الصفحة 5 من 18

فهو خطاب لا بد أن يبدأ بالإنسان ذاته ونفسه في إطار الأمة من غير انحراف نحو عرق أو طبقة أو لاهوت أو ما إليها، فإنها كلها تتنافى مع مكونات هذا الإنسان وخصائصه، ولا يمكن لأي نوع من أنواع الخطاب الأخرى التي تمت صياغتها قديما وحديثا أن تشكل منظومة دوافع الفاعلية لدى هذا الإنسان، لأن الخطاب القرءاني خطاب موجه من المخاطِب (الله) جل شأنه إلى مستويات التلقي والإدراك الإنساني كافة يستجيش فيها كل قابليات الحياة والاستجابة ويحدث علاقة لا تسمح للمخاطَب أن يتجاهلها أو يتجاوزها، فهو يفرض على المتلقي الإجابة: إيجابية كانت أو سلبية، أما موقف التجاهل أو التجاوز فهو موقف غير وارد على الإطلاق، بل هو موقف غير ممكن.

إن الخطاب القرءاني لا كأي خطاب، هو خطاب واحد للإنسان في جميع مستوياته: عالم وجاهل، ذكي وغبي ..."فلو أنك خاطبت الأذكياء بالواضح المكشوف الذي تخاطب به الأغبياء لنزلت بهم إلى مستوى لا يرضونه لأنفسهم في الخطاب. ولو أنك خاطبت العامة باللمحة والإشارة التي تخاطب بها الأذكياء لجئتهم من ذلك بما لا تطيقه عقولهم. فلا غنى لك -إن أردت أن تعطي كلتا الطائفتين حظهما كاملا من بيانك- أن تخاطب كل واحدة منهما بغير ما تخاطب به الأخرى؛ كما تخاطب الأطفال بغير ما تخاطب الرجال. فأما أن جملة واحدة تلقى إلى العلماء والجهلاء والأذكياء والأغبياء، وإلى السوقة والملوك فيراها كل منهم مقدرة على مقياس عقله وعلى وفق حاجته فذلك ما لا تجده على أتمه إلا في القرءان الكريم. فهو قرءان واحد يراه البلغاء أوفى كلام بلطائف التعبير، ويراه العامة أحسن كلام وأقربه إلى عقولهم لا يلتوي على أفهامهم، ولا يحتاجون فيه إلى ترجمان وراء وضع اللغة، فهو متعة العامة والخاصة على السواء، ميسر لكل من أراد {ولقد يسرنا القرءان للذكر فهل من مدكر} [القمر 17] . [1] "

(1) - نفسه، ص 113.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت