والمقرر بين المسلمين أن المشبه بالمسيح هو الذي صُلب، وأن عيسى عليه السلام رُفع، وأن جميع اليهود رأوا المشبه به وهو يُصلب، وأن تلاميذ المسيح هم وحدهم الذين رأوه يُرفع.
فكيف نغلِّب رؤية التلاميذ لعملية الرفع على رؤية جميع الخلائق على عملية الصلب..؟!
مع مراعاة أن المشبه به كان لا يختلف عنه، وأن كل من رأى المشبه به على الصليب معذورٌ في اعتقاده أن المسيح قد صُلب.
والحقيقة: أن علم الحديث -وهو من أَجَلِّ العلوم السلفية- هو الذي يحسِم المشكلة، وذلك بتعريفه للتواتر على أنه ليس بكثرة الطرق.. ولكن بالثقة في أطراف النقل، بحيث يتساوى أطراف التواتر في الثقة بهم، وبصدقهم في الأخبار.
وباعتبار كفر جميع اليهود والرومان ينتفي معنى التواتر وفقًا لقواعد الرواية وعلم الحديث، في الوقت الذي يثبت فيه معنى التواتر في رواية التلاميذ في الرفع؛ وذلك لأن شرط التواتر متوافرٌ في إيمان التلاميذ، وهو الأمر المفقود عند اليهود والرومان.. رغم كثرة عددهم وقلة عدد التلاميذ..!
ولهذا جاء إثبات التشبيه بعد إثبات فسق اليهود تأكيدًا لرد شهادتهم، حيث يقول ربنا عز وجل:
{ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء: 155] .
{ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا } [النساء: 156] .
وكان كفرهم هو: { وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا } والبهتان هنا له اعتبار ضخم..
ذلك لأن الكفر يُسقط عَدالتهم.. وكذلك البهتان.. مما يسقط شهادتهم في قضية عيسى؛ فلا يؤخذ بشهادتهم إذا قالوا: إن المصلوب هو عيسى.
فالآيات تصف الواقع الذي كان عليه اليهود.. والذي انتهى بهم إلى التعامل مع المسيح بهذا الأسلوب..