فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 3

عندما يغلق باب المقهى لا يبقى ساهرا فوق أرض الحارة الا الخفير. لتفقد أبواب الدكاكين، و يذهب و يجيء ما بين الميدان و ممر القرافة سائرا في ظلام دامس متلمسا طريقه بغريزته المكتسبة من العمل و معلقا بندقيته بمنكبه و بين حين و آخر يطلق نذيره الحلق الذى يشق الظلمه.

أطلق عليه منذ بدء خدمته:"أبو الهول"بما يرمز له الاسم في الذاكرة الشعبية من الجلال و الرهبة، الواقع أنه ذو طول مؤثر و عرض لا يتناسب مع ذلك الطول، أما شاربه فيقف عليه الصقر، و أما رأسه فصغير و قلبه طيب لا يتوافق مع أغراض وظيفته، والحق أنه مضى يهزل و برق و تتجمع في عينيه سحابة حزن، و تساءلت القلة التى تراه و هو يبدأ عمله الليلى عن السر. و تجرأ أحدهم فقال له:

1 لست على ما يرام يا خفير بندق.

فأجاب بغموض قائلا:

1 هى الدنيا يا معلم.

انه يعاشر الظلام، و لا يعرف من أهل الحارة الا الراجعين قبيل الفجر من الحشاشين و السكيرين و الخباصين، و لعله لا تصل الى مسمعيه في صمت الليل الا الأنات الشاكية، و قيل انه سيهزل و يهزل حتى تعجز الأعين عن رؤيته.

و لكن الأنات الشاكية لم تكن الأصوات الوحيده التى تزحم أذنيه. هناك الصوت الذى يتسلل من نافذه بدروم البيت القائم أمام السبيل

أسمعه أنين الحب و أنغامه. كل ليلة عقب عودة النجار من سهرته، يترنح و يدندن ثم يهبط الى مسكنه، و بعد فتره وجيزة تتسلل الأنغام من منافذ النافذة، كل ما استطاع أ، يعرفه أن البدروم مسكن للنجار و امرأته ست بطه، و لكنه لم يرها أبدا. انها تقضى شئونها في غرفتها. عرفها من صوتها آخر الليل، و لم يكن من أهل الحارة و

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت