يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127) التوبة: 124 - 127
{يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ} : وَذلك لِمَا جُبلوا عليه من الجبن والخَوَر،"يحسبون كلَّ صيحة يسمعونها واقعة عليهم، نازلة بهم لفرط جبنهم ورعب قلوبهم" [1] ، وذلك بسبب"هلعهم وتخوفهم من كلّ ما يتخيَّل منه بأس المسلمين، لأنهم أعداء ألِدّاءُ للمسلمين ينظرون للمسلمين بمرآة نفوسهم، فكما هم يتربصون بالمسلمين الدوائر ويتمنون الوقيعة بهم، مع تظاهرهم بالمودة: كذلك يظنون بالمسلمين التربص بهم وإضمار البطش بهم، ويخشون في كل لحظة تمر بهم أن ينكشف أمرهم على نحو ما قال أبو الطيب:"
إذا ساء فعلُ المرءِ ساءتْ ظنونُهُ ... وصدَّق ما يعتادُه من تَوَهُّم ..." [2] ."
فالمنافق أشد الناس جبنا وهلعا، فَقَدَ الثقةَ وسُلِبَ الأمنَ، يفزع من أي طيفٍ، ويرتاعُ من أي صوت، كما قال الشاعر في هجاء شخصٍ أكولٍ جبان:
إذا صوَّتَ العصفورُ طارَ فؤادُهُ ... وليثٌ حديدُ النابِ عندَ الثرائِدِ
وكما قال آخر:
أفي السِّلْمِ أعيارٌ جَفَاءً وَغِلْظَةً ... وفي الحربِ أشباهُ النساءِ الفوارِكِ؟" [3] ."
"وهذا النموذجُ من الناسِ، لا ينقطعُ في جيلٍ ولا في قبيلٍ. فهو موجود دائمًا. وهو شجاعٌ فصيحُ بارزُ حيثُما كان هناك أمنٌ ورخاءٌ ومغنمٌ، وهو جبانٌ صامتٌ مُنزوٍ حيثما كان هناك شدة وخوف. وهو شحيحٌ بخيل على الخير وأهل الخير، لا ينالهم منه إلا سلاطة اللسان!" [4] .
"وكم نُكِبتْ أُمتُنا من أولئك المنافقينَ الذين لاذوا بالجحورِ، وآثروا السلامةَ عند اشتداد الأزماتِ ووقوع المواجهاتِ، فلما تحقق النصرُ للمجاهدين سرقوه وَجَنَوا ثمارَه، فتسلطوا على"
(1) - نفس المرجع 5/ 231
(2) - التحرير والتنوير لابن عاشور 28/ 241 بتصرف
(3) - تفسير القرآن العظيم لابن كثير 3/ 625 أي في حالِ المُسالمَةِ كأنهم الحُمُرُ، والأعيارُ جمعُ عِير، وهو الحمارُ وفي الحرب كأنهم النساء الحُيَّض!
(4) - في ظلال القرآن 6/ 3592