وشيخ الاسلام رحمه الله من أعلم الناس بأحوال الصحابة وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم من غيره وكان إليه المنتهى في ذلك. قال الامام الذهبي في معجم شيوخه: هو شيخنا وشيخ الاسلام وفريد العصر علما ومعرفة وشجاعة وذكاء وتنويرًا إليهًا، وكرمًا ونصحًا للأمة، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، سمع الحديث وأكثر بنفسه من طلبه وكتابته وخرج ونظر في الرجال والطبقات وحصل ما لم يحصله غيره وبرع في تفسير القرآن وغاص في دقائق معانيه بطبع سيال وخاطر وقاد إلى مواضع الاشكال ميال واستنبط شيئًا لم يسبق إليها وبرع في الحديث وحفظه فقل من يحفظ ما يحفظ من الحديث مع شدة استحضاره له وقت الدليل وفاق الناس في معرفة الفقه واختلاف المذاهب وفتاوى الصحابة والتابعين واتقن العربية أصولًا وفروعًا ونظر في العقليات وعرف أقوال المتكلمين ورد عليهم ونبه على خطئهم وحذر منه ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين وأوذي في الله تعالى من المخالفين وأخيف في نصره السنة المحفوظة حتى أعلى الله مناره وجمع قلوب اهل التقوى على محبته والدعاء له وكبت أعدائه وهدى به رجالا كثيرًا من أهل الملل والنحل وجبل قلوب الملوك والأمراء على الانقياد له غالبًا وعلى طاعته وأحيى به الشام بل الاسلام بعد أن كان ينثلم خصوصًا في كائنة التتار وهو أكبر من أن ينبه على سيرته مثلي فلو حلفت بين الركن والمقام أني ما رأيت بعيني مثله وأنه ما رأى هو مثل نفسه لما حنثت انتهى. وقال ابن الوردي في تاريخه وقد عاصره ورآه: وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم ومعرفته بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به وهو عجبًا في استحضاره واستخراج الحجج منه وإليه المنتهي في عزوه إلى الكتب الستة والمسند حيث يصدق عليه أن يقال كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث ولكن الاحاطة لله تعالى غير أنه يغترف فيه من بحر وغيره من الائمة يغترفون من السواقي وأما التفسير فسلم له (قال) وله الباع الطويل في معرفة مذاهب الصحابة والتابعين قل أن يتكلم في مسألة إلا ويذكر فيها مذاهب الاربعة، وقد خالف الاربعة في مسائل معروفة وصنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة وبقي سنين يفتى بما قام الدليل (عليه) عنده ولقد نصر السنة المحضة والطريقة السلفية.
وكان دائم الابتهال كثير الاستغاثة قوي التوكل ثابت الجأش له أوراد وأذكار يديمها، لا يداهن ولا يحابي، محبوبًا عند العلماء والصلحاء والامراء والتجار والكبراء انتهى ملخصًا.
وإذا كانت هذه حاله عند أهل العلم بالحديث والجرح والتعديل وأنه كان إليه المنتهي في هذه الحقائق علمًا وعملًا ومعرفة واتقانًا وحفظًا وقد جزم بإجماع الصحابة فيما نقله عنهم في أهل الردة تبين لك أنه لم يكن بين الصحابة خلاف قبل موت أبي بكر رضي الله عنه ولم يعرف له مخالف