وقالوا في النبى صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) [1] ، وقالوا في القرآن الكريم:"بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ" [2] .
أليست هذه المقولات وأمثالها تصدر عن موقف واحد إزاء القرآن الكريم كله، لا القصص وحده.
وانظر - مثلا - في الآية الثالثة التي ذكرها في استدلاله، تجد أنها انتزعت انتزاعا من بين الآيات السابقة واللاحقة، ومع أنك لو قرأتها في سياقها منسجمة مع السابق واللاحق تجد - أنها ترد عليه ولا تؤيده: اقرأ:"تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا، وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا، وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا" [3] .
أفيكون قولهم"إن هذا إلا إفك افتراه"، ثم قولهم"أساطير الأولين اكتتبها"متجهًا إلى القصص القرآني، أم إلى القرآن كله، وهو الفرقان الذى جاء ذكره في أول السورة.
ثم إن الآية تحكي قول الذين كفروا في ذلك ثم تعقب عليه بأن الذى أنزل هذا القرآن إنما هو الذي يعلم السر في السماوات والأرض، ولا شك أن ثبوت نسبة القرآن إلى الله تعالى ما ينفي عنه قطعًا أن يكون في قصصه أساطير، وفى هذا أبلغ بيان فى
(1) سورة النحل: آية 103.
(2) سورة الأنبياء: آية 5.
(3) سورة الفرقان: آيات 1 - 6.