الصفحة 10 من 39

واحفظني بالإسلام راقدًا، ولا تشمت بي عدوًا ولا حاسدًا، اللهم إني أسألك من كل خير خزائنه بيدك، وأعوذ بك من كل شر خزائنه بيدك) [1] .

وقال - صلى الله عليه وسلم: (من أراد أن يسافر فليقل لمن يخلِّف: أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه) [2] .

وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول للرجل إذا أراد سفرًا: ادنُ منِّي أودعك كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يودّعنا، فيقول: (أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك) [3] .

وجاء في الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله إذا اسْتُودع شيئًا حفظه) [4] .

فالله - عز وجل - يحفظ العبد الحافظ لدينه، المخلص في عبادته، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه من مفسدات الشبهات والشهوات، من البدع والخرافات، وأنواع المغريات، فيحفظه الله منها بأنواع الحفظ، قد يخفى بعضها عليه؛ إذ يكون في ظاهرها بلاء، وفي حقيقتها صرف السوء عنه، كما قال تعالى في قصة يوسف - عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِين} [5] .

يقول السعدي (ت 1376هـ) في حديثه عن قصة يوسف - عليه السلام: (( فصبر عن معصية الله مع وجود الداعي القوي فيه، لأنه قد هم فيها همًا تركه لله، وقدم مراد الله على مراد النفس الأمارة بالسوء، ورأى برهان ربه - وهو ما معه من العلم والإيمان، الموجب لترك كل ما حرم الله - ما أوجب له البعد والانكفاف عن هذه المعصية الكبيرة،(قال معاذ الله) أي أعوذ بالله أن أفعل هذا الفعل القبيح؛ لأنه مما يسخط الله، ويبعد عنه ... ، والحاصل أنه جعل الموانع له من هذا الفعل تقوى الله، ومراعاة سيده، الذي أكرمه، وصيانة نفسه عن الظلم، الذي لا يفلح من تعاطاه، وكذلك ما من الله عليه من برهان الإيمان الذي في قلبه، يقتضي منه امتثال الأوامر، واجتناب الزواجر، والجامع لذلك كله: أن الله صرف عنه السوء والفحشاء؛ لأنه من عباده المخلصين له في عباداتهم، الذين أخلصهم الله، واختارهم واختصهم لنفسه، وأسدى عليهم من النعم، وصرف عنهم المكاره، ما كانوا به من خيار خلقه )) [6] .

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [7] .

روي عن ابن عباس أنه قال: (( يحول بين المؤمن وبين الكفر، وبين الكافر وبين الإيمان ) ) [8] .

فمن حافظ على سلامة توحيده من الشبهات والانحرافات، وقام بحقوق الله عليه؛ فإن الله يحفظه بحفظ جميع مصالحه في الدنيا والآخرة، فمن أراد أن يتولى الله حفظه في أموره كلها فليراعِ حقوق الله عليه، وأعظمها حق توحيده، وإفراده بالعبادة، والعمل بشريعته، اتباعًا لرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وقد أخبر الله تعالى بأنه ولي المؤمنين وكافيهم وحسبهم، قال تعالى: {اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُر} [9] ، وقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ} [10] ، وقال سبحانه: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُه} [11] ، وقال: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ} [12] .

فالحافظ لدينه يحفظه الله في دينه ودنياه، ويحييه حياة طيبة في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ} [13] روى الطبري (ت 310هـ) عن ابن عباس قوله بأن المعقبات (( هم ملائكة يحفظونه بأمر الله، فإذا جاء القدر خلوا عنه ) ) [14] .

وروى الطبري أيضًا، عن مجاهد (ت 104هـ) قوله: (( ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام، فما من شيء يأتيه يريده إلا قال: وراءك، إلا شيئًا يأذن الله فيه فيصيبه ) ) [15] .

(1) رواه الحاكم في المستدرك 1/ 525، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ح 1540.

(2) رواه أحمد 2/ 403، وابن ماجه ح 2825 في كتاب الجهاد، باب تشييع الغزاة ووداعهم، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ح 16.

(3) رواه الترمذي، كتاب الدعوات، باب 45، ح 3439، وأحمد 2/ 7 و 25 و 38، وصححه ابن حبان، ح 2376، والألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ح 14.

(4) رواه أحمد في المسند 2/ 87، وابن حبان 3376، وصححه الألباني، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة 1/ 21.

(5) سورة يوسف، الآية 24.

(6) تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان ص 351، 352.

(7) سورة الأنفال، الآية 24.

(8) ذكره ابن كثير في تفسيره 2/ 285، وقال: رواه الحاكم في مستدركه موقوفًا. وانظر المستدرك 2/ 328.

(9) سورة البقرة، الآية 257.

(10) سورة محمد، الآية 11.

(11) سورة الطلاق، الآية 3.

(12) سورة الزمر، الآية 36.

(13) سورة الرعد، الآية 11.

(14) انظر جامع البيان في تفسير القرآن 13/ 77.

(15) انظر المصدر السابق ص 78.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت