إن تفاوت العقول والمدارك ، وتباين الأفكار ، واختلاف الأغراض والمنازع ،ينشأ عنه تضارب الآراء وتناقض المذاهب وذلك مما يفضي إلي سفك الدماء ، ونهب الأموال ، والاعتداء على الأعراض وانتهاك الحرمات ، والجملة ينتهي بالناس إلي تخريب وتدمير ، لا إلي تنظيم وحسن تدبير ، ولا يرتفع هذا إلا برسول يبعثه الله بفضل الخطاب ليقيم به الحجة ، ويوضح به المحجة ، فاقتضت حكمة الله أن يرسل رسله بالهدى ودين الحق ، رحمة منه بعباده وإقامة للعدل بينهم ، وتبصيرًا لهم بما يجب عليهم من حقوق خالقهم وحقوق أنفسهم وإخوانهم ، وإعانة لهم على أنفسهم ، وأعذارًا إليهم ، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله ، من أجل ذلك أرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن سعد بن عبادة قال: لو رأيت رجلًا مع امرأتي لضربته بالسيف غير مصفح ( أي بحده لا بصفحته ) فبلغ ذلك رسول الله ? فقال"أتعجبون من غيرة سعد ، لأنا أغير منه ، والله أغير منى ، ومن أجل غيره\ة الله حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، ولا أحد أحب إليه العذر من الله ، ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ، ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ، ومن أجل ذلك وعد الله الجنة )."
بهذا يتبين أن إرسال الله لرسل إلي الناس مبشرين ومنذرين هو مقتضي حكمته ، وموجب فضله وإحسانه ورحمته بعباده والله عليم حكيم.
ومن شاهد أحوال الناس وعرف واقعهم المرير الصاخب وعرف أن الله لم يرسل الرسل لمصلحة تعود إليه أو مضرة يدفعها عن نفسه تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا بل أرسلهم لمصالح البشر وسعادتهم في الدنيا والآخرة، أقول من عرف ذلك عرف فساد مذهب البراهمة ، لمناقصته مقتضي الحكمة والرحمة ، ومجافاته لواقع الناس.