وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) ، على تقدير أن المراد: لاتخذوا سبيلا إلي مغالبته وقهره ، أو الخروج عليه والتفرد عنه بما خلقوا وملكوا.
أما إن كان المعنى المراد: لاتخذوا سبيلًا إلي عبادته والقيام بواجب حقه رجاء وخوف عقابه ؛ فالآية في توحيد الإلهية ، كقوله تعالى: أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا) (الاسراء:57) وقد استخلص بعض العلماء من ذلك دليلًا سموه دليل التمانع ، وجعلوا جل همهم إثبات توحيد الربوبية به ؛ قالوا: لو جاز أن يكون للعالم ربان سبخلقان ويدبران أمره ، لأمكن أن يختلفا ، بأن يريد أحدهما وجود شيء ويريد الآخر عدمه ، أو يريد أحدهما حركة شيء ويريد الآخر سكونة ، وعند ذلك إما أن ينفذ مرادهما ، وذلك محال لما يلزمه الجمع بين النقيضين ، وإما أن لا ينفذ مراد كل منهما ، وذلك محال لما يلزمه من رفع النقيضين وعجز كل منهما ، وإما أن ينفذ مراد أحدهما دون الآخر ، فيكون الذي نفذ مراده هو الرب دون الآخر لعجزه ، والعاجز لا يصلح أن يكون ربًا.
ولو أن هؤلاء عُنوا بتوحيد الإلهية ، وصرفوا همتهم إلي بيان تفاصيله ، وأجملوا القول في توحيد الربوبية والاستدلال عليه اكتفاء بشهادة الفطرة وإقرار العبادة به وعلمه بالضرورة ، وجعلوا البحث فيه وسيلة إلي توحيد العبادة ودليلًا عليه ، لكانوا بذلك قد سلكوا طريقة القرآن ومنهج الرسل عليهم الصلاة والسلام.