(( وكما هو معروف الجزاء من جنس العمل فمن حفظ الله حفظه الله، وحفظ الله لا يحصل إلا بفعل الواجبات وترك المحرمات، فمن فعل جميع ما أوجب الله عليه، وترك جميع ما حرم الله عليه حفظه الله بما يحفظ به عباده الصالحين، ومن المعروف أن هذه الحياة في غالب الأزمان تموج بالشرور والفتن، والحروب الطاحنة، ولكن من حفظ الله حفظه الله ) ) [1] .
ومما يلزم التنبيه عليه أن (( الله عزوجل ليس بحاجة إلى أحد حتى يحفظه، ولكن المراد حفظ دينه وشرعه، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُم} [2] ، وليس المعنى تنصرون ذات الله؛ لأن الله - سبحانه وتعالى - غني عن كل أحد، ولهذا قال في آية أخرى: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لاَنتَصَرَ مِنْهُم} [3] ، ولا يعجزونه {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْض} [4] ) [5] .
وهذا الفهم الخاطئ قد يفهمه الجهلة أو يثيره الأعداء، فإن اليهود عندما سمعوا قول الله تعالى: {مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَة} [6] ، قالوا: يا محمد: افتقر ربك فسأل عباده القرض، ما بنا إلى الله من حاجة، وإنه إلينا لفقير، وإنا عنه لأغنياء، ولو كان عنا غنيًا ما استقرض منا - كما نُقل ذلك عنهم [7] - فأنزل الله - عز وجل - قوله: {لَقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا} [8] .
المبحث الثالث
في قوله - صلى الله عليه وسلم - (يحفظك)
إذا حفظ العبد توحيده، وراعى حقوق ربه، فعندئذ يحفظه الله؛ في دينه، وفي بدنه وماله وأهله.
وأعظم هذه الأمور حفظ الله تعالى دين العبد، بأن يسلّمه من الزيغ والضلال، والانحراف، لأن الإنسان كلما حرص على حفظ توحيده، وسلامة عقيدته من البدع والخرافات والضلالات، حفظ الله عليه عقيدته وتوحيده، وكلما التزم الهداية زاده الله هدى، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُم} [9] ، وكلما ضل الإنسان، والعياذ بالله، فإنه يزداد ضلالًا، ولهذا قال الله تعالى عن المنافقين: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ} [10] ، أي: ختم على قلوبهم، وسد أبواب الخير التي تصل إليه بسبب اتباعهم أهواءهم، التي لا يهوون فيها إلا الباطل [11] .
ولهذا جاء في الحديث: (إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء؛ فإذا هو نزع واستغفر وتاب سقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه، وهو الران الذي ذكر الله: {كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ} ) [12] .
يحفظ الله - عز وجل - عبده الحافظ لدينه في حياته، وعند موته، فيتوفاه على الإيمان، إذ الجزاء من جنس العمل، ومنه قوله تعالى: {وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ} [13] ، وقوله تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [14] ، وقوله: {إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُم} [15] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم: (إذا قام أحدكم عن فراشه ثم رجع إليه فلينفضه بصَنِفة إزاره ثلاث مرات؛ فإنه لا يدري ما خلفه عليه بعده، وإذا اضطجع فليقل: باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، فإن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين) [16] .
فمن حفظ الله في حياته، بإخلاص العبادة له سبحانه، وحسن الاتباع لرسوله - صلى الله عليه وسلم - حفظه الله بالإسلام ونصره وأيده؛ وقد علّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن يقول: (اللهم احفظني بالإسلام قائمًا، واحفظني بالإسلام قاعدًا،
(1) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين 2/ 38.
(2) سورة محمد، الآية 7.
(3) سورة محمد، الآية 4.
(4) سورة فاطر، الآية 44.
(5) انظر شرح رياض الصالحين 2/ 450، 451.
(6) سورة البقرة، الآية 245.
(7) انظر تفسير القرآن العظيم 1/ 410، وأسباب النزول ص 98، 99.
(8) سورة آل عمران، الآية 181.
(9) سورة محمد، الآية 17.
(10) سورة محمد، الآية 16.
(11) انظر تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 731.
(12) رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح، ح 3334 في كتاب التفسير، وابن ماجه، كتاب الزهد ح 4244، وأحمد في مسنده 2/ 297.
(13) سورة البقرة، الآية 40.
(14) سورة البقرة، الآية 152.
(15) سورة محمد، الآية 7.
(16) رواه البخاري، كتاب التوحيد، باب السؤال بأسماء الله تعالى 11/ 107، ورواه مسلم، كتاب الذكر، باب ما يقول عند النوم ح 2714.