أنظر إلى ذاك الجدار الحاجب
مدة
قراءة القصيدة :
دقيقتان
.
| أنظر إلى ذاك الجدار الحاجب | ما السد فيما حدثوا عن مأرب |
| هو في الحديث من البناء غريبة | زان القديم جوارها بغرائب |
| إحدى العجائب في بلاد لم تزل | من مبدإ الدنيا بلاد عجائب |
| حسن الطبيعة أكملته صناعة | للنفع فيها بينات مآرب |
| شطر العقيق ففائض في جانب | مجرى الحياة وغائض في جانب |
| ألنيل خلف السد بحر غامر | لا تستقل به صغار مراكب |
| بلغ السوامق في النخيل فزينت | تيجانها صفحاته برواكب |
| والغور بين يديه مرمى شاسع | للماء في قاع كثير جنادب |
| لا تنتهي صفواؤه إلاإلى | نيل تجدد من شتيت مسارب |
| لم يحتبس نهر بسد قبله | ضخم ضخامته عريض الغارب |
| يجتاز من يعلوه نهجا نائيا | طرفاه تحمله ضخام مناكب |
| أترى هنالك في ثياب رثة | أشتات حسن جمعت في قالب |
| فلاحة جثمت بأدنى موقع | للظل من ذاك الطريق اللاحب |
| لانت معاطفها وصالت عزة | قعساء من أجفانها بقواضب |
| أدماء إلا أن كدرة عيشها | شابت وضاءة لونها بشوائب |
| هي أم طفل شق عنه طوقه | وترى نضارتها نضارة كاعب |
| طال المسير بها فأعيت فاستوت | تبغي الجمام من المسير الناصب |
| ألوت كما يلقي الضعيف بحمله | وسنى وقد يغفو ضمير اللاغب |
| وثوى ابنها ويداه ملؤهما حصى | ملساء يلعب في مكان صاقب |
| أمنت عليه والحديد حياله | كأضالع مشبوكة ورواجب |
| والجسر ممتد قويم لا تسرى | فيه مظنة خاطف أو سالب |
| لكن أبناء الجماهير ابتلوا | في الشرق من قدم بخطب حازب |
| للجهل فيهم سلطة أمارة | بالسوء غير بصيرة بعواقب |
| أودت بجيل بعد جيل منهم | لا بدع إن أودت بطفل لاعب |
| خدعته أصوات الهديرو | من كل ناحية بقلب واجب |
| مرت وكرت لا تعي وتعثرت | يمنى ويسرى بالرجاء الخائب |
| فتدافعت نحو الشفير وما لها | لون سوى لون القنوط الشاحب |
| ترنو بعين أفرغت من نورها | وتمددت أرأيت عين الهائب |
| فإذا شعاب النهر تذهب بابنها | في فجوة الوادي ضروب مذاهب |
| فاظنن بروعتها وسرعة عدوها | نحو العقيق ودمعها المتساكب |
| في ذلك الميقات أقبل يافع | بوسام كشاف وبزة طالب |
| قبل بلين الأسمر الخطي في | لون إلى صدإ المهند ضارب |
| من فتية الزمن الذين سما بهم | موفور آداب ويمن نقائب |
| وتنزهت أخلاقهم عن وصمة | بتردد مزر وجبن عائب |
| قد راض منهم كل شبل بأسه | فغدا كليث في الكريهة دارب |
| صدقت مواقفه لدى الجلى فما | دعوى الشجاعة منه دعوة كاذب |
| ذاك الفتى وافي ليروي غلة | بالنفس من عجب هنالك عاجب |
| من روعة النهر الحبيس جرت به | من مهبط عال عراض مذانب |
| وجمال ما يبدو له جنة | غناء في ذاك المكان العاشب |
| فرأى وليدا داميا متخبطا | بين المسيل وصخره المتكالب |
| شحذت جنادله له أنيابها | وتشبهت أمواجه بمخالب |
| وشجاه من أم الغريق تفجع | متدارك من موضع متقارب |
| ناهيك باليأس الشديد وقد غدا | كالنبح من جراه نحب الناحب |
| أوحى إليه قلبه من فوره | أن انتقاذ الطفل ضربة لازب |
| سرعان ما ألقى بوقر ثيابه | عنه وخف بعزم فهد واثب |
| متوغلا في الغمر ثيابه | عنه وخف بعزم فهد واثب |
| ما زال حتى استنفدت منه القوى | هل من مرد للقضاء للغالب |
| أبلى بلاء الأبسلين فلم يقع | إلا على شجب هنالك شاجب |
| ذهبت مروءته به غض الصبا | لله درك في العلى من ذاهب |
| إني أسيت على الغلام وأمه | لكن أسى متبرم أو غاضب |
| جزع على الأوطان من علل بها | وعلى ولاة الأمر فيها عاتب |
| لو عد ما فعلت جهالتنا بنا | لم يحص أكثره حساب الحاسب |
| أما الذي أبكي رداه بحرقة | وبمدمع ما عشب ليس بناضب |
| فهو الذي دعت الحمية فانبرى | متطوعا لفدى غيب شاذب |
| وشرى الحياة لغيره بحياته | والعصر عصر المستفيد الكاسب |
| هذا هو الكشاف أبدع ما يرى | في صورة من شاعر أو كاتب |
| وهل الفتي الكشاف إلا من رمى | مرمى ولم يخش اعتراض مصاعب |
| ومضى لطيفا في ابتغاء مرامه | أو غير ملو دونه بمعاطب |
| لا يستهين بعرض غانية ولا | ينسى أوان الضيم حق الشائب |
| ويكون يوم السلم خير مسالم | ويكون يوم الحرب خير محارب |
| فإذا دعا داعي الفداء فإنه | يقضيه أو يقضي شهيد الواجب |
| في ذمة المولى شهاب عاثر | تبكيه أمته بقلب ذائب |
| باق وإن هو غاب ساطع نوره | حتى يكاد يخال ليس بغائب |
| مصر تتوجه بتاج خالد | يزهو سناه على المدى المتعاقب |
| وتقول قد ثكلت سمائي كوكبا | لكن قدوته ولود كواكب |