الصفحة 50 من 132

الحمد لله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، والصلاة والسلام على محمد رسول الله من أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كلِّه ولو كره المشركون، أما بعد؛

فإنَّ الله لم يخلق الخلق عبثًا، ولم يتركهم سدًى، بل أرسل إليهم رسلًا لعلهم يؤمنون، قال الباري جل وعلا: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} ، وبإرسال الرسل تفرَّق بنو آدم إلى قسمين: مؤمنٌ وكافر، قال الله: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} ، وهذه القسمة الثنائية لا ثالث لها، فريقٌ في الجنة وفريقٌ في السَّعير، وبانقسام الخلق إلى قسمين عُقدت العداوة بينهما، فاتخذ الكافرون المؤمنين أعداءً، وأمر الله المؤمنين بعداوة الكافرين، قال الله: {إِنَّ الكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا} ، وأخبر الله عن الكافرين فقال: {وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} ، وقد أمر الله سبحانه عباده المؤمنين بقتال الكافرين، وابتلاهم بذلك، والقتال كُرهٌ لهم، قال الله: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} ، قال السعدي -رحمه الله-:"أخبر سبحانه أنه -أي الجهاد- مكروهٌ للنفوس لما فيه من التَّعب والمشقة، وحصول أنواع المخاوف، والتعرُّض للمتالف، ومع هذا فهو خيرٌ محض لما فيه من الثواب العظيم، والتحرُّز من العقاب الأليم، والنَّصر على الأعداء، والظَّفر بالمغانم وغير ذلك". انتهى كلامه رحمه الله.

فالتكليف بالجهاد ابتلاءٌ من الله لعباده ليميز الخبيث من الطيب، قال ربنا: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلاَ رَسُولِهِ وَلاَ المُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} ، قال السعدي -رحمه الله-:"فشرع الله الجهاد ليحصل به هذا المقصود الأعظم، وهو أن يتميز الصادقون الذين لا يتحيَّزون إلا لدين الله، من الكاذبين الذين يزعمون الإيمان وهم يتَّخذون الولائج والأولياء من دون الله ورسوله والمؤمنين". انتهى كلامه رحمه الله.

قال الله: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} ، قال ابن كثير -رحمه الله-:"أي لا يحسن لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقاومة الأعداء."

قال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ المُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ} ، قال الشوكاني -رحمه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت