فالتشبه إذن هو تكلف المشاركة والاتفاق في معنى من المعاني، وتشبه الرجل بالمرأة أن يتصنع أن يكون مثلها في خاصية من خواصها وفي مظهر من مظاهرها، ولقد فطرت المرأة على حب التزين والتجمل لتكون محببة إلى الرجل، وقد أحل الشارع الحكيم لها أن تلبس الحرير، وأن تتحلى بالذهب، ومنع من ذلك الرجل، كما أن المرأة تحب الألوان الزاهية والبراقة لما فيها من زينة ظاهرة تلائم فطرتها، كما أن العرف على أن للمرأة ثيابها الخاصة بها في صفتها وهيئتها. ولقد فطر الله المرأة على الحسن والجمال غالبا، وسوى لها أعضاءها على أتم ما تكون حسنا وجاذبية، وزودها بالشعر الغزير في رأسها ليزيدها جمالا وحسنا، في حين أنها فطرت على أنه لا شعر لها في وجهها وفي بعض أعضائها، لأن ذلك حسن يلائمها .. وقد أباح الشارع الحكيم لها أن تتجمل بكل ذلك التجمل الفطري الشرعي، وللمرأة صوتها العذب الرقيق و بدنها الضعيف.
إن هذه الأمور ونحوها خاصة بالنساء تلائم فطرتهن، فإذا تكلف الرجل شيئا منها وعمد إلى الاتصاف بها فقد تشبه بالمرأة، واستحق اللعنة، فإذا بالغ في التزين والتجمل وجعل كل همه الاعتناء الزائد بالزينة فقد تشبه بالمرأة، وإذا لبس الحرير أو تحلق بالذهب في أصبعه أو وضعه على صدره فقد تشبه بها.
وإذا اختار الألوان البراقة لثيابه أو لبس نعلا يشابه نعلها فقد تشبه بها، وإذا ترك شعر رأسه لينمو ويكثر وصنع به كما تصنع بشعرها، فقد تشبه بها .. وإذا أزال ما في وجهه من شعر اللحية فقد تشبه بها، وإذا حاول التثني والتكسر في كلامه وهيئته ومشيته فقد تشبه بها، وإن دل ذلك على شيء، فإنما يدل على ضعف الدين وضعف الرجولة وضعف الذات وفقد الغيرة والنخوة والمروءة والشهامة، وعلى الميل إلى مظاهر الخسة والدناءة، وهذا هو التخنث المقيت الذي لعن صاحبه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء وقال:"أخرجوهم من بيوتكم"، قال:"فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم فلانا وأخرج عمر فلانا" [1] ، والمخنث هو المؤنث من الرجال وهو من يتشبه بالنساء في هيئاتهن وحركاتهن وثيابهم وفي كلامهن وأخلاقهن، وإنما يذم من تكلف"
(1) البخاري ج 4 ص26.