المبحث الثاني
في قوله - صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله)
ومما يؤخذ في هذا الجزء ما يلي:
1 -إثبات صفة الحفظ لله تعالى، أخذًا من قوله - صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يحفظك) ، فهنا أثبت أن الله - صلى الله عليه وسلم - متصف بأنه يحفظ عباده الذين يحفظون حدوده، فدل على إثبات صفة الحفظ لله تعالى، وأنها تتعلق بإرادته ومشيئته، وهذه الصفة ثابتة لله - عز وجل - في القرآن الكريم، لقوله تعالى: {فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِين} ) [1] (، وقوله سبحانه: {إِنَّ رَبِّي عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ} [2] .
وقد ذكر العلماء أن من أسماء الله تعالى (الحافظ) و (الحفيظ) ؛ أخذًا من الآيتين السابقتين، ومن المعلوم أن باب الصفات أوسع من باب الأسماء؛ وذلك لأن كل اسم متضمن لصفة، وأسماء الله تعالى إن دلت على وصف فقد تضمنت ثلاثة أمور:
أحدها: ثبوت ذلك الاسم لله - عز وجل -.
الثاني: ثبوت الصفة التي تضمنها لله - عز وجل -.
الثالث: ثبوت حكمها ومقتضاها [3] .
مثال ذلك (الحافظ) يتضمن إثبات (الحافظ) اسمًا لله تعالى، وإثبات الحفظ صفة له، وإثبات حكم ذلك ومقتضاه، وهو أنه سبحانه يحفظ عباده، الذين يحفظونه.
ومن الأدلة أيضًا على تسمية الله بالحفيظ قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِيَاء اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ} [4] ، وقوله: {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ} [5] .
يقول صالح البليهي (ت 1410هـ) : (( الحفيظ من أسماء الله الحسنى، واشتقاقه من الحفظ، والحفظ لغة هو الحراسة والصيانة والحياطة، والله جل وعلا سمى نفسه حفيظًا ... فالله تقدّس اسمه هو الحافظ والحفيظ، هو تعالى على كل شيء حفيظ، أي شاهد وحافظ، يحفظ على عباده أقوالهم وأفعالهم، فيجازي كلًا بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر ... ، والله تعالى من فضله ولطفه ورحمته وإحسانه يحفظ عباده المؤمنين، وهو خير الحافظين، يحفظهم من كل شر، ومن كل محنة وبلاء، يحفظهم تعالى {وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظ} يحفظهم بشرط أن يحافظوا على ما أوجب الله عليهم في شريعة الإسلام، وبشرط أن يحفظوا جوارحهم عن كل ما حرم الله ... ، ودعاء الله بأسمائه مشروع، وكيفيته يا غفور اغفر لي، يا رحمن ارحمني، يا رزاق ارزقني، يا معافي عافني، ونحو ذلك، فالله تعالى هو الحافظ والحفيظ ... اللهم يا حافظ ويا حفيظ احفظنا وأنت خير الحافظين ) ) [6] .
2 -وجوب حفظ العقيدة، والحرص على سلامتها مما قد يشوبها، وأن ذلك أعظم أسباب حفظ الله للعبد، كما يجب حفظ الشريعة، وذلك بالعمل بها، والدعوة إليها، والدفاع عنها.
فإذا كان قوله - صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله) يعني حفظ حدوده، وحقوقه، وأوامره ونواهيه، فإن أعظم حقوقه توحيده في ألوهيته وربوبيته وأسمائه وصفاته، واتباع كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، المصدرين لتلقي العقيدة، والحذر من الانزلاق مع الهوى، أو تقديم العقل على النص الشرعي مما أوقع كثيرًا من الفرق والنحل في الشرك والبدع والمخالفات.
(1) سورة يوسف، الآية 64.
(2) سورة هود، الآية 57.
(3) انظر القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى ص 10، 15، 21.
(4) سورة الشورى، الآية 6.
(5) سورة سبأ، الآية 21.
(6) عقيدة المسلمين والرد على الملحدين والمبتدعين 2/ 37 - 41.