معرفة ما في الباطن على وجه الجزم واليقين، ولكن الله سبحانه جعل على الباطن علامات من ظواهر الأعمال والأقوال تدل عليه، وإن هناك تلازما واضحا بين ظواهر الأقوال والأعمال ـ التي تظهر على الجوارح ـ وبين ما في القلوب من أعمال وأقوال.
وإنه متى كان القلب ممتلئا بمحبة الله تعالى والخشية منه والرغبة والإنابة إليه ومحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والانقياد والطاعة له، لزم من ذلك ضرورة انبعاث الجوارح بالطاعات وأنواع القربات، وإنه يُحكم بالصلاح على الباطن بما يدل عليه العمل الظاهر، ويُحكم كذلك بالفساد على الباطن بحسب ما يدل عليه العمل الظاهر، فمتى ظهر من المكلف إيمانٌ بالله تعالى وعملٌ بطاعته، فإن ذلك يكون دليلا على صلاح الباطن والعكس بالعكس.
وهذا أصل عام في الحكم على أعمال المكلفين على وجه العموم وفي كثير من الأحكام المتعلقة بالنية، وهذا والله أعلم من قبيل العمل بالقرائن والعلامات ودلائل الحال.
ومن المعلوم من أحكام الشريعة أن هذه القاعدة تتخلف في حالة المكره والمنافق ومن يلحق بهما ممن يكتم إيمانه، فإن ظاهر هؤلاء خلاف باطنهم، وهذا من المعلوم من أدلة الكتاب والسنة، فقد قال الله تعالى عن المنافقين (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) [1] ، وقال تعالى عنهم (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) [2] ، فقد بين تبارك وتعالى أن ظاهر المنافقين خلاف باطنهم وأنهم يُظهرون خلاف ما يُبطنون، وأنهم كاذبون فيما ينطقون به من الشهادة للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة.
كذلك فقد بين الله تعالى أن المكره لا يُحكم له بحكم الظاهر ـ وذلك إذا عُرف إكراهه وكان صحيحا ـ وهذا واضح في قوله تعالى (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) [3] ، وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (إن الله تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه) [4] ...
(1) سورة آل عمران، الآية: 167.
(2) سورة (المنافقون) ، الآية: 1.
(3) سورة النحل، الآية: 106.
(4) رواه بن ماجة وابن حبان والدارقطني والطبراني والبيهقي والحاكم في المستدرك وقال: على شرط الشيخين، واختلف العلماء فيه ما بين محسن له ومضعف، فقد قال ابن حزم: وقد صح عن النبي (رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) وقال النووي: حديث حسن، وقال ابن حجر: والحديث من طريق الأوزاعي واختلف عليه فقيل عنه عن عطاء عن عبيد بن عمير عن بن عباس بلفظ (إن الله وضع) ، وللحاكم والدارقطني والطبراني (تجاوز) وهذه رواية بشر بن بكر، ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يذكر عبيد بن عمير، قال البيهقي: جوده بشر بن بكر، وقال الطبراني في الأوسط: لم يروه عن الأوزاعي يعني مجودا إلا بشر تفرد به الربيع بن سليمان، قال بن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عنها فقال: هذه أحاديث منكرة كأنها موضوعة، وقال في موضع آخر منه: لم يسمعه الأوزاعي من عطاء إنما سمعه من رجل لم يسمه أتوهم أنه عبد الله بن عامر الأسلمي أو إسماعيل بن مسلم، قال: ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده، وقال عبد الله بن أحمد في العلل: سألت أبي عنه فأنكره جدا وقال ليس يروى هذا إلا عن الحسن عن النبي ، ونقل الخلال عن أحمد قال: من زعم أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة، يعني من زعم ارتفاعهما على العموم في خطاب الوضع والتكليف، قال محمد بن نصر في كتاب الاختلاف في باب طلاق المكره: يروى عن النبي أنه قال (رفع الله عن هذه الأمة الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه) إلا أنه ليس له إسناد يحتج بمثله، ورواه العقيلي في تاريخه من حديث الوليد عن مالك به، ورواه البيهقي وقال: قال الحاكم هو صحيح غريب تفرد به الوليد عن مالك وقال البيهقي في موضع آخر: ليس بمحفوظ عن مالك، ورواه الخطيب في كتاب الرواة عن مالك في ترجمة سوادة بن إبراهيم عنه وقال: سوادة مجهول والخبر منكر عن مالك، ورواه بن ماجة من حديث أبي ذر وفيه شهر بن حوشب وفي الإسناد انقطاع أيضا، ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء ومن حديث ثوبان وفي إسنادهما ضعف، وأصل الباب حديث أبي هريرة في الصحيح من طريق زرارة بن أوفى عنه بلفظ (إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم به) ، ورواه بن ماجة ولفظه (عما توسوس به صدورها) بدل (ما حدثت به أنفسها)
قال ابن حجر رحمه الله: تنبيه: تكرر هذا الحديث في كتب الفقهاء والأصوليين بلفظ (رفع عن أمتي) ولم نره بها في الأحاديث المتقدمة عند جميع من أخرجه، نعم رواه بن عدي في الكامل من طريق جعفر بن جسر بن فرقد عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة رفعه (رفع الله عن هذه الأمة ثلاثا: الخطأ والنسيان والأمر يكرهون عليه) وجعفر وأبوه ضعيفان وقد ذكرناه عن محمد بن نصر بلفظه، ووجدته في فوائد أبي القاسم الفضل بن جعفر التميمي المعروف بأخي عاصم حدثنا الحسين بن محمد ثنا محمد بن مصفى ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزاعي عن عطاء عن بن عباس بهذا ولكن رواه بن ماجة عن محمد بن مصفى بلفظ إن الله وضع (راجع تلخيص الحبير ج1/281ـ283، خلاصة البدر المنير ج1/154، المحلى ج5/193)