وذِكر هذه الآية في سورة الفرقان يؤكد المعنى المطلوب فهمه؛ لأن اسم السورة"الفرقان"يتضمن -أول ما يتضمن- الفرقان بين الخالق والمخلوق، أو بين الله والعباد.
وبذلك أصبح للماء دلالة كونية عامة على العبودية لله.. باعتباره حدًّا مكانيًا للخلق، وباعتباره سببًا كونيًّا للخلق.
ومن هنا كان الوضوء مادة تعبدية.. حيث أثبت الله للماء أصل الطهر الذي يكون به التعبد، بعدمًا أثبت الزمان"الليل والنهار"الذي تتقلب فيه أحوال العباد، فقال الله في سورة الفرقان: { وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا * وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا * لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا } [الفرقان: 47-49] .
نزول عيسى ضرورة قدرية:
لا نستطيع أن نفهم الحكمة من نزول عيسى عليه السلام إلا من خلال قوله تعالى: { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } [الزخرف: 61] .
يقول ابن فارس في مقاييس اللغة: (علم: العين واللام والميم أصلٌ صحيح واحد، يدلُّ على أثَرٍ بالشيء يتميَّزُ به عن غيره، من ذلك العَلامة، وهي معروفة، يقال: عَلَّمت على الشيء علامة) .
وتفسير هذه الآية جاءت فيه أقوال متعددة، لكنها جميعًا تتجه نحو تصور منهجي محدد لعيسى ابن مريم، كأمارة على وقوع الساعة، وكعلامة من علاماتها (1) .
أما القول بأنه أمارة ودليل على وقوع الساعة فلأن معجزته كانت تحقيقًا ظاهرًا لكل الأبعاد القدرية التي تقوم بها الساعة، وهذه الأبعاد هي الإرادة والمشيئة والقدرة الإلهية المطلقة.
(1) هناك قراءة متواترة بتحريك العين واللام (لَعَلَم) ، وهي تؤكد نفس المعنى.