فالسلاطين لا يقضون أمرا من أمور الجهاد والصلح والإصلاح والاقتصاد دون رجوع لعلماء الإسلام، والقضاة يستمدون جميع أحكامهم ووسائلهم في الدماء والأموال والأعراض والفروج وغيرها مما يعرض عليهم من الشريعة الإسلامية، فهم في حاجة دائمة لمراجعتها والكتابة فيها والنظر في أحكامها، مع ما يستجد للفقهاء والمفتين من نوازل وحوادث ووقائع.
هكذا كان الحال في القرون الأولى، والدول الكبرى من أموية وعباسية وإدريسية ومرابطية وبني عبد المومن (موحدية) ومرينية.
فرأينا كتبا هامة لأئمة كبار مثل «إحكام الفصول في أحكام الأصول» و «الإشارة» و «الحدود» لأبي الوليد الباجي، رحمه الله.
و «الإحكام في أصول الأحكام» لأبي بكر بن العربي المعافري و «تقريب الوصول» لابن جزي الكلبي و «مفتاح الوصول» للشريف التلمساني، و «مختصر المستصفى للغزالي» لابن رشد الفيلسوف و «الاعتصام» و «الموافقات» لأبي إسحق الشاطبي، رحم الله الجميع.
و لما تدهور أمر المغرب وكثرت فيه الفتن وانحسر دور الشريعة وتوسع الملوك في استخدام السياسات الخارجة عن الشرع زمن الوطاسيين والسعديين، وانغلق العلماء على أنفسهم وركنوا للتقليد المحض واجترار ما سلف والجمود على الماضي وترك الكتب الكبيرة والاكتفاء بالمتون وشرحها والتحشية عليها، لم يعد لأصول الفقه كبير فائدة لأن الاجتهاد أغلق بابه وحرم على الناس الاقتراب من ساحته.
فأصبح (علم أصول الفقه) يدرس للمعرفة المجردة لا للعمل به، لأن العمل ما عاد إلا بمشهور المذهب على ما في «مختصر خليل» ، وهجرت غيره من الدواوين الكبيرة، فضلا عن السنن والآثار.
و مع هذا فقد نظم أبو بكر بن عاصم الغرناطي منظومته السلسلة العذبة «مرتقى الوصول» وشرحها محمد يحيى الولاتي أوائل القرن الماضي، كما أنه ألف -أي