لكنه عشق الصوت، و هام به هياما حتى نبض في قلبه. و تردد في أنفاسه. يسمعه ليله بعد أخرى و يتشربه ساعة بعد أخرى و يخلق من ترنيماته و تهويماته صورة جامعة لمحاسن نساء الريف و المدن، يناجيه في سهرته الطويلة و يستغيث به في وحدته، و تجسد له مرات فحاوره و دعاه و قال له لا يعرف الألم الدفين الا خالقه و لا يغيظه شئ كما يغيظه دندنة النجار و هو عائد مترنحا. و خطر له أنه لو أعياه السطول ليله فسقط لحمله الى الداخل ليرى ست بطه.
و رن سوته في القبر مرة و هو يغنى:
(( باسمع نغم الليل عشق الحبايب هدنى الحيل ) )
و أعجبه صدى صوته داخل القبو فأعاد الغناء و فاض به الحنين فتساءل:
-و ايش بعد الغناء يا بندق؟؟
و جاء صوت من وراء باب الحصن الأثرى:
-ما بعد الغناء الا العمل ..
فارتعد متذكرا ما يقوله أهل الحارة عن سكان القبو. و لكنه تشجع ضاغطا بذراعه على بندقيته و سأل بلهجة ميرى:
2 من أنت؟ ... كيف دخلت الحصن؟
فأجاب بصوت باسم:
4 أنا شيطان يا خفير بندق، و لولا الشيطان ما كان الانسان.
و سرى الصوت في كيانه بقوة فلم يشك أنه بحضرة شيطان حقيقى. حاول أن يتلو سورة و لكن رأسه أفرغت من محفوظاتها القليلة، و سأله مستسلما:
-ماذا تريد؟
-ماذا تريد أنت؟؟
-ما أريد الا أداء واجبى.
-أنت كذاب.
و ترامت اليه دندنة النجار و هو راجع فخفق قلبة و قال الصوت من وراء الباب المغلق: