متتالية متعاقبة في سورة أو سور كما يكون كتاب تاريخ بل كانت مفرقة موزعة على مقامات تناسبها [1]
إذن فكل موطن يعالج جانبا فقط من الجوانب، وهذا يحتاج إلى إنعام نظر وحسن استقراء لباقى المواطن رابطا كل هذه بما قبله وما بعده من الآيات القرآنية
ويستمر ابن عاشور في طرحه لهذه القضية مفندا احتمالات الخصم فيقول:"وعلى فرض أن هناك تكرار في إيراد القصة، أليس الأسلوب في كل موطن يختلف عن الموطن الآخر وأسلوبه؟"
ثم أليس هذا إعجازا وبلاغة في أرقي صورها في القرآن، وصدق الله"وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى القرآن مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ [2] "
ثم يتساءل ابن عاشور:"لماذا لم يقع الاستغناء بالقصة الواحدة في حصول المقصود منها، وما فائدة تكرار القصة في سور كثيرة؟"
ويجيب عن هذا التساؤل فيقول:"إن القرآن هو بالخطب والمواعظ أشبه منه بالتآليف، وفوائد القصص تجتلبها المناسبات، وتذكر القصة كالبرهان على الغرض المسوقة هي معه فلا يعد ذكرها مع غرضها تكريرا لها لأن سبقَ ذكرها إنما كان في مناسبات أخرى، وهذا مقام تظهر فيه براعة الخطباء، مع ما فيه من مقاصد أخرى منها:"
أولا: رسوخها في الأذهان بتكريرها 0
ثانيا: أن يسمع اللاحقون من المؤمنين في وقت نزول القرآن ذكر القصة التي كانت فاتتهم مماثلتها قبل إسلامهم أو في مدة مغيبهم فإن تلقي القرآن عند نزوله أوقع في النفوس من طلبه من حافظيه 0
وهكذا أبدع ابن عاشور في توضيح وجهة النظر فيما يظن أنه تكرار في القرآن وليس كذلك [3]
كذلك لم يفت الأستاذ سيد قطب في ظلاله أن يشير إلى موضع تكرار القصة في القرآن الكريم ولو في إشارات سريعة دون استطراد أو إطناب فيقول:"يرد القصص في القرآن في مواضع ومناسبات , وهذه المناسبات التى يساق لها القصص من أجلها هى التى تحدد مساق القصة والحلقة التى تعرض منها , والصورة التى تأتى عليها والطريقة التى تؤدى بها , تنسيقا للجو الروحي والفكري والفني الذى تعرض فيه وبذلك تؤدى دورها الموضعي وتحقق غايتها النفسية وتلقى إيقاعها المطلوب , ويحسب"
(1) التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور 1/ 36
(2) النمل 6
(3) الموضوع بتمامه في التحرير والتنوير لابن عاشور 1/ 37،38