |
| وكانوا مثالا للأخوة يحتذى | وقدوة من يرعى القرابة والأصرا |
| فيا للأسى أن فرق اليوم بينهم | زمان إذا ألفى وفاء رمى غدرا |
| دوى أنضر الإخوان قبل أوانه | فأية ريح صوحت عوده النضرا |
| وأودت بملء العين أروع باذخ | سما كل ند هامة وسما قدرا |
| سري من الغر الميامين نابه | به كبر حق وما يعرف الكبرا |
| همام رمى أسمى المرامي ولم يكد | طموح إلى مجد يجاريه في مجرى |
| له مرجع في أمره حكم نفسه | ومن لم يحرر نفسه لم يكن حرا |
| صبيح المحيا أريحي محبب | إلى الخلق لا كيدا يكن ولا مكرا |
| يلوح له سر النجي فراسة | ويأبى عليه النبل أن يكشف السرا |
| جهير بإلقاء الكلام مصارح | وفيما عدا إحسانه يؤثر الجهرا |
| وليس كظيم الغيظ لكنه إذا | شفاه بعتب لم يضق بأخ صدرا |
| وليس بهياب ولا متردد | إذا حدثته نفسه فنوى أمرا |
| وفي كل حال يفعل الفعل كاملا | ولا يستشير الحرص أو ينتهي حذرا |
| يرى تارة كالليث إن هيج بأسه | وآنا يرى كالغيث من رحمة ثرا |
| فما هو بالساعي إلى الشر بادئا | وما هو بالواهي إذا دفع الشرا |
| وأما أياديه فليس أقلها | وقد ذاع مما نستطيع له حصرا |
| أفي معهد للبر لم يك جهده | على قدر ما يرجى وآلاؤه تترى |
| ألم يمنح الآداب والعلم عونه | وما يبتغي من غير خالقه أجرا |
| ألم يرع شأن المستمدين رزقهم | من الكد زراعا يكونون أو تجرا |
| ألم يعط بالبذل الوجاهة حقها | وكم يتناسى الحق من أعطي الوفرا |
| تظل وفود الناس تغشى رحابه | ويسرف في الأنعام غلمانه نحرا |
| فرب الحمى يستقبل الضيف مبشرا | وروض الحمى يستقبل الضيف مغترا |
| فضائل زادتها سناء وروعة | جلائل ما يأتيه في حبه مصرا |
| إذا ما دعا داعي الحفاظ أجابه | مجيب يرى التفريط في حقه كفرا |
| سل العرب عنه من ملوك وفي لهم | وفي دين للأوطان لم يألهم نصرا |
| بنفس همام لا ترى عند نفسها | لإخفاقه عذرا وإن أبلت العذرا |
| عزاء الشقيقين الحزينين هكذا | جرى الأمر والأحجى من امتثل الأمرا |
| وغير كثير أن نرجي منهما | مآثر تبقيه بإيقائها الذكرى |
| عزاءك يا أوفى الشقيقات وارفقي | بقلب رفيق فيه أذكى الأسى جمرا |
| أما كان ذاك القلب والعقل نوره | لقلب أخيك الموئل الهادي الطهرا |
| فقيد المعالي والمروءات والندى | وحلو السجايا إن حلا العيش أو مرا |
| أتيت أمورا في الحياة كبيرة | وكان سمو النفس آيتها الكبرى |
| أتشهد هذا الجمع من صفوة الحمى | وأجفانهم تهمي وأنفاسهم حرى |
| لك الصدر قبل اليوم والقول بينهم | فقد حل رسم صامت دونك الصدرا |
| فديت صفيا أصحب العمر بعده | وما حال مفقود المنى يصحب العمرا |
| ستحيا بقلبي ما حييت فإن أمت | ستحيا بشعري ما روى الناس لي شعرا |