الصفحة 11 من 45

وظنُّ من ظنَّ منهم أنه صُلِب.. لا يقدح في إيمانه إذا كان لم يحرف ما جاء به المسيح (1) ، بل هو مقر بأنه عبد اللّه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فاعتقاده بعد هذا أنه صُلِب لا يقدح في إيمانه؛ فإن هذا اعتقاد موته على وجه معين، وغاية الصلب أن يكون قتلًا له، وقَتْلُ النبي لا يقدح في نبوته، وقد قتل بنو إسرائيل كثيرًا من الأنبياء، قال تعالى: { وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } [آل عمران: 146] ، وقال تعالى: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ } [آل عمران: 144] ).

هذه هي قضية التشبيه.. سببٌ أحدثه الله لليهود؛ ليستحقوا به الغضب والعقوبة..

وكما ترك الله ثمود يذبحون الناقة.. ترك اليهود يرتكبون محاولة قتل عيسى..

لكنَّه سبحانه وتعالى قدَّر ألا يترك المسيح لليهود.. فكان لا بد من التشبيه..

كان لا بد من أن يأتي إنسان آخر في صورة المسيح، ويقتله اليهود فعلًا؛ فيستحقون الغضب والعقوبة.

فأصبح محكومًا عليهم عند الله أنهم قتلوه في حكم الله الشرعي؛ لقولهم:

{ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ } [النساء: 157] .

والحكمة من التشبيه جاءت جامعة للحكمة من عقوبة اليهود ونجاة عيسى، وهما أمران متقابلان؛ لأن عقوبة اليهود لا تكون إلا بقتل عيسى، ونجاة عيسى لا تكون إلا بقتل الشبيه، فجمع الله بحكمته وقدرته بين الأمرين بالتشبيه.

وفي مسألة التشبيه.. يبقى قول الله عز وجل هو الحجة البالغة..

أما مناقشتها سلفيًّا فتتم من خلال عدة جوانب:

الجانب الأول: إسقاط شهادة اليهود

(1) كلام الإمام هاهنا على من عاصر قضية الصلب واشتبهت عليه، أما بعد نزول القرآن ونفيه لعملية الصلب فلا يجوز هذا الاعتقاد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت