والصبر هنا يشمل الصبر على طاعة الله، وعن معصيته، وعلى أقداره المؤلمة )) [1] .
قوله: (وأن الفرج مع الكرب) أي كلما اشتدت الأمور واكتربت وضاقت؛ فإن الفرج من الله قريب، يقول ابن حجر الهيتمي: ( ...(وأن الفرج) يحصل سريعًا (مع الكرب) فلا دوام للكرب، وحينئذ فيحسن لمن نزل به أن يكون صابرًا، محتسبًا، راجيًا سرعة الفرج مما نزل به، حسن الظن بمولاه في جميع أموره، فالله - صلى الله عليه وسلم - أرحم به من كل راحم، حتى أمه وأبيه، فهو - صلى الله عليه وسلم - أرحم الراحمين )) [2] .
وقوله: (وأن مع العسر يسرًا) أي أن كل عسر فإن بعده يسرًا، بل إن العسر محفوف بيُسرَيْن، يُسر سابق، ويُسر لاحق، لقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [3] . فالعسر لا يدوم لمن احتسب وصبر، وعلم أن ما أصابه بمقدور الله تعالى، وأنه لا مفر له من ذلك، واستقام كما أمر ربه؛ إخلاصًا وحسن اتباع [4] .
المبحث الأول
في قوله - صلى الله عليه وسلم: (يا غلام: إني أعلمك كلمات)
مما يؤخذ من هذا الجزء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأمور التالية:
1 -وجوب تعليم الناس العقيدة الصحيحة، وتربيتهم عليها، وعل العلم النافع، ويكون ذلك بأسلوب مختصر، وكلم جامع واضح، فلو تأملت هذا الحديث لوجدته جامعًا لمسائل عقدية كثيرة بأسلوب موجز.
2 -الحرص على تربية الناشئة على العلم النافع، ويبدأ بتربيتهم على العقيدة الصافية الخالصة؛ فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وجه هذه الكلمات النافعات إلى ابن عباس وهو صغير؛ إذ قال له: (يا غلام: إني أعلمك كلمات) ؛ ليتربى الشاب المسلم على معرفة الله وتوحيده، وحفظ حدوده، يلجأ إلى الله في الرخاء والشدة، ويسأله ويستعين به، ويتوكل عليه - صلى الله عليه وسلم -، فيصبح شجاعًا مقدامًا؛ لأنه يعلم أنه لا يملك أحد من البشر له نفعًا ولا ضرًا إلا بإذن الله تعالى، ولأن الله معه ينصره ويؤيده وييسر له أموره، ما دام متمسكًا بشرع الله إخلاصًا واتباعًا.
فعلى الجميع الحرص على غرس الإيمان في نفوس الأبناء، وتربيتهم على فهم أصول الإيمان، والعمل بأحكام الإسلام، وتعويدهم على المراقبة والمحاسبة منذ الصغر، قبل أن تصلهم الفلسفات الإلحادية والشبهات البدعية والشهوات المغرضة، وغير ذلك مما تشنه تلك الحملات المسعورة من حرب ضروس ضد شباب الأمة ذكورًا وإناثًا، مرة باسم التثقيف، وباسم التسلية والترفيه مرات أخرى.
3 -استحباب تشويق المتعلم، وتهيئته بلطف العبارة، وتنبيهه إلى أهمية ما يلقى إليه، وإشعاره بسهولة حفظه ووعيه ليسهل عليه تلقيه واستيعابه، وبالتالي حفظه ووعيه، وبخاصة المسائل العقدية التي يحتاج إلى دقة في حفظها ونقلها، ويؤخذ هذا من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما قال لابن عباس مقدمًا له هذه المسائل: (يا غلام: إني أعلمك كلمات) .
4 -ومما يؤخذ من هذا الحديث حرص الرسول - صلى الله عليه وسلم - على توجيه الأمة، وتنشئة الجيل المسلم على العقيدة الصحيحة والشرع القويم، وقد قال الله تعالى في وصفه - صلى الله عليه وسلم: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [5] ، أي يعز عليه الشيء الذي يعنت أمته، ويشق عليها، حريص على هدايتكم، ووصول النفع الدنيوي والأخروي إليكم [6] ، ولهذا ورد عن أبي ذر - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: تركنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما طائر يقلب جناحيه في الهواء إلا وهو يذكرنا منه علمًا، قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيِّن لكم) [7] .
(1) المصدر السابق 2/ 455.
(2) فتح المبين لشرح الأربعين ص 177.
(3) سورة الشرح، الآيتان 5،6.
(4) انظر قواعد وفوائد من الأربعين النووية ص 178.
(5) سورة التوبة، الآية 128.
(6) انظر تفسير القرآن العظيم 2/ 385.
(7) رواه أحمد 5/ 153، و162، والبزار ح 147، والطيراني في المعجم الكبير ح 1647، وصححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/ 416 ح 1803.