أضف إلي ذلك أن ثبوت الشريعة في ذاتها عند المكلفين والإيمان بها يتوقف على معرفة مصدرها والثقة بطريق بلاغها ، فيجب إذن على العباد أن يعلموا أولًا أن لهم ربًا خلاقًا عليمًا حكيمًا ، بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجعون 000 إلي غير ذلك مما تفرد به من صفات الربوبية ، ويؤدوها على وجهها ؛ استمدادًا لفضل الله ورحمته ، ودفعًا للتى استوجبت إخلاص العبادة منه ، ليسلموا وجوههم إليه مكونًا وشرعًا ويعبدوه مخلصين له الدين رغبة ورهبة ، وأن يعلموا ثانيًا أنه تعالى يرسل رسله ليبلغوا عنه شريعته رحمة منه وفضلًا ، ويؤيدهم بالمعجزات ، ويعصمهم في البلاغ حكمة منه وعدلًا ، ليميز الكاذب من الصادق والمبطل من المحق ؛ فيثق العباد بشريعة ربهم ، ويأمنوا عليها من الدخل والافتراء ، وتقوم عليهم بها الحجة ، قال تعالى: )وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) (الحاقة:47) لهذا بدأت الرسل دعوتها بالتوحيد وإثبات الرسالة والجزاء يوم المعاد ، فجرت على موجب العقل ومقتضي الفطرة.
وكان لزامًا على الدعاة أن يبدؤا بما بدأ به الرسل ، ويتبعوا ذلك القول في الفروع وتفاصيلها وسائر ما يكمل الأصول ويحمى حماها حسب الأهمية ، وما يشعر به الدعاة من حاجة المدعوين شعوبًا وأفرادًا.
سلكت الرسل في إثبات وجود الله وتوحيده وصدقهم في دعوى الرسالة وخبرهم عن اليوم الآخر مسلك الإقناع بالحجة والبرهان وضرب الأمثال ، وجمعت في ذلك بين مناجاة العقل والتأثير على العاطفة والتذكير بما جبلت عليه النفوس وفطر عليه الخلق من الإقرار بالحق والميل إلي العدل والإنصاف ، مع لين الجانب ، والرفق في الخطاب ، والصفح الجميل في غير ذله ولا مواربة أو مداهنة ؛ فلا عنت في القول ولا تعسف ، ولا فرض لحكم على الأمة دون بينة من الله وسلطان.