أفمن الكبر ذلك؟ قال:"لا، إنّ الله جميلٌ يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس"فبطر الحق دفعه وجحده وغمط الناس احتقارهم وازدراؤهم وهذا حال من يريد العلو والفساد. والقسم الثاني الذين يريدون الفساد بلا علو كالسرّاق والمجرمين من سفلة الناس. والقسم الثالث يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس. وأما القسم الرابع فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم كما قال الله تعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) وقال تعالى: (فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) وقال: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) فكم ممن يريد العلو ولا يزيده ذلك إلا سفولًا، وكم ممن جعل في الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد". انتهى كلامه رحمه الله."
فخير الناس من لم يكن في قلبه إرادة العلو على المؤمنين ولا يبغي الفساد في الأرض، وعباد الله الأبرار من أبعد الناس عن الملك وأزهد الخلق في الإمارة. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنكم ستحرصون على الإمارة وإنها ستكون يوم القيامة حسرةً وندامة فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة"أخرجه البخاري.
ومن ابتلاه الله تعالى بولايةٍ أو إمارة من غير مسألةٍ ولا حرص فليتقِ الله فيها وليسأل الله السلامة، أخرج الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من أمير عشرة إلا وهو يؤتى به يوم القيامة مغلولًا حتى يفكه العدل أو يوبقه الجور".
أيها المجاهد، إنّ مجاهدة النفس ومغالبة الهوى باقيةٌ ما دامت الروح في الجسد، والسعيد من خُتِمت له هذه الحياة بنداء الملائكة لروحه: أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرةٍ من الله ورضوان (وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) .