ثم إن العلاقة الجامعة بين التوراة والإنجيل وبين القرآن الكريم، هي ثنائية التصديق والهيمنة، فالقرآن الكريم نزل مصدقا لما بين يديه من التوراة والإنجيل، وهذا يقتضي وجود شيء من الحق فيها، جاء القرآن بتصديقه، ونزل كذلك مهيمنا عليهما، وهذا يقتضي رد كل ما ورد مخالفا فيهما إلى القرآن الكريم.
كلنا يعلم أن القرآن الكريم خص به النبي صلى الله عليه وسلم، فصار له علما شخصيا، كما صارت باقي الكتب السماوية أعلاما على أصحابها نحو توراة موسى عليه السلام، وإنجيل عيسى عليه السلام وهكذا ...
ولكن هل يصح إطلاق لفظ القرآن على كتاب مفترى مزعوم، علما أن هذا اللفظ صار ( ... بالنسبة للكتاب الكريم كلفظ الجلالة بالنسبة للباري سبحانه لا يشاركه فيه أي كتاب آخر، ولا يجوز إطلاقه على أي كتاب آخر، كما لا يجوز إطلاق لفظ الجلالة على غير الله تعالى) [1] ؟!!.
هذا الإشكال لم أجد له مخرجا غير قولة الصديق لما (قدمت وفود بني حنيفة عليه قال لهم: أسمعونا شيئا من قرآن مسيلمة، فقالوا: أو تعفينا يا خليفة رسول الله؟ فقال: لابد من ذلك. فقالوا: ... فذكروا بعض ما زعم أنه أوحي له) [2] ، فهذا شاهد على صحة تسمية أي كتاب مفترى بالقرآن على سبيل التجوز والاستهزاء، لاعتبار أن صاحبه ادعى الوحي والاصطفاء.
وإنه من البحوث النظرية ذات الصلة بالمحاولات التحريفية للقرآن الكريم، بحث أسباب حفظ القرآن الكريم، ويشار في محله أن القرآن الكريم تكفل الله تعالى بحفظه من كل عملية تحريف، بخلاف ما عهدناه على الكتب السابقة من استحفاظ أهلها عليها فأضاعوها.
وفي نظري، أن مسألة الحفظ الإلهي للقرآن الكريم، تحتاج إلى إعادة نظر لتلك التراكمات المعرفية التي لصقت بها، حتى يستقيم القول فيها، إذ حصل لي فيها إشكال بحيث أرى أن دعوى الحفظ الإلهي قد أدت - من غير قصد - إلى حصول نوع من الجمود على مستوى الفعل الإنساني المسلم في الاهتمام بالقرآن الكريم والدفاع عنه، حتى أصبحت الأمة تطعن فيه وتحسبه من الثناء عليه.
(1) - طه جابر العلواني. القرآن الكريم وخطابه العالمي، محاضرة مطبوعة بالآلة الناسخة. ضمن دورة تكوينية، جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية، واشنطن، جامعة الفاضي عياض كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مراكش، صيف 2003.، ص 13.
(2) - البداية والنهاية. ابن كثير. حقق أصوله وحققه د أحمد أبو ملحم، د. علي نجيب عطوي، ذ. فؤاد السيد، ذ. مهدي ناصر الدين، ذ. علي عبد الساتر. دار الكتب العلمية. ط 5. 1409 هـ / 1988 م. م 3. ج 6.ص: 330 - 331.