جعلوا من الأيمان جُنَّةً ووقايةً للتمويه والخداع، والصد عن سبيل الله، واتخاذها جُنَّةً عبارة عن إعدادهم وتهيئتهم لها إلى وقت الحاجة، ليحلفوا بها، ويتنصَّلوا من سوء الفِعَالِ والمقالِ، فهم مع صدودهم عن الحق وإعراضهم عنه وإحجامهم عن الدخول في الإسلام والانقياد لأحكامه، قد صدُّوا الناس عن الإيمان والهجرة والجهاد، وأعمال الطاعة والبر بما يُشيعونه في المجتمع المسلم من تشكيكٍ وقدحٍ وطعنٍ، فبئس العمل عملهم.
ومن دقة التعبير القرآني تصويرُهم وهم في قلقهم النفسي وقد استتروا بدرعٍ واهٍ من الأيمان الكاذبة، لأنهم يعتبرون أنفسهم في حالة حربٍ مفتوحةٍ مع المؤمنين.
{وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4) }
لما ذكر الله سبحانه وتعالى كذب المنافقين بيَّن هنا شيئًا من خصالهم الذميمة وطباعهم الدنيئةِ التي تتنافى مع مظهرهم الكاذب، وتتناقضُ مع كلامهم المعسول، حتى أَن الناظر إليهم ينبهرُ بوجوههم الصبيحة، والسامع لهم يطربُ ويستمتعُ بألسنتهم الفصيحة، فيصغي إلى قولهم وينخدع بمنطقهم، ويغترُّ بهيئاتهم ومناظرهم، يعني: أن لهم أجسامًا تعجب من يراها لما فيها من النضارة والرونق {وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ} فتحسب أن قولهم حقٌّ وصدق لفصاحتهم، وذلاقة ألسنتهم،"وقد كان عبد الله بن أبيّ رأس المنافقين فصيحًا جسيمًا جميلًا، وكان يحضر مجلس النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فإذا قال سمع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - مقالته، قال الكلبي: المراد عبد الله بن أبيّ، وجدّ بن قيس، ومعتب بن قيس كانت لهم أجسام ومنظر وفصاحة" [1] .
{كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ} : ولكنهم أَجسامٌ بلا عقول وألسنةٌ بلا أفئدة، وهياكل وأشباح بلا أرواح، وهم في حضورهم مجالس النبي - صلى الله عليه وسلم - كالخُشب المسندةِ على جدارٍ، فوجودها كعدمها إذ لا تفهم ولا تعلم، وكذلك المنافقون يخرجون كما دخلوا بل لا يزدادون إلا كفرا وارتيابا فهم محجوبون عن الفهم الصحيح، محرومون من العلم النافع.
كما قال سبحانه وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ
(1) - فتح القدير للشوكاني 5/ 230، 231