الخلوف المبتدعة الذين لا يعرفون للسلف قدرهم، نعوذ بالله من هذه الحال، الثاني:- أنه عند اختلاف فهم السلف مع فهم الخلف، فلا يخلو الحال من أحد أمرين:- إما أن يكون الحق مع القوم الذين اصطفاهم الله تعالى لصحبة خير خلقه وصفوة رسله، وإما أن يكون الحق مع قوم إنما أخذوا علومهم من المنطق اليوناني ومن القواعد الفلسفية المناقضة للمعقول والمصادمة للمنقول، فبالله عليك، بم يحدثك قلبك؟ لا جرم إن شاء الله تعالى أنك من الموفقين، ممن لا يقارن أصلا بين المذهبين، وأن الحق لا يكون البتة إلا مع سلف الأمة وأئمتها، وأن فهم الخلف باطل، إذ كيف يكون أفراخ علماء اليونان أعلم وأحكم وأدرى بالشرع وبالفهم الصحيح من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؟ وكيف تكون زبالات أذهان الفلاسفة المتهوكين أعلم و أقرب للحق ممن أخذ العلم غضا طريا من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كيف يكون من اتفق السلف على ذمهم وتجريمهم في حق الأمة أحق بالاتباع من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان؟ إنه أمر لو تدبره العقل الخالي من الشبهة لعلم أن الحق لا يكون إلا مع السلف، ولكن ثمة أقوام طمس الله بصائرهم، فلا يرون الشمس في رابعة النهار، الثالث:- أن الصحابة رضي الله عنهم قد شاهدوا التنزيل وهم أعلم بالتأويل، فلا جرم مع ذلك أن يكون فهمهم أتم من فهم غيرهم ومذهبهم أحق بالاتباع من مذاهب غيرهم، إذ غيرهم لم ينل هذا الشرف العظيم، وإنما هو من خصيصة الصحابة، رضي الله عنهم , الرابع:- أن أساطين علماء الخلف قد اعترفوا بخطأ ما هم عليه من الفهم وطرائق الاستدلال، وندموا على ما تعلموه مما هو مخالف لفهم السلف، وأنهم لم يكن معهم إلا الوهم والخيالات الفاسدة والظنون الكاذبة، وأن ما جمعوه من العلوم إنما هو ضلال وتخرص، قال أبو العباس رحمه الله تعالى (وَتَجِدُ عَامَّةَ هَؤُلَاءِ الْخَارِجِينَ عَنْ مِنْهَاجِ السَّلَفِ مِنْ الْمُتَكَلِّمَةِ وَالْمُتَصَوِّفَةِ يَعْتَرِفُ بِذَلِكَ إمَّا عِنْدَ الْمَوْتِ وَإِمَّا قَبْلَ الْمَوْتِ وَالْحِكَايَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ. هَذَا أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ: نَشَأَ فِي الِاعْتِزَالِ أَرْبَعِينَ عَامًا يُنَاظِرُ عَلَيْهِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَصَرَّحَ بِتَضْلِيلِ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَالَغَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ. وَهَذَا أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ مَعَ فَرْطِ ذَكَائِهِ وَتَأَلُّهِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِالْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ وَسُلُوكِهِ طَرِيقَ الزُّهْدِ وَالرِّيَاضَةِ وَالتَّصَوُّفِ يَنْتَهِي فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ إلَى الْوَقْفِ وَالْحَيْرَةِ وَيُحِيلُ فِي آخِرِ أَمْرِهِ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْكَشْفِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعَ إلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَصَنَّفَ"إلْجَامَ الْعَوَامِّ عَنْ عِلْمِ الْكَلَامِ"وَكَذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرازي قَالَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صَنَّفَهُ فِي أَقْسَامِ اللَّذَّاتِ: لَقَدْ تَأَمَّلْت الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ وَالْمَنَاهِجَ