تطور العلاقات بين السلطة الزمنية والسلفية الوهابية
إن تصور ابن عبد الوهاب للتوحيد المجرد ببعده الديني المجرد المطلق وتشدده به أدى الى اسقاط ما لهذا البعد من مطلقية وثبات على البعد السياسي الاجتماعي لفكرة التوحيد، وربما كان هذا من أهم السلبيات التي أدى إليها هذا التصور، فقد أعطى ابن عبد الوهاب القيادة السياسية لبيت آل سعود، وذلك بقوله لمحمد بن سعود"فأرجو أن تكون إماما يجتمع عليه المسلمون وذريتك من بعدك"فالواضح من هذا الكلام أنه يجعل الامامة لابن سعود وذريته خاصة وهذا لا شك ناشيء عن تصوره لفكرة التوحيد المجرد ببعدها الديني المطلق، بالاضافة الى أصداء الواقع الذي عاش فيه، إنه يتصور قيادة سياسية ثابتة كثبات التوحيد المطلق، وقد تعرض ابن عبد الوهاب للنقد لجعله الامامة في بيت واحد، وأُخذ عليه بأنه في حين كان يعمل لنصرة الاسلام واحياء سنة الرسول (ص) قد خالف هذه السنة، اذ الثابت أن الرسول (ص) كان حريصا، وهو يدعو قبائل العرب الى الاسلام، ألا يجعل ثمن نصرتهم لدين الله احتكارهم للامامة دون غيرهم، وقد روت لنا الكتب أن الرسول (ص) لما دعا بني عامر بن صعصعة الى الاسلام اشترطوا عليه أن يكون لهم الأمر من بعده في مقابل نصرتهم للدعوة الى الاسلام، فرفض الرسول (ص) وقال"الأمر لله يضعه حيث يشاء" [1] ، وقد حاولت الدكتورة آمنه محمد نصير في كتابها"الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومنهجه في مباحث العقيدة"أن تدفع هذا الاعتراض مع أنها اعترفت بانه اعتراض صائب، فقالت في معرض ردّها لهذا الاعتراض"والاعتراض ولا شك سديد، غير أنه مما يخفف اللائمة عن محمد بن عبد الوهاب أنه أولا، من المحال أن يستشرف الى الذروة التي تسنمها رسول الله (ص) أحد و هو سيد الرسل .. وحسب العبد الصالح أن يقتفي أثره ما استطاع، وثانيا أن العبارة المنقولة عن الشيخ هي أقرب الى الدعاء والتمني .. وثالثا أنه كان في معاناة المهجر من العيينة الى الدرعية يلتمس الأمن والمأوى [2] ، وسواءا أكانت هذه الاعتذارات مقبولة أم لا، فإن الاتفاق الذي وقع بين ابن عبد الوهاب وابن سعود، الذي يصفه بعض نقاد الوهابية بأنه اتفاق مشؤوم [3] ، شكل حكومة تقوم على أساس اتحاد سلطتين، سلطة دينية يترأسها آل الشيخ ورجالات الدين الوهابيين، وسلطة زمنية أصبحت ملكا متوارثا في يد اسرة آل سعود، وبذلك أصبحت علاقة السلفية الوهابية بالسلطة الزمنية علاقة تفاهم وتعاضد في أغلب الاحيان، الا أن هذا الاتفاق بين السلطتين في العربية السعودية لم يأمن من الوقوع في الثنائة التي وقعت فيها الانظمة السياسية في العالم الاسلامي الحديث، ويمكن تقسيم المراحل التي مرت بها علاقة السلطة الزمنية بالسلطة الدينية في السعودية الى مرحلتين، الاولى منهما تبدأ من عام 1160هـ/1744م، عند ما وقع ابن عبد الوهاب اتفاقية مع ابن سعود وتنتهي هذه المرحلة عام 1902م، عند ما زحف ابن سعود على الرياض وأخرج منها الحامية الرشيدية في 12 يناير من هذا العام [4] ،"
(1) آمنة محمد نصير، السابق، ص 195، محمد البهي، الفكر الاسلامي في تطوره، مكتبة وهبه، القاهرة ط2 رجب 1401هـ /1981م، ص 83
(2) أيمن الياسييني، الدين والدولة، ص 47 - 48
(3) جعفر سبحاني، الوهابية في الميزان، طهران، مؤسسة النشر الاسلامي 1984م، ص37
(4) أيمن الياسييني، الدين والدولة، ص 37