ولأجل ذلك ذكر العلماء في أحكام أهل الذمة أنهم يعاملون بالتصغير، ويعاملون بالتحقير إذا التزموا أحكام الإسلام وبذلوا الجزية، وأنه لا يجوز تصديرهم في المجالس، ولا القيام لهم ولا بداءتهم بالسلام، وذلك لأن فيه نوع من احترامهم، ولا يجوز أيضا تمكينهم من إقامة معابد لهم في بلاد المسلمين، ويمنعون من إحداث الكنائس والبيع والمعابد، وبناء ما تهدم منها ولو ظلما، وأنهم إذا صاروا من أهل الذمة، تفرض عليهم جزية تؤخذ منهم كل سنة يبذلونها، كما أمر الله بقوله تعالى: ? حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ? [ سورة التوبة، الآية: 29 ] .
فيمتهنون عند أخذها، ويطال وقوفهم، وتجر أيديهم، وكل ذلك ليعرفوا ويشعروا بأنهم حقيرون، وأن الإسلام هو العزيز، وأهله لهم العزة: ? وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ? [ سورة المنافقون، الآية: 8] .
ومتى كانت العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، فالذلة لأعدائهم، والتحقير والتصغير لكل من عادى الله، وعادى رسوله -صلى الله عليه وسلم- فلا يجوز موالاة الكافرين بأي نوع من الموالاة.
ولقد روي عن الفضيل أنه قال: اللهم لا تجعل لصاحب بدعة عندي يدا فيحبه قلبي ( ) هكذا يتمنى -رحمه الله- فلا يقبل هدية لكافر، ولا يقبل منة له، ولا خدمة له يمن بها عليه؛ مخافة أن يوده القلب، أو يحبه أو يحترمه أو يعظمه، وكل هذا من تعظيم الكفر، فمن عظم كافرا وتواضع له لأجل دينه فهو على خطر، كما روي عن بعض السلف أو في بعض الآثار: أن من تواضع لرجل أو لغني لأجل دنياه، فقد ذهب ثلث دينه ( ) فتوعده بوعيد شديد.
فإذا كان هذا لمن تواضع لصاحب الدنيا، فكيف بمن تواضع للكافر أو للمشرك، أو احترمه، أو قام له، أو خدمه، أو تولاه بأي نوع من الولاية؟!