3 -الآية: 153
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ)
قال الشيخ رحمه الله: أمر الله تعالى المؤمنين , بالاستعانة على أمورهم الدينية والدنيوية {بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} فالصبر هو: حبس النفس وكفها عما تكره , فهو ثلاثة أقسام: صبرها على طاعة الله حتى تؤديها , وعن معصية الله حتى تتركها , وعلى أقدار الله المؤلمة فلا تتسخطها، فالصبر هو المعونة العظيمة على كل أمر , فلا سبيل لغير الصابر , أن يدرك مطلوبه، خصوصًا الطاعات الشاقة المستمرة , فإنها مفتقرة أشد الافتقار , إلى تحمل الصبر , وتجرع المرارة الشاقة، فإذا لازم صاحبها الصبر , فاز بالنجاح , وإن رده المكروه والمشقة عن الصبر والملازمة عليها , لم يدرك شيئًا , وحصل على الحرمان، وكذلك المعصية التي تشتد دواعي النفس ونوازعها إليها وهي في محل قدرة العبد، فهذه لا يمكن تركها إلا بصبر عظيم , وكف لدواعي قلبه ونوازعها لله تعالى , واستعانة بالله على العصمة منها , فإنها من الفتن الكبار. وكذلك البلاء الشاق , خصوصًا إن استمر , فهذا تضعف معه القوى النفسانية والجسدية , ويوجد مقتضاها , وهو التسخط , إن لم يقاومها صاحبها بالصبر لله , والتوكل عليه , واللجأ إليه , والافتقار على الدوام.
فعلمت أن الصبر محتاج إليه العبد , بل مضطر إليه في كل حالة من أحواله، فلهذا أمر الله تعالى به , وأخبر أنه {مَعَ الصَّابِرِينَ} أي: مع من كان الصبر لهم خلقا , وصفة , وملكة بمعونته وتوفيقه , وتسديده، فهانت عليهم بذلك , المشاق والمكاره , وسهل عليهم كل عظيم , وزالت عنهم كل صعوبة، وهذه معية خاصة , تقتضي محبته ومعونته , ونصره وقربه , وهذه [منقبة عظيمة] للصابرين، فلو لم يكن للصابرين فضيلة إلا أنهم فازوا بهذه المعية من الله , لكفى بها فضلا وشرفا، وأما المعية العامة , فهي معية العلم والقدرة , كما في قوله تعالى: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} وهذه عامة للخلق.