الصفحة 7 من 21

بوتمان"إن التقاليد المدنية السائدة في شمال إيطاليا، تفسر إلى حد كبير القدرة الأكبر لشمال إيطاليا على مجابهة تحديات وفرص القرنين التاسع عشر والعشرين". وهذا يؤدي إلى استنتاج أن التراكم المستمر لرأس المال الاجتماعي في شمال إيطاليا هو أحد الأسباب الرئيسية وراء تطورها الاقتصادي والتنموي الذي فاق ما تحقق في جنوب إيطاليا.

وبينما تؤدي تحليلات النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الحدية إلى التركيز على التنافس باعتباره المحرك الرئيس للتنمية، يؤدي تحليل رأس المال الاجتماعي إلى التركيز على التعاون باعتباره عاملا مساعدا في التنمية. وعلينا أن نؤكد هنا أن الفرق بين هذين المنهجين هو فرق درجة التركيز إذ أن لكل من التنافس والتعاون أدوارا هامة في التنمية.

وإن الحكم على نجاح المؤسسات لا بد أن يتم ضمن الإطار المجتمعي الذي تعمل فيه تلك المؤسسات، أي ينبغي تقييم أداء المؤسسة ضمن البلد الذي تعمل فيه. ونجاح مؤسسة ما في قطر ما لا يعني بالضرورة أنها ستنجح في أقطار أخرى. ولقد بينت التجارب التنموية أنه كلما كانت الجهود الرامية إلى استبدال التقاليد القديمة بمؤسسات حديثة تقترن بغطرسة وجهل ثقافي، أدى ذلك إلى خلق مشاكل معقدة ولم تنجح تلك الجهود في حل المشاكل التي كانت قائمة قبل نقل تلك المؤسسات.

إن الاعتراف بالدور الأساسي الذي تلعبه المؤسسات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية قد أدى إلى فهم أوسع وأعمق للتعقيد الذي تنطوي عليه عملية التنمية. ولقد حفز هذا الأمر مؤسسات التمويل الأجنبية والجهات المانحة إلى فرض شروط جديدة على البلدان الفقيرة أضيفت إلى القائمة الطويلة من الشروط السابقة. ومعظم هذه الشروط الجديدة ذات طبيعة سياسة ومؤسسية، غالبا ما تتلخص في شعار جامد هو: ينبغي على الدول النامية التخلي عن التقاليد والقيم القديمة ـ خاصة تلك التي تتسم بطبيعة جماعية ـ لأنها تمثل عائقا للنمو.

ومن خلال ما تقدم يتضح إن التنمية البشرية المستدامة، تجمع بين محورين من محاور التنمية. فهي أكبر من مجرد حاصل جمع التنمية البشرية والتنمية المستدامة، بكونها تضيف إلى عناصر التنمية ضرورة الاهتمام برأس المال الاجتماعي، فتوسيع قدرات الناس لا معنى له إلا إذا ارتبط بزيادة استعداد الناس للالتزام الواعي بالتنازل عن بعض طموحاتهم من أجل الأجيال الحالية أو المقبلة. وفي ضوء التحديات العالمية الراهنة، لابد من تشجيع الناس على الاستثمار في علاقات تعاونية مع بعضهم بعضا، وعلى تبني آليات جديدة للضبط الاجتماعي تكون نابعة من مبادراتهم الخاصة، لا من مصادر رسمية بعيدة عنهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت