الله فرق ذكر ما دار بينهما وجعله أجزاء ثم قسم تلك الأجزاء على تارات التكرار لتوجد متكررة فيها، ولو جمعت تلك القصص في موضع واحد لأشبهت ما وجد الأمر عليه من الكتب المتقدمة , من انفراد كل قصة بموضع , كما وقع في القرآن بالنسبة ليوسف عليه السلام 0 [1]
فالزركشى ينفى أن يكون هناك تكرار مذموم في القصص القرآنى، ولكن التكرار المحمود موجود ولا ريب , وقد فرق فيه القرآن أحداث القصة على أجزاء ومواطن , يحصل في كل موطن غاية تختلف عن غيرها , وتعالج في كل موضع ما لا تعالجه في موضع آخر.
والأمر لا يختلف كثيرا عند علمائنا المعاصرين أو المحدثين , فإذا انتقلنا من الحديث عن القدامى أمثال ابن قتيبة والزركشى , ونظرنا للقضية ذاتها عند المحدثين من العلماء نجد أن الفكر واحد , بيد أن الأسلوب قد يختلف في عرض القضية مع اتفاق الجميع على تنزيه القرآن الكريم عن التكرار المذموم وأن القصة وإن تشابهت الألفاظ إلا أنها تقدم طرحا جديدا في كل موضع , ولنأخذ بعض النماذج من علماء العصر الحديث والذين لم يألوا جهدا في عرض هذه القضية 0
يقول الشيخ عطية صقر رحمه الله عند معالجته لقضية التكرار في القصص القرانى خاصة:"قصص القرآن هو أحسن القصص صدقا وبلاغة قال تعالى:"نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ" [2] وتتضح حكمة هذا القصص من قوله تعالى:"وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ" [3] , وإذا كان هناك تكرار في القرآن للقصة فلا ينبغى أن يغيب عن أذهاننا:"
1_ أن القرآن الكريم لم ينزل مرة واحدة حتى يعاب التكرار , ولكنه نزل مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة , تنزل الجملة منه حسب الظروف الطارئة , والقصة الواحدة قد تصلح لكل الظروف , متسقة معها، مراعاة لمقتضى الحال وذلك هو سر البلاغة التى نزل بها القرآن في أعلى درجاتها.
2_والنظرة العابرة إلى القصة التى نزلت عدة مرات قد يفهم منها أنها متشابهه متماثلة تماما , لكن النظرة الدقيقة ترينا أن القصة في موضع يُركز فيها على جانب معين , وتكون الجوانب الأخرى تابعة ومكملة , لأن المقام يقتضى إبراز هذا الجانب , فبينما تراها في موضع يركز فيها على جانب معين , كان في غيرها من التوابع المكملة , وذلك لاقتضاء المقام له أيضا , ولذلك قد يهمل في بعضها لفظ أو
(1) البرهان في علوم القرآن للزركشى 3/ 27
(2) الكهف 13
(3) هود 120