للشريعة أصول إليها ترجع ، ودعائم عليها تقوم ، فشريعة الصلاة والصيام والزكاة ونحوها من العبادات لا يستقيم أداؤها ولا التنسك بها إذا عرف العابد أن من يتقرب إليه غنى كريم ، قوى متين ، غافر الذنب وقابل التوب ، شديد العقاب ، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد 000 إلي غير ذلك من صفات الجلال والإنعام وقوة البأس وشدة الانتقام ، فإنه إذا عرفه العباد بذلك ؛ أشربت قلوبهم حبه ، واستشعرت كمال الذل له والخوف منه ، فأسلموا وجوههم إليه ، وعبدوه عبادة من يعلم أنه يسمعه ويراه ويراقبه في كل شؤونه وأحواله ؛ رجاء رحمته ، وخشية عذابه.
وشريعة المعاملات لا تعدو ذلك النهج - نهج العبادات - ؛ فإن استقامة الناس في أخلاقهم ، وعدلهم في رضاهم وغضبهم ، وإنصافهم لأوليائهم وأعدائهم ، ونصحهم في بيعهم وشرائهم وجميع معاملاتهم يتوقف على شعور القلب بهيمنة قوة غيبية فوق قوى العالم ، قوة رب قادر يخفض ويرفع ويعطى ويمنعه على سنن قويم من الحكمة والعدالة ، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع ، ولا راد لما قضى ؛ بذلك الشعور يستقيم حال الإنسان وينتظم أمره في سره وعلنه ، فيرعى الحقوق لعذابه ونقمته ، وبذلك الشعور وحده يجتمع شمل العالم ويعم الأمن والسلام جميع مرافق الحياة.