إن موقف الأشاعرة من السببية، وإنكارهم لخصائص الأشياء والتلازم بين الأسباب والمسببات قد أثر على منهجهم في تقرير النبوة تأثيرًا بالغًا، لأن الاستدلال بالمعجزة إنما يتم بالنظر إلى كونها خارقة للسنة الجارية، والأشاعرة لما ألغوا هذا الأصل لم يعد لهم ما يميزون به بين المعجز وغير المعجز.
إنه تفرّع على موقف الأشاعرة من السببية عدم انضباط الخارق للعادة عندهم، لأنه لا يمكن أن يتميز الخارق إلا من جهة خرقه للسنن الكونية الجارية، وهم قد أنكروها. فبقي الخارق عندهم هو ما يخالف المعتاد، والمعتاد ليس له حقيقة ثابتة، بل هو نسبي إضافي، يمكن تغيره بحسب الأحوال والأزمنة والأمكنة.
إنه تفرّع على موقفهم من السببية أيضًا التسوية بين المعجزة والسحر، لدخولهما عندهم في جنس الخوارق، لأن المعتبر عندهم في مفهوم الخارق ما يخالف المعتاد مطلقًا. وبناء على ذلك فقد اشترطوا للتمييز بين المعجزة وغيرها -مما هو عندهم من الخوارق- شروطًا خارجة عن حقيقة المعجزة.
اشترط الأشاعرة لتمييز المعجزة التحدي بها ودعوى النبوة، وهذا مما لا دليل عليه، ثم هو مخالف للواقع، والمعلوم من سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - وحاله في الدعوة.
اشترط الأشاعرة لتمييز المعجزة أيضًا سلامتها من المعارضة، وهو أصل صحيح من حيث المبدأ، وهو متحقق للمعجزة من حيث هي خارقة للسنة الجارية، لكن الأشاعرة لما سووا بين المعجزة والسحر، وجعلوهما من جملة الخوارق، التزموا أن الساحر إذا ادعى النبوة أو عارض نبيًا فلا بدّ أن يسلب القدرة على السحر، أو لا يحصل مع سحره ما كان يحصل قبل ذلك، تحقيقًا لسلامة دليل النبوة من المعارضة. وهذا مما لا دليل عليه أيضًا، وهو مخالف للواقع، وما حصل من معارضات كثيرة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. لكن علم الناس بطلان معارضتهم بالنظر إلى دلائل كثيرة ليس منها شرط عدم قدرتهم على السحر، إذ قد حصل.
التوصيات