من نوع واحد من رأس المال على حساب أنواع أخرى قد يؤدي إلى نتائج ضارة. فلقد أدى الاستثمار الكثيف في المعدات والآلات، في مرحلة استبدال الواردات، إلى أنماط من التنمية لم يمكن إدامتها. كذلك اظهر عقد السبعينيات الذي اتسم بارتفاع أسعار السلع واستعداد البنوك للإقراض وارتفاع مستويات المعونة الأجنبية أن توفر رأس المال المالي قد أدى إلى إعاقة تراكم رأس المال الاجتماعي والمؤسسي، وبروز ظواهر الفساد والرشوة، وهروب رؤوس الأموال من البلدان النامية. وما إن انتهى العقد حتى برزت أزمة الديون العامة الخانقة في البلدان النامية.
وإن التنمية المستدامة لا تحتاج إلى رأس المال المادي فقط، وإنما تحتاج أيضا إلى الأنواع الأخرى من رأس المال التي تخلق وتحفز، وتحافظ على البيئة المطلوبة للتنمية. وقد أثبت التاريخ التنموي، بشكل لا يقبل الشك، أن توفر رأس المال المادي وحده دونما توفر بقية الأصناف من رأس المال، لا يؤدي إلى الاستدامة. فسيادة تقاليد وقيم المنافسة الاقتصادية مثلا يمكن أن تؤدي إلى تقادم رأس المال المادي ـ الممثل في الآلات والمعدات التي تشكل جزءا هاما من رأس المال المادي للمجتمع ـ في وقت قصير جدا. كما أن عدم توفر القوى البشرية التي تقوم بالصيانة يؤدي إلى تدهور مكونات البنية الأساسية مهما كانت متطورة. وإضافة إلى ذلك، فإن رأس المال الطبيعي الذي تملكه الدول يمكن أن ينضب بسرعة كبيرة في حالة التركيز عليه بمفرده، كما قد ينجم عن ذك تدهور شديد للبيئة مثلا.
ومن ناحية أخرى، أثبتت التجارب التنموية لأقطار عديدة في العالم أن الاستثمار في رأس المال الاجتماعي يؤدي إلى أنماط تنمية أكثر استدامة وتوازنا بالرغم من أنها قد لا تتسم بالسرعة ... أو الإنتاجية العالية. فتقاليد التعاون مثلا أسهل وأرخص من تقاليد التنافس، بمعنى أن التعاون يخلق جوا أكثر ملاءمة للنمو، كما يؤدي إلى هدر للموارد أقل مما تؤدي إليه المنافسة، سواء كانت على الموارد أو كانت على العميل النهائي. والمجتمع الغني برأسماله الاجتماعي، لديه ما يكفي من المقومات لحل مشاكله دون اللجوء إلى العنف، أو السلطة السياسية أو السياسات الاقتصادية الجديدة. وباختصار إن تراكم رأس المال الاجتماعي يتيح توظيفا أكثر كفاءة للأنواع الأخرى من رأس المال المتوفرة في المجتمع.
وتشير إحدى الدراسات التي قام بها روبرت بوتمان (Putman) عن المجتمع المدني في الجزءين الشمالي والجنوبي من إيطاليا إلى وجود علاقة إيجابية بين كل من رأس المال الاجتماعي، وحسن الإدارة، والنمو الاقتصادي. وعلى الرغم من تشابك العلاقة بين هذه المتغيرات الثلاث، إلا أن الدراسة أثبتت بشكل مقنع أن التوفر الأكبر لرأس المال الاجتماعي في شمال إيطاليا قد أدى إلى درجات أعلى من النمو الاقتصادي فيها مقارنة بجنوب إيطاليا. ويقول