و لمّا تبرأ الخيار من أهل البدع و دعاتها ضنوا عليهم بالسلام و المجالسة و التوقير ، و كلّ حقوق المسلم ، بل ذهبوا أبعد من ذلك فتبرأوا من علومهم ، حتى لم يكونوا يعلّمونهم أو يتعلّمون منهم خشية تسلل شبهاتهم و أهوائهم إلى من سواهم .
و خشية من هذه المفسدة ، و درءًا لها أعرض السلف عن علوم المبتدعة ، و لم يأتمنوهم على شيء من دين الله ، و هذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بقوله: ( إنّ الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم ، و لا يصلى خلفهم ، و لا يؤخذ عنهم العلم ) .
[ مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: 28/205 ] .
قال يوسف ابن أسباط: ( ما أبالي سألتُ صاحب بدعة عن ديني ، أو زنيت ) .
[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة: 2/459 ] .
و عن سلام بن أبي مطيع أن رجلًا من أصحاب الأهواء قال لأيوب السختياني: ( يا أبا بكر ! أسألك عن كلمة ) ؟ قال أيوب - و جعل يشير بإصبعه -: ( و لا نصف كلمة ، و لا نصف كلمة ) .
[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة: 2/447 ، و شرح السنّة ، للبغوي: 1/227 ] .
و عن أسماء - جدة سعيد بن عامر - قالت: دخل رجلان من أهل الأهواء على محمد بن سيرين فقالا: يا أبا بكر: نحدثك بحديث ؟ قال: ( لا ) .
قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله ؟
قال: ( لا ، لتقومان عنّي أو لأقومنّ ) .
[ الإبانة الكبرى ، لابن بطة: 2/446 ] .
و لمّا كانت شبه القوم و ضلالاتهم و أقوالهم الفاسدة مبثوثة في كتبهم حتى تكاد تغص بها ، و تفيض من بطونها ، تبرّأ سلفنا من كتب أهل البدع ، فذمّوها و نفّروا منها .
قال ابن قدامة: ( كان السلف ينهون عن مجالسة أهل البدع ، و النظر في كتبهم ) .
[ الآداب الشرعيّة ، لابن مفلح: 11/232 ] .
و قال العلاّمة ابن القيّم: ( لا ضمان في تحريق الكتب المضلّة و إتلافها . قال محمد بن نصر المروزي: قلت لأحمد: استعرت كتابًا فيه أشياء رديئة أترى أن أخرقه أو أحرقه ؟