ويعيد إبراهيم ـ عليه السلام ـ إرساء عقيدة التوحيد صافية نقية، وينشر إسماعيل ـ عليه السلام ـ ملة أبيه إبراهيم بين العرب، ويظل أبناؤه على ذلك التوحيد، معظّمين أول بيت وضع للناس الذي جدده خليل الله مع ابنه إسماعيل.. إلى أن بعدت الفترة بين العرب ونور النبوة، ثم اندرس كثير من آثار العلم، فقلّت حصانتهم ضد الانحراف، وأصبحت الفرصة مواتية للتحريف، وهنا برز عمرو بن لحيّ الخزاعي آتيًا بالأصنام إلى مكة، فنصبها وأمر الناس بعبادتها وتعظيمها (4) ، فعبدوها، ولكنهم لم يعبدوها لمجرد كونها حجارة أو أخشابًا، بل عبدوها (معتقدين أنها منازل الأرواح ـ كما بيّن الإخباريون ـ) (5) .. مرة أخرى: إنه (الرمز) و (الأرواح) .. ثم: بسبب (التقليد) وبسبب ضعف تمثل تعاليم الملة الحنيفية في نفوس الناس ـ بل ربما كانت تفاصيل هذه التعاليم قد ضاعت ـ استمرت فيهم هذه الوثنية مع شعائرها وعاداتها واعتقاداتها عقودًا متتابعة (6) ، ووصل الولع بـ (تقديس الرمز) إلى هاوية سحيقة، حيث روى أبو الرجاء العطاردي: (كنا نعبد الحجر، فإذا وجدنا حجرًا هو أخير(!) ألقيناه وأخذنا الآخر، فإذا لم نجد حجرًا جمعنا جُثوة من تراب ثم جئنا بالشاة فحلبناه عليه ثم طفنا به..) (7) .. ومع ذلك قالوا: (( مَا نَعْبُدُهُمْ إلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إلَى اللَّهِ زُلْفَى ) ) [الزمر: 3] ، وقالوا أيضًا: (( هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّه ) ) [يونس: 18] ... إنها: (الواسطة) و (الوسيلة) .
ونفترض هنا سؤالًا مهمًا: لو كان عمرو بن لحي خرج في صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يدعوهم إلى عبادة الأوثان تقربًا إلى الرحمن، أكان يجد من يتبعه منهم؟ بداهة: لا، وإذا كان الأمر كذلك: فلماذا لم يرفض العرب ما جاء به عمرو من تحريف دين إبراهيم وعبادة الأصنام من أول وهلة؟..